عبادات فعلها الرسول على وجه التشريع واختلف فيه
7 paragraphs · vol. 23, p. 336
- vol. 23, p. 336
وَالثَّانِي مَا تَنَازَعُوا فِيهِ فِي جَوَازِ أَحَدِهِمَا وَكَثِيرٌ مِمَّا تَنَازَعُوا فِيهِ قَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ فِيهِ بِالْأَمْرَيْنِ مِثْلَ الْحَجِّ. قِيلَ: لَا يَجُوزُ فَسْخُ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ؛ بَلْ قِيلَ: وَلَا تَجُوزُ الْمُتْعَةُ وَقِيلَ بَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّ كِلَيْهِمَا جَائِزٌ " فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الصَّحَابَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْفَسْخِ وَقَدْ كَانَ خَيَّرَهُمْ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَقَدْ حَجَّ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَلَمْ يَفْسَخُوا. كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ قِيلَ: لَا يَجُوزُ بَلْ يَجِبُ الْفِطْرُ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ. ثُمَّ قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْفِطْرَ أَفْضَلُ إلَّا لِمَصْلَحَةِ رَاجِحَةٍ وَمَا قَالَ أَحَدٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ عَلَى وُجُوهٍ: كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَصَلَاةِ الْخَوْفِ وَالِاسْتِفْتَاحِ فَالْكَلَامُ فِيهِ مِنْ مَقَامَيْنِ: أَحَدِهِمَا فِي جَوَازِ تِلْكَ الْوُجُوهِ كُلِّهَا بِلَا كَرَاهَةٍ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ فِي هَذَا كُلِّهِ. وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَدْ يَكْرَهُ أَوْ يُحَرِّمُ بَعْضَ تِلْكَ الْوُجُوهِ؛ لِظَنِّهِ أَنَّ السُّنَّةُ لَمْ تَأْتِ بِهِ أَوْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ. كَمَا كَرِهَ طَائِفَةٌ التَّرْجِيعَ فِي الْأَذَانِ وَقَالُوا: إنَّمَا قَالَهُ لِأَبِي
vol. 23, p. 337مَحْذُورَةَ تَلْقِينًا لِلْإِسْلَامِ لَا تَعْلِيمًا لِلْأَذَانِ. وَالصَّوَابُ أَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ الْأَذَانِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ أَبُو مَحْذُورَةَ وَقَدْ عَمِلَ بِذَلِكَ هُوَ وَوَلَدُهُ وَالْمُسْلِمُونَ يُقِرُّونَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا. وَكَرِهَ طَائِفَةٌ الْأَذَانَ بِلَا تَرْجِيعٍ وَهُوَ غَلَطٌ أَيْضًا فَإِنَّ أَذَانَ بِلَالٍ الثَّابِتِ لَيْسَ فِيهِ تَرْجِيعٌ وَكَرِهَ طَائِفَةٌ تَرْجِيعَهَا وَكَرِهَ طَائِفَةٌ صَلَاةَ الْخَوْفِ إلَّا عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَكَرِهَ آخَرُونَ مَا أَمَرَ بِهِ هَؤُلَاءِ. وَالصَّوَابُ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فَلَا كَرَاهَةَ لِشَيْءِ مِنْهُ؛ بَلْ هُوَ جَائِزٌ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا هُوَ:
الْمَقَامُ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنْوَاعٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَإِنْ قِيلَ: إنَّ بَعْضَ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ أَفْضَلُ فَالِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنْ يَفْعَلَ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً أَفْضَلُ مِنْ لُزُومِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَهَجْرِ الْآخَرِ وَهَذَا مِثْلُ الِاسْتِفْتَاحِ: فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: {قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت سُكُوتَك بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَاذَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ اللَّهُمَّ بَعِّدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَعَّدْت بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ} وَلَمْ يُخَرِّجْ الْبُخَارِيُّ فِي الِاسْتِفْتَاحِ شَيْئًا إلَّا
vol. 23, p. 338هَذَا وَهُوَ أَقْوَى الْحُجَجِ عَلَى الِاسْتِفْتَاحِ فِي الْمَكْتُوبَةِ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أَرَأَيْت سُكُوتَك بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ؟ وَهَذَا سُؤَالٌ عَنْ السُّكُوتِ. لَا عَنْ الْقَوْلِ سِرًّا وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ سَمُرَةَ وَحَدِيثُ أبي بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ سَكْتَتَانِ. وَأَيْضًا فَلِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ أَقْوَالٌ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا سُكُوتَ فِيهَا كَقَوْلِ مَالِكٍ وَلَا يُسْتَحَبُّ عِنْدَهُ اسْتِفْتَاحٌ وَلَا اسْتِعَاذَةٌ وَلَا سُكُوتٌ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إلَّا سُكُوتٌ وَاحِدٌ لِلِاسْتِفْتَاحِ: كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى هَذِهِ السَّكْتَةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِيهَا سَكْتَتَيْنِ كَمَا فِي حَدِيثِ السُّنَنِ. لَكِنْ رَوَى فِيهِ أَنَّهُ يَسْكُتُ إذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَرَوَى إذَا فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: يُسْتَحَبُّ ثَلَاثُ سَكَتَاتٍ. وَسَكْتَةُ الْفَاتِحَةِ جَعَلَهَا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد لِيَقْرَأَ الْمَأْمُومُ الْفَاتِحَةَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إلَّا سَكْتَتَانِ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إلَّا ذَلِكَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ غَلَطٌ وَإِلَّا كَانَتْ ثَلَاثًا
- vol. 23, p. 339
وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَد. وَأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إلَّا سَكْتَتَانِ وَالثَّانِيَةُ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِرَاءَةِ لِلِاسْتِرَاحَةِ وَالْفَصْلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرُّكُوعِ. وَأَمَّا السُّكُوتُ عَقِيبَ الْفَاتِحَةِ فَلَا يَسْتَحِبُّهُ أَحْمَد كَمَا لَا يَسْتَحِبُّهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ لَا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَسْكُتَ الْإِمَامُ لِيَقْرَأ الْمَأْمُومُ. وَذَلِكَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْمَأْمُومِ عِنْدَهُمْ إذَا جَهَرَ الْإِمَامُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَلَا مُسْتَحَبَّةٍ بَلْ هِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا وَهَلْ تُبْطِلُ الصَّلَاةَ إذَا قَرَأَ مَعَ الْإِمَامِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد فَهُوَ إذَا كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ فَاسْتِمَاعُهُ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَاسْتِمَاعِهِ لِمَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ فَيَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُ الْقِرَاءَةِ وَالِاسْتِمَاعِ بَدَلٌ عَنْ قِرَاءَتِهِ فَجَمْعُهُ بَيْنَ الِاسْتِمَاعِ وَالْقِرَاءَةِ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ وَلِهَذَا لَمْ يَسْتَحِبَّ أَحْمَد وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ قِرَاءَتَهُ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يَسْكُتَ سُكُوتًا بَلِيغًا يَتَّسِعُ لِلِاسْتِفْتَاحِ وَالْقِرَاءَةِ. وَأَمَّا إنْ ضَاقَ عَنْهُمَا فَقَوْلُهُ وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ إنَّ الِاسْتِفْتَاحَ أَوْلَى مِنْ الْقِرَاءَةِ بَلْ هُوَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَأْمُرُ بِالِاسْتِفْتَاحِ مَعَ جَهْرِ الْإِمَامِ فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ مِمَّنْ يَسْكُتُ عَقِيبَ الْفَاتِحَةِ سُكُوتًا يَتَّسِعُ لِلْقِرَاءَةِ فَالْقِرَاءَةُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ عَدَمِ الْقِرَاءَةِ لَكِنْ هَلْ يُقَالُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ بِالْفَاتِحَةِ أَفْضَلُ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا. أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ الْقُرْآنِ لِكَوْنِهِ قَدْ اسْتَمَعَهَا؟ هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ. وَمُقْتَضَى نُصُوصِ أَحْمَد وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ أَنَّ
vol. 23, p. 340الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِهَا أَفْضَلُ. فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ بِهَا مَعَ اسْتِمَاعِهِ قِرَاءَتَهَا وَعَامَّةُ السَّلَفِ الَّذِينَ كَرِهُوا الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ هُوَ فِيمَا إذَا جَهَرَ وَلَمْ يَكُنْ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ يَسْكُتُ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ سُكُوتًا طَوِيلًا. وَكَانَ الَّذِي يَقْرَأُ حَالَ الْجَهْرِ قَلِيلًا. وَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَلَى النَّهْيِ عَنْهُ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَفِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ نِزَاعٌ. وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ يَقْرَأُ حَالَ جَهْرِهِ بِالْفَاتِحَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ أَيْضًا نِزَاعٌ فَالنِّزَاعُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ؛ لَكِنَّ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ الْإِمَامِ هُمْ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَمَعَهُمْ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ وَاَلَّذِينَ أَوْجَبُوهَا عَلَى الْمَأْمُومِ فِي حَالِ الْجَهْرِ هَكَذَا. فَحَدِيثُهُمْ قَدْ ضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا صَحَّحَهُ أَحْمَد وَإِسْحَاقُ وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَغَيْرُهُمْ وَعَلَّلَهُ الْبُخَارِيُّ بِأَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِحِ فِي صِحَّتِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَمْ يُخَرَّجْ فِي الصَّحِيحِ وَضَعَّفَهُ ثَابِتٌ مِنْ وُجُوهٍ. وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ عبادة بْنِ الصَّامِتِ. بَلْ يَفْعَلُ فِي سُكُوتِهِ مَا يَشْرَعُ مِنْ الِاسْتِفْتَاحِ وَالِاسْتِعَاذَةِ وَلَوْ لَمْ يَسْكُتْ الْإِمَامُ سُكُوتًا يَتَّسِعُ لِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُدْرِكْ سُكُوتَهُ فَهَلْ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَعِيذُ مَعَ جَهْرِ الْإِمَامِ؟ فِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إحْدَاهَا: يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَعِيذُ مَعَ جَهْرِ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ؛ لِأَنَّ
vol. 23, p. 341مَقْصُودَ الْقِرَاءَةِ حَصَلَ بِالِاسْتِمَاعِ وَهُوَ لَا يَسْمَعُ اسْتِفْتَاحَهُ وَاسْتِعَاذَتَهُ إذْ كَانَ الْإِمَامُ يَفْعَلُ ذَلِكَ سِرًّا. وَالثَّانِيَةُ: يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَسْتَعِيذُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ تُرَادُ لِلْقِرَاءَةِ وَهُوَ لَا يَقْرَأُ وَأَمَّا الِاسْتِفْتَاحُ فَهُوَ تَابِعٌ لِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ. وَالثَّالِثَةُ: لَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَسْتَعِيذُ وَهُوَ أَصَحُّ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَكَذَا أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا أَظُنُّ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ وَالِاسْتِمَاعِ فَلَا يَتَكَلَّمُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَلِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْقِرَاءَةِ فَكَذَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ يَقُولُ مَنْعُهُ أَوْلَى لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ وَاجِبَةٌ وَقَدْ سَقَطَتْ بِالِاسْتِمَاعِ؛ لَكِنَّ مَذْهَبَ أَحْمَد لَيْسَ مَنْعُهُ مِنْ الْقِرَاءَةِ أَوْكَدَ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ عِنْدَهُ لَا تَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ لَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهَا عَلَى الْمَأْمُومِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الِاسْتِفْتَاحِ وَالِاسْتِعَاذَةِ. وَفِي مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ. وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ يَأْمُرُ بِهِمَا عِنْدَ الْجَهْرِ: أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ لَمْ يُجْعَلْ عَنْهُمَا بَدَلٌ؛ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ جُعِلَ مِنْهَا بَدَلٌ وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ؛ لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبِ وَالِاسْتِعَاذَةُ إنَّمَا أُمِرَ بِهَا مَنْ يَقْرَأُ وَالْأَمْرُ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ وَالْإِنْصَاتِ لَهُ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ وَفِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَهُوَ
- vol. 23, p. 342
إجْمَاعُ الْأُمَّةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ طَائِفَةٌ مِنْ حُذَّاقِ أَصْحَابِهِ: كالرَّازِي وَأَبِي مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ مَعَ جَهْرِ الْإِمَامِ مُنْكَرٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ عَامَّةُ الصَّحَابَةِ وَلَكِنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد اسْتَحَبُّوا لِلْمَأْمُومِ الْقِرَاءَةَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ بِالْفَاتِحَةِ وَإِنْ جَهَرَ وَهُوَ اخْتِيَارُ جَدِّي. كَمَا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ الأوزاعي وَغَيْرُهُ وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْكُتَ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ لِيَقْرَأَ مَنْ خَلْفَهُ وَأَحْمَد لَمْ يَسْتَحِبَّ هَذَا السُّكُوتَ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِبُّ الْقِرَاءَةَ إذَا جَهَرَ الْإِمَامُ؛ وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ سُكُوتَ الِاسْتِفْتَاحِ ثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَمَعَ هَذَا فَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَسْتَحِبُّونَ الِاسْتِفْتَاحَ بِغَيْرِهِ كَمَا يَسْتَحِبُّ جُمْهُورُهُمْ الِاسْتِفْتَاحَ بِقَوْلِهِ: " سُبْحَانَك اللَّهُمَّ " وَقَدْ بَيَّنَّا سَبَبَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَهُوَ أَنَّ فَضْلَ بَعْضِ الذِّكْرِ عَلَى بَعْضٍ هُوَ لِأَجْلِ مَا اُخْتُصَّ بِهِ الْفَاضِلُ لَا لِأَجْلِ إسْنَادِهِ.
-
وَالذِّكْرُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَفْضَلُهُ مَا كَانَ ثَنَاءً عَلَى اللَّهِ ثُمَّ مَا كَانَ إنْشَاءً مِنْ الْعَبْدِ أَوْ اعْتِرَافًا بِمَا يَجِبُ لِلَّهِ عَلَيْهِ ثُمَّ مَا كَانَ دُعَاءً مِنْ الْعَبْدِ.
- vol. 23, p. 343
فَالْأَوَّلُ مِثْلُ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَمِثْلُ: {سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرُك} وَمِثْلُ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَالثَّانِي مِثْلُ قَوْلِهِ: {وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} وَمَثَلُ قَوْلِهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ: {اللَّهُمَّ لَك رَكَعْت وَلَك سَجَدْت} وَكَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالثَّالِثُ مِثْلُ قَوْلِهِ: {اللَّهُمَّ بَعِّدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ} وَمَثَلُ دُعَائِهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَلِهَذَا أَوْجَبَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد مَا كَانَ ثَنَاءً كَمَا أَوْجَبُوا الِاسْتِفْتَاحَ وَحُكِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَحْمَد رِوَايَتَانِ وَاخْتَارَ ابْنُ بَطَّةَ وَغَيْرِهِ وُجُوبَ ذَلِكَ وَهَذَا لِبَسْطِهِ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ النَّوْعَ الْمَفْضُولَ مِثْلُ الِاسْتِفْتَاحِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَمِثْلُ الِاسْتِفْتَاحِ بوجهت أَوْ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ عِنْدَ مَنْ يُفَضِّلُ الْآخَرَ: فِعْلُهُ أَحْيَانًا أَفْضَلُ مِنْ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى نَوْعٍ وَهَجْرِ نَوْعٍ وَذَلِكَ أَنَّ أَفْضَلَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ: {خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} . وَلَمْ يَكُنْ يُدَاوِمُ عَلَى اسْتِفْتَاحٍ وَاحِدٍ قَطْعًا فَإِنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِهَذَا.
- vol. 23, p. 344
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يُدَاوِمُ عَلَيْهِ فَكَانَتْ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ قُلْنَا: لَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُدَاوِمُ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا فَقَدْ كَانَ عُمَرُ يَجْهَرُ: " بسبحانك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك " يُعَلِّمُهَا النَّاسَ. وَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُهَا فِي الْفَرِيضَةِ مَا فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ " وَأَقَرَّهُ الْمُسْلِمُونَ وَكَمَا كَانَ بَعْضُهُمْ يَجْهَرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَكَذَلِكَ قِيلَ فِي جَهْرِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ بِالْبَسْمَلَةِ إنَّهُ كَانَ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ قِرَاءَتَهَا كَمَا جَهَرَ مَنْ جَهَرَ مِنْهُمْ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَالِاسْتِفْتَاحِ وَكَمَا جَهَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَابُ هُوَ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ أَحْيَانًا بِذَلِكَ فَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ أَحْيَانًا وَنَصَّ قَوْمٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهَا إذَا صَلَّى بِالْمَدِينَةِ فَظَنَّ الْقَاضِي أَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ شِيعَةٌ يَجْهَرُونَ بِهَا وَيُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ لَمْ يَجْهَرْ بِهَا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمَّا حَجَّ كَانَ قَدْ ظَهَرَ بِهَا التَّشَيُّعُ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَعَلَى أَهْلِ مَكَّةَ العبيديون الْمِصْرِيُّونَ وَقَطَعُوا الْحَجَّ مِنْ الْعِرَاقِ مُدَّةً وَإِنَّمَا حَجَّ الْقَاضِي مِنْ الشَّامِ. وَالصَّوَابُ أَنَّ أَحْمَد لَمْ يَأْمُرْ بِالْجَهْرِ لِذَلِكَ بَلْ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِهِ كَانُوا لَا يَقْرَءُونَ بِهَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فَأَرَادَ أَنْ يَجْهَرَ بِهَا كَمَا جَهَرَ بِهَا مَنْ جَهَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ تَعْلِيمًا لِلسُّنَّةِ وَأَنَّهُ يَسْتَحِبُّ قِرَاءَتَهَا فِي الْجُمْلَةِ وَقَدْ اسْتَحَبَّ أَحْمَد أَيْضًا لِمَنْ صَلَّى بِقَوْمِ لَا يَقْنُتُونَ
vol. 23, p. 345بِالْوِتْرِ وَأَرَادُوا مِنْ الْإِمَامِ أَنْ لَا يَقْنُتَ لِتَأْلِيفِهِمْ. فَقَدْ اسْتَحَبَّ تَرْكَ الْأَفْضَلِ لِتَأْلِيفِهِمْ وَهَذَا يُوَافِقُ تَعْلِيلَ الْقَاضِي. فَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِهَا إذَا كَانَ الْمَأْمُومُونَ يُخْتَارُونَ الْجَهْرَ لِتَأْلِيفِهِمْ وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا إذَا كَانَ فِيهِ إظْهَارُ السُّنَّةِ وَهُمْ يَتَعَلَّمُونَ السُّنَّةَ مِنْهُ وَلَا يُنْكِرُونَهُ عَلَيْهِ. وَهَذَا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ جَامِعٍ: وَهُوَ أَنْ الْمَفْضُولَ قَدْ يَصِيرُ فَاضِلًا لِمَصْلَحَةِ رَاجِحَةٍ وَإِذَا كَانَ الْمُحَرَّمَ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ قَدْ يَصِيرُ وَاجِبًا لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ. فَلَأَنْ يَصِيرَ الْمَفْضُولُ فَاضِلًا لِمَصْلَحَةِ رَاجِحَةٍ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي أَجْنَاسِ الْعِبَادَاتِ كَالصَّلَاةِ: جِنْسُهَا أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ. ثُمَّ إنَّهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ فَالْقِرَاءَةُ وَالذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ فِي مَشَاعِرِ الْحَجِّ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَاءَةِ أَيْضًا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إنِّي نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا وَسَاجِدًا} وَهَذَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَيْضًا أَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَوْ قَرَأَ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد فَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ فِي الْمَشَاعِرِ الْفَضِيلَةِ. . . (١) .
- vol. 23, p. 346
فَإِنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ وَلِكُلِّ مَكَانٍ عِبَادَةٌ تُشْرَعُ وَكَذَلِكَ تَرْكُ الصَّلَاةِ وَقْتَ النَّهْيِ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ. وَأَمَّا الطَّوَافُ فَهَلْ تُكْرَهُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد وَالرُّخْصَةُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ بَلْ هُوَ يُسْتَحَبُّ فِيهِ الْقِرَاءَةُ وَلَا يُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِهَا وَلِلْأُخْرَى مُصَنَّفٌ. وَإِذَا كَانَ هَذَا مِنْ أَجْنَاسِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي ثَبَتَ فَضْلُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فَكَيْفَ فِي أَنْوَاعِ الذِّكْرِ لَا سِيَّمَا فِيمَا فِيهِ نِزَاعٌ فَالْأَصْلُ بِلَا رَيْبٍ هَدْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِهَذَا الِاسْتِفْتَاحِ الَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَفْتِحَ بِهِ أَحْيَانًا وَيَسْتَفْتِحَ بِغَيْرِهِ أَحْيَانًا. وَأَيْضًا فَلِكُلِّ اسْتِفْتَاحٍ حَاجَةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ فَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنُ بِحَظِّهِ مِنْ كُلِّ ذِكْرٍ. وَأَيْضًا فَقَدْ يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إلَى الْمَفْضُولِ وَلَا يَكْفِيهِ الْفَاضِلُ. كَمَا فِي: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فَإِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؛ أَيْ يَحْصُلُ لِصَاحِبِهَا مِنْ الْأَجْرِ مَا يَعْدِلُ ثَوَابَ ثُلُثِ الْقُرْآنِ فِي الْقَدْرِ لَا فِي الصِّفَةِ فَإِنَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقَصَصِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ لَا يُغْنِي عَنْهُ
vol. 23, p. 347{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وَلَيْسَ أَجْرُهَا مِنْ جِنْسِ أَجْرِهَا وَإِنْ كَانَ جِنْسُ أَجْرِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أَفْضَلُ فَقَدْ يُحْتَاجُ إلَى الْمَفْضُولِ حَيْثُ لَا يُغْنِي الْفَاضِلُ. كَمَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إلَى رِجْلِهِ حَيْثُ لَا تُغْنِي عَنْهَا عَيْنُهُ. وَكَذَلِكَ الْمَخْلُوقَاتُ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ حِكْمَةُ خُلِقَ لِأَجْلِهَا فَكَذَلِكَ الْعِبَادَاتُ. فَجَمِيعُ مَا شَرَعَهُ الرَّسُولُ لَهُ حِكْمَةٌ وَمَقْصُودٌ يُنْتَفَعُ بِهِ [فِي] (١) مَقْصُودِهِ فَلَا يُهْمَلُ مَا شَرَعَهُ مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ. وَإِنْ قِيلَ إنَّ جِنْسَ غَيْرِهِ أَفْضَلُ فَهُوَ فِي زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ وَالصَّلَوَاتُ الَّتِي كَانَ يَدْعُو فِيهَا بِهَذَا الِاسْتِفْتَاحِ: كَانَ دُعَاؤُهُ فِيهَا بِهَذَا الِاسْتِفْتَاحِ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ دُعَاؤُهُ بِالطَّهَارَةِ وَالتَّنْقِيَةُ مِنْ الذُّنُوبِ التَّبْعِيدُ عَنْهَا مِنْ جِنْسِ الِاسْتِغْفَارِ فِي السَّحَرِ وَكَاسْتِغْفَارِهِ عَقِبَ الصَّلَاةِ وَقَدْ كَانَ يَدْعُو بِمِثْلِ هَذَا الدُّعَاءِ