إذا شك في النجاسة، فهل يبحث عنها؟
3 paragraphs · vol. 22, p. 325
- vol. 22, p. 325
مِثْلُ هَذَا فَلَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّ هَذَا الْمَاءَ الْمُعَيَّنَ أَصَابَهُ هَذَا وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ هَذَا بِعَيْنِهِ وَارِدٌ فِي طِينِ الشَّوَارِعِ لِكَثْرَةِ مَا يُصِيبُهُ مِنْ أَبْوَالِ الدَّوَابِّ وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُ أَحْمَد وَغَيْرُهُمْ: بِطَهَارَتِهِ بَلْ النَّجَاسَةُ فِي طِينِ الشَّوَارِعِ أَكْثَرُ وَأَثْبَتُ: فَإِنَّ الْحَمَّامَ وَإِنْ خَالَطَ بَعْضَ مِيَاهِهَا نَجَاسَةٌ فَإِنَّهُ يَنْدَفِعُ وَلَا يَثْبُتُ بِخِلَافِ طِينِ الشَّوَارِعِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: كَمَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّجَاسَةِ فَالظَّاهِرُ مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ وَذَلِكَ أَنَّا إذَا اعْتَبَرْنَا مَا تُلَاقِيهِ النَّجَاسَةُ فِي الْعَادَةِ وَمَا لَا تُلَاقِيهِ كَانَ مَا لَا تُلَاقِيهِ أَكْثَرَ بِكَثِيرِ. فَإِنَّ غَالِبَ الْمِيَاهِ الْجَارِيَةِ فِي أَرْضِ الْحَمَّامِ لَا يُلَاقِيهَا فِي الْعَادَةِ نَجَاسَةٌ وَإِذَا اتَّفَقَ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ لَمْ تَبْقَ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَوَارِدِ النِّزَاعِ بَلْ مِنْ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ. وَلِهَذَا قُلْتُ: إنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُ ذَلِكَ تَنَجُّسًا فَإِنَّهُ وَسْوَاسٌ.
-
وَلَنَا فِيمَا إذَا شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ هَلْ يُسْتَحَبُّ الْبَحْثُ عَنْ نَجَاسَتِهِ وَجْهَانِ: أَظْهَرُهُمَا لَا يُسْتَحَبُّ الْبَحْثُ لِحَدِيثِ عُمَرَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ حُكْمَ الْغَائِبِ إنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْعِلْمِ فِي الصَّحِيحِ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد وَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا وَلَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ - أَنَّ عَلَيْهِ
vol. 22, p. 326نَجَاسَةٌ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي اجْتِنَابِهَا فِي الصَّلَاةِ فَمَسْأَلَةُ إصَابَتِهَا لَنَا فِيهَا أَيْضًا وَجْهَانِ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّا إذَا قَدَّرْنَا أَنَّ الْغَالِبَ التَّنَجُّسُ فَقَدْ يُعَارِضُ الْأَصْلَ وَالظَّاهِرَ وَفِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرًا مَا يَجِيءُ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا كَثِيَابِ الْكُفَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَكِنْ مَعَ مَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ - كَطِينِ الشَّوَارِعِ - يُرَجِّحُونَ الطَّهَارَةَ وَإِذَا قِيلَ بِالتَّنْجِيسِ فِي مِثْلِ هَذَا عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ. الْأَصْلُ الثَّانِي: أَنْ نَقُولَ هَبْ أَنَّ هَذَا الْمَاءَ خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ لَكِنَّهُ مَاءٌ جَارٍ فَإِنَّهُ سَاحَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَالْمَاءُ الْجَارِي إذَا خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ فَفِيهِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا نَصُّهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ شِدَّةِ قَوْلِهِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ. وَنَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَالِاغْتِسَالِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَارِيَ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ الْبَوْلُ فِيهِ وَالِاغْتِسَالُ فِيهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ طَاهِرٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ: وَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ
vol. 22, p. 327مَا يُوجِبُ تَنْجِيسَهُ. فَإِنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ كَالدَّائِمِ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْقُلَّتَانِ فَإِذَا كَانَتْ الْجَرْيَةُ أَقَلَّ مِنْ قُلَّتَيْنِ نَجَّسَتْهُ كَمَا هُوَ الْجَدِيدُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد فَإِنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا وَلَا أَثَرَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ. إلَّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ} وَقِيَاسُ الْجَارِي عَلَى الدَّائِمِ وَكِلَاهُمَا لَا حُجَّةَ فِيهِ. أَمَّا الْحَدِيثُ فَمَنْطُوقُهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي مَفْهُومِهِ؛ وَدَلَالَةُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ لَا تَقْتَضِي عُمُومَ مُخَالَفَةِ الْمَنْطُوقِ فِي جَمِيعِ صُوَرِ الْمَسْكُوتِ بَلْ تَقْتَضِي أَنَّ الْمَسْكُوتَ لَيْسَ كَالْمَنْطُوقِ فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا نَوْعُ فَرْقٍ ثَبَتَ أَنَّ تَخْصِيصَ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ بِالذِّكْرِ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي لِلتَّعْمِيمِ كَانَ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْحُكْمِ. فَإِذَا قَالَ: إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ دَلَّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ كَذَلِكَ فَإِذَا كَانَ مَا لَمْ يَبْلُغْ فُرِّقَ فِيهِ بَيْنَ الْمَاءِ الْجَارِي وَالدَّائِمِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ لَا سِيَّمَا وَالْحَدِيثُ وَرَدَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِمْ عَنْ الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي يَكُونُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ. فَيَبْقَى قَوْلُهُ: {الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ} الْوَارِدُ فِي بِئْرِ بضاعة مُتَنَاوِلًا لِلْجَارِي. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجَارِيَ لَهُ قُوَّةُ دَفْعِ النَّجَاسَةِ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ إذَا صُبَّ عَلَى الْأَرْضِ النَّجِسَةِ طَهَّرَهَا؛ وَلَمْ يَتَنَجَّسْ فَكَيْفَ لَا يَدْفَعُهَا عَنْ نَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ يُحِيلُ النَّجَاسَةَ بِجَرَيَانِهِ.
- vol. 22, p. 328
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقِيَاسَ: هَلْ هُوَ تَنْجِيسُ الْمَاءِ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ؟ أَوْ عَدَمُ تَنْجِيسِهِ حَتَّى تَظْهَرَ النَّجَاسَةُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْأَصْحَابِ وَغَيْرِهِمْ. فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ: الْعَفْوُ عَمَّا فَوْقَ الْقُلَّتَيْنِ: كَانَ لِلْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ حِفْظُهُ مِنْ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ غَالِبًا يَكُونُ فِي الْحِيَاضِ وَالْغُدْرَانِ وَالْآبَارِ؛ بِخِلَافِ الْقَلِيلِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي الْأَوَانِي وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْجَارِي فَإِنَّ حِفْظَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ أَصْعَبُ مِنْ حِفْظِ الدَّائِمِ الْكَثِيرِ. وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي وَأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ حَتَّى تَظْهَرَ النَّجَاسَةُ كَانَ التَّطْهِيرُ عَلَى قَوْلِهِ أَوْكَدَ فَإِنَّ الْقَلِيلَ الدَّائِمَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْمِلُ الْخَبَثَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ. وَأَمَّا الْجَارِي فَإِنَّهُ بِقُوَّةِ جَرَيَانِهِ يُحِيلُ الْخَبَثَ فَلَا يَحْمِلُهُ كَمَا لَا يَحْمِلُهُ الْكَثِيرُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَهَذِهِ الْمِيَاهُ الْجَارِيَةُ فِي حَمَّامٍ إذَا خَالَطَهَا بَوْلٌ أَوْ قَيْءٌ أَوْ غَيْرُهُمَا كَانَتْ نَجَاسَةً قَدْ خَالَطَتْ مَاءً جَارِيًا فَلَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ وَالْكَلَامُ فِيمَا لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ النَّجَاسَةُ. وَإِنْ قِيلَ: إنَّ مَاءَ الْحَمَّامِ يُخَالِطُهُ السِّدْرُ والخطمي وَالتُّرَابُ. وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ وَالْأُشْنَانُ وَالصَّابُونُ وَالْحِنَّاءُ