فصل: فيما قاله المؤلف للطيبرسي رسول نائب السلطان
1 paragraph · vol. 4, p. 258
- vol. 4, p. 258
ذَكَرْت فِي وَرَقَتِك أَنَّك قُلْت لِلشَّيْخِ: فِي نَفْسِي أَنْ تَطْلُبَ لِي الْمَحَاضِرَ حَتَّى يَنْظُرَ هُوَ فِيهَا. فَإِنْ كَانَ لَهُ دَافِعٌ وَإِلَّا فَالْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ مَعْذُورُونَ، وَهَذَا مِمَّا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ أَصْلًا وَهَذِهِ الْمَحَاضِرُ أَقَلُّ وَأَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ الرَّدُّ عَلَيْهَا إلَى حَضْرَتِهَا فَإِنِّي قَدْ بَيَّنْت - بِبِضْعِ وَعِشْرِينَ وَجْهًا: أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَارِجٌ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ: الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الدِّينِ. وَقُلْت لِلرَّسُولِ: مَا لِابْنِ مَخْلُوفٍ وَنَحْوِهِ فِي أَنْ يَتَعَرَّضَ إلَى عِلْمِ الدِّينِ الَّذِي غَيْرُهُ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ: مِثْلَ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَأَحَادِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَقَالَاتِ السَّلَفِ وَأُصُولِ الدِّينِ الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا وَهَذِهِ الْأُمُورُ إنَّمَا يُرْجَعُ فِيهَا إلَى مَنْ يَعْرِفُهَا فَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ، أَوْ نَائِبُهُ الْحَاكِمُ يَعْرِفُهَا كَانَ فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ الْعَارِفِينَ بِهَا وَإِلَّا فَلَا أَمْرَ لَهُمْ فِيهَا، كَمَا لَا يُرَاجَعُ فِي الِاسْتِفْتَاءِ إلَّا مَنْ يُحْسِنُ الْفُتْيَا. وَقُلْت لَهُ أَنَا لَمْ يَصْدُرْ مِنِّي قَطُّ إلَّا جَوَابُ مَسَائِلَ، وَإِفْتَاءُ مُسْتَفْتٍ مِمَّا كَاتَبْت أَحَدًا أَبَدًا وَلَا خَاطَبْته فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا، بَلْ يَجِيئُنِي الرَّجُلُ الْمُسْتَرْشِدُ الْمُسْتَفْتِي بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، فَيَسْأَلُنِي مَعَ بُعْدِهِ، وَهُوَ مُحْتَرِقٌ عَلَى طَلَبِ الْهُدَى
vol. 4, p. 259أَفَيَسَعُنِي فِي دِينِي أَنْ أَكْتُمَهُ الْعِلْمَ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامِ مِنْ نَارٍ} " . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} أَفَعَلَى أَمْرِك أَمْتَنِعُ عَنْ جَوَابِ الْمُسْتَرْشِدِ لِأَكُونَ كَذَلِكَ؟ وَهَلْ يَأْمُرُنِي بِهَذَا السُّلْطَانُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ . وَلَكِنْ أَنْتُمْ مَا كَانَ مَقْصُودُكُمْ إلَّا دَفْعَ أَمْرِ الْمَلِكِ لِمَ بَلَغَكُمْ مِنْ الْأَكَاذِيبِ فَقَالَ يَا مَوْلَانَا: دَعْ أَمْرَ الْمَلِكِ. أَحَدٌ مَا يَتَكَلَّمُ فِي الْمَلِكِ. فَقُلْت: " إيه " السَّاعَةُ مَا بَقِيَ أَحَدٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْمَلِكِ وَهَلْ قَامَتْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ إلَّا لِأَجْلِ ذَلِكَ؟ وَنَحْنُ سَمِعْنَا - بِهَذَا - وَنَحْنُ بِالشَّامِ أَنَّ الْمُثِيرَ لَهَا تُهْمَةُ الْمَلِكِ لَكِنْ مَا اعْتَقَدْنَا أَنَّ أَحَدًا يُصَدِّقُ هَذَا. وَذَكَرْت لَهُ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ لَيْسَ ضَرَرُهَا عَلَيَّ فَإِنِّي أَنَا مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَخَافُ إنْ قُتِلْت كُنْت مِنْ أَفْضَلِ الشُّهَدَاءِ وَكَانَ ذَلِكَ سَعَادَةً فِي حَقِّي: يَتَرَضَّى بِهَا عَلَيَّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَلْعَنُ السَّاعِي فِي ذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ جَمْعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُونَ أَنِّي أُقْتَلُ عَلَى الْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ. وَإِنْ حُبِسْت فَوَاَللَّهِ إنَّ حَبْسِي لَمِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ وَلَيْسَ لِي مَا أَخَافُ النَّاسَ عَلَيْهِ: لَا مَدْرَسَةَ وَلَا إقْطَاعَ وَلَا مَالَ وَلَا رِئَاسَةَ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ.