فصل: الترتيب في الوضوء وغيره من العبادات

5 paragraphs · vol. 22, p. 407

  1. التَّرْتِيبُ فِي الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُودِ: النِّزَاعُ فِيهِ مَشْهُورٌ. فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: يَجِبُ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ. وَأَحْمَد قَدْ نَصَّ عَلَى وُجُوبِهِ نُصُوصًا مُتَعَدِّدَةً. وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُتَقَدِّمُونَ - كَالْقَاضِي وَمَنْ قَبْلَهُ - عَنْهُ نِزَاعًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمْ أَرَ عَنْهُ فِيهِ خِلَافًا. قَالَ: وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ: رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَد: أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. قُلْت: هَذِهِ أُخِذَتْ مِنْ نَصِّهِ فِي الْقَبْضَةِ لِلِاسْتِنْشَاقِ فَلَوْ أَخَّرَ غَسْلَهَا إلَى مَا بَعْدَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ: فَفِيهِ عَنْ أَحْمَد رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ. فَإِنَّهُ قَالَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: إنَّهُ لَوْ نَسِيَهُمَا حَتَّى صَلَّى: تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَأَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ؛ لِمَا فِي السُّنَنِ عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ معديكرب {أَنَّهُ أُتِيَ بِوَضُوءٍ. فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ} .

    vol. 22, p. 407
  2. فَغَيْرُ أَبِي الْخَطَّابِ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا بِأَنَّ التَّرْتِيبَ إنَّمَا يَجِبُ فِيمَا ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ. وَهُمَا لَيْسَا فِي الْقُرْآنِ. وَأَبُو الْخَطَّابِ - وَمَنْ تَبِعَهُ - رَأَوْا هَذَا فَرْقًا ضَعِيفًا. فَإِنَّ الْأَنْفَ وَالْفَمَ لَوْ لَمْ يَكُونَا مِنْ الْوَجْهِ لَمَا وَجَبَ غَسْلُهُمَا. وَلِهَذَا خَرَّجَ الْأَصْحَابُ: أَنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ. كَمَا قَالَ الخرقي وَغَيْرُهُ " وَالْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْ الْوَجْهِ " وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِهِمَا غَسْلَ الْوَجْهِ. يَبْدَأُ بِغَسْلِ مَا بَطَنَ مِنْهُ. وَقَدَّمَ الْمَضْمَضَةَ لِأَنَّ الْفَمَ أَقْرَبُ إلَى الظَّاهِرِ مِنْ الْأَنْفِ. وَلِهَذَا كَانَ الْأَمْرُ بِهِ أَوْكَدَ. وَجَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالْأَمْرِ بِهِ. ثُمَّ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ سَائِرَ الْوَجْهَ. فَإِذَا قِيلَ بِوُجُوبِهِمَا مَعَ النِّزَاعِ فَهُمَا كَسَائِرِ مَا نُوزِعَ فِيهِ. مِثْلُ الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ فَمَالِكٌ وَغَيْرُهُ يَقُولُ: لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ. وَفِي النَّزْعَتَيْنِ وَالتَّحْذِيفِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. قِيلَ: هُمَا مِنْ الرَّأْسِ. وَقِيلَ: مِنْ الْوَجْهِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ النَّزْعَتَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ وَالتَّحْذِيفُ مِنْ الْوَجْهِ. فَلَوْ نَسِيَ ذَلِكَ فَهُوَ كَمَا لَوْ نَسِيَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ. فَتَسْوِيَةُ أَبِي الْخَطَّابِ أَقْوَى.

    vol. 22, p. 408
  3. وَعَلَى هَذَا: فَأَحْمَدُ إنَّمَا نَصَّ عَلَى مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ نَاسِيًا. وَلِهَذَا قِيلَ لَهُ: نَسِيَ الْمَضْمَضَةَ وَحْدَهَا؟ فَقَالَ: الِاسْتِنْشَاقُ عِنْدِي أَوْكَدُ. يَعْنِي إذَا نَسِيَ ذَلِكَ وَصَلَّى. قَالَ: يَغْسِلُهُمَا وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ وَالْإِعَادَةُ إذَا تَرَكَ الِاسْتِنْشَاقَ عِنْدَهُ أَوْكَدُ لِلْأَمْرِ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ فَإِنَّ جَمِيعَ مَنْ نَقَلَ وُضُوءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرُوا: أَنَّهُ بَدَأَ بِهِمَا. وَهَذَا حَكَى فِعْلًا وَاحِدًا. فَلَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ كَانَ مُتَعَمِّدًا. وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ فِي تَأْخِيرِهِمَا عَمْدًا سُنَّةٌ بَلْ السُّنَّةُ فِي النِّسْيَانِ. فَإِنَّ النِّسْيَانَ مُتَيَقِّنٌ. فَإِنَّ الظَّاهِرَ: أَنَّهُ كَانَ نَاسِيًا إذَا قُدِّرَ الشَّكُّ. فَإِذَا جَازَ مَعَ التَّعَمُّدِ فَمَعَ النِّسْيَانِ أَوْلَى. فَالنَّاسِي مَعْذُورٌ بِكُلِّ حَالٍ. بِخِلَافِ الْمُتَعَمِّدِ. وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ. وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَعَمِّدِ لِتَنْكِيسِ الْوُضُوءِ وَبَيْنَ الْمَعْذُورِ بِنِسْيَانِ أَوْ جَهْلٍ. وَهُوَ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ. وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِأُصُولِ الْمَذْهَبِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَد فِي الصُّورَةِ الَّتِي خَرَّجَ مِنْهَا أَبُو الْخَطَّابِ. فَمِنْ ذَلِكَ: إذَا أَخَلَّ بِالتَّرْتِيبِ بَيْنَ الذَّبْحِ وَالْحَلْقِ. فَإِنَّ الْجَاهِلَ يُعْذَرُ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ. وَأَمَّا الْعَالِمُ الْمُتَعَمِّدُ: فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ

    vol. 22, p. 410وَالسُّنَّةُ إنَّمَا جَاءَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: {افْعَلْ وَلَا حَرَجَ} لِأَنَّهُمْ قَدَّمُوا وَأَخَّرُوا بِلَا عِلْمٍ. لَمْ يَتَعَمَّدُوا الْمُخَالَفَةَ لِلسُّنَّةِ. وَإِلَّا فَالْقُرْآنُ قَدْ جَاءَ بِالتَّرْتِيبِ لِقَوْلِهِ: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنِّي قَلَّدْت هَدْيِي وَلَبَّدْت رَأْسِي فَلَا أُحِلُّ وَأَحْلِقُ حَتَّى أَنْحَرَ} . وَقَوْلُهُ {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} أَدَلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ مِنْ قَوْلِهِ: {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} . لَكِنْ يُقَالُ: قَدْ فَرَّقُوا بِأَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ مُرْتَبِطٌ بَعْضُهَا بِبَعْضِ وَتِلْكَ عِبَادَاتٌ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. وَهَكَذَا فَرَّقَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ. فَقَالَ: ذَاكَ كُلُّهُ مِنْ الْحَجِّ: الدِّمَاءُ وَالذَّبْحُ وَالْحَلْقُ وَالطَّوَافُ. وَالْحَجُّ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ. وَلِهَذَا مَتَى وَطِئَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فَسَدَ الْحَجُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَهَلْ يَحْصُلُ كَالدَّمِ وَحْدَهُ أَوْ كَالدَّمِ وَالْحَلْقِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: إذَا نَسِيَ بَعْضَ آيَاتِ السُّورَةِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ. فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُهَا وَلَا يُعِيدُ مَا بَعْدَهَا مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ تَنْكِيسَ آيَاتِ السُّورَةِ

    vol. 22, p. 411وَقِرَاءَةُ الْمُؤَخَرِ قَبْلَ الْمُقَدَمِ لَمْ يَجُزْ بِالْاتِفَاقِ وَإِنَّمَا الْنِزَاعُ فِي تَرْتِيبِ السُّوَرِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَد وَحَكَاهُ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ سُئِلَ عَنْ الْإِمَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ يَدَعُ الْآيَاتِ مِنَ الْسُورَةِ تُرَى لِمَنْ خَلْفَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا قَالَ نَعَمْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ قَدْ كَانُوا بِمَكَّةَ يُوكِلُونَ رَجُلًا يَكْتُبُ مَا تَرَكَ الِْإمَامُ مِنَ الْحُرُوفِ وَغَيْرِهَا فَإِذَا كَانَ لَيْلَةَ الْخَتْمَةِ أَعَادَهُ

    قَالَ الْأَصْحَابُ كَأَبِي مُحَمَدٍ وَإِنَّمَا اسْتَحَبَ ذَلِكَ لِتَتِمَ الْخَتْمَةُ وَيَكْمُلَ الْثَوَابُ

    فَقَدْ جَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ وَأَحْمَد وَأَصْحَابُهُ إِعَادَةَ الْمَنْسِي مِنَ الْآيَاتِ وَحْدَهُ يُكْمِلُ الْخَتْمَةَ وَالثَوَابَ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَلَّ بِالْتَرْتِيبِ هُنَا فَإِنَّهُ لَمْ يَقْرَأ تَمَامَ الْسُورَةِ وَهَذَا مَأْثُورٌ عَنْ عَليٍ رَضِي الْلَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ نَسِيَ آيَةً مِنْ سُورَةٍ ثُمَ فِي أَثْنَاءِ الْقِرَاءَةِ قَرَأَهَا وَعَادَ إِلَى مَوْضِعِهِ وَلَمْ يَشْعُرْ أَحَدٌ أَنَّهُ نّسِيَ إِلَا مَنْ كَانَ حَافِظاً

    فَهَكَذَا مَنْ تَرَكَ غَسْلَ عُضْوٍ أَوْ بَعْضَهُ نِسْيَاناً يَغْسِلُهُ وَحْدَهُ وَلَا يُعِيدُ غَسْلَ مَا بَعْدَهُ فَيَكُونُ قَدْ غَسَلَهُ مَرَتَيْنِ فَإِنَّ هَذَا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ.

    vol. 22, p. 409
  4. وَهَذَا الْتَفْصِيلُ يُوَافِقُ مَا نُقِلَ عَنْ الْصَحَابَةِ وَالْأَكْثَرِينَ فَإِنَّ الْأَصْحَابَ وَغَيْرِهِمْ فَعَلُوا كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِر عَنْ عَليٍ وَمَكْحُولٍ وَالْنَخَعِيِّ

    vol. 22, p. 412وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي فِيمَنْ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ فَرَأَى فِي لِحْيَتِهِ بَلَلًا. فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ فَلَمْ يَأْمُرُوهُ بِإِعَادَةِ غَسْلِ رِجْلَيْهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ " مَا أُبَالِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْت " قَالَ أَحْمَد: إنَّمَا عَنَى بِهِ الْيُسْرَى عَلَى الْيُمْنَى؛ لِأَنَّ مَخْرَجَهُمَا مِنْ الْكِتَابِ وَاحِدٌ. ثُمَّ قَالَ أَحْمَد: حَدَّثَنِي جَرِيرٌ عَنْ قَابُوسَ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ عَلِيًّا سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: أَحَدُنَا يَسْتَعْجِلُ فَيَغْسِلُ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ؟ فَقَالَ: لَا حَتَّى يَكُونَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى " فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَحْمَد عَنْ عَلِيٍّ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ. وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي صُورَةِ النِّسْيَانِ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ مَعَ النِّسْيَانِ وَيُعِيدُ الْمَنْسِيَّ فَقَطْ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّفْصِيلَ قَوْلُ عَلِيٍّ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ ذَكَرَ مَنْ أَسْقَطَهُ مُطْلَقًا: مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " لَا بَأْسَ أَنَّ تَبْدَأَ بِرِجْلَيْك قَبْلَ يَدَيْك " . لَكِنْ قَالَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ: لَا نَعْرِفُ لِهَذَا أَصْلًا؛ وَنَقَلُوا فِي الْوُجُوبِ

    vol. 22, p. 413عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ. وَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ التَّابِعِينَ. وَصُورَةُ النِّسْيَانِ مُرَادَةٌ قَطْعًا. فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ أَوْ جَمِيعِهِمْ. وَالْأَمْرُ الْمُنْكَرُ: أَنْ تَتَعَمَّدَ تَنْكِيسَ الْوُضُوءِ. فَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ. فَإِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ جَائِزًا لَكَانَ قَدْ وَقَعَ أَحْيَانًا أَوْ تَبَيَّنَ جَوَازُهُ - كَمَا فِي تَرْتِيبِ التَّسْبِيحِ - لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَفْضَلُ الْكَلَامِ - بَعْدَ الْقُرْآنِ - أَرْبَعٌ. وَهُنَّ مِنْ الْقُرْآنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. لَا يَضُرُّك بِأَيَّتِهِنَّ بَدَأْت} . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ شَرْعًا وَمَذْهَبًا: أَنَّ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً صَلَّاهَا إذَا ذَكَرَهَا بِالنَّصِّ. وَقَدْ سَقَطَ التَّرْتِيبُ هُنَا فِي مَذْهَبِ أَحْمَد بِلَا خِلَافٍ وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ. وَلَكِنْ حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يُسْقِطُ. وَقَاسُوا ذَلِكَ عَلَى تَرْتِيبِ الطَّهَارَةِ.

  5. وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا} نَصٌّ فِي أَنَّهُ يُصَلِّيهَا فِي أَيِّ وَقْتِ ذَكَرَ. وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ. وَقَدْ سَلَّمَ الْأَصْحَابُ: أَنَّ تَرْتِيبَ الْجَمْعِ لَا يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ. وَعُمُومُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِهِ. فَلَوْ كَانَتْ الْمَنْسِيَّةُ هِيَ الْأُولَى مِنْ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ: أَعَادَهَا وَحْدَهَا بِمُوجِبِ النَّصِّ. وَمَنْ أَوْجَبَ إعَادَةَ الثَّانِيَةِ فَقَدْ خَالَفَ. وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي سَائِرِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ كَالْمَسْبُوقِ إذَا أَدْرَكَهُمْ فِي الثَّانِيَةِ: صَلَّاهَا مَعَهُمْ ثُمَّ صَلَّى الْأُولَى. كَمَا لَوْ أَدْرَكَ بَعْضَ الصَّلَاةِ. وَلَيْسَ تَرْتِيبُ صَلَاتِهِ عَلَى أَوَّلِ الصَّلَاةِ بِأَعْظَمَ مِنْ تَرْتِيبِ آخِرِ الصَّلَاةِ عَلَى أَوَّلِهَا. وَإِذَا كَانَ هَكَذَا سَقَطَ مَا أَدْرَكَ وَيَقْضِي مَا سَقَطَ؛ فَهَذَا فِي الصَّلَاتَيْنِ أَوْلَى؛ لَا سِيَّمَا وَهُوَ إذَا لَمْ يُدْرِكْ مِنْ الْمَغْرِبِ إلَّا تَشَهُّدًا تَشَهَّدَ ثَلَاثَ تَشَهُّدَاتٍ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَشْهُورِ فِي قِصَّةِ مَسْرُوقٍ وَحَدِيثِهِ. وَهَذَا أَصْلٌ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ يُعْتَبَرُ بِهِ نَظَائِرُهُ؛ وَهُوَ سُقُوطُ التَّرْتِيبِ عَنْ الْمَسْبُوقِ.

    vol. 22, p. 414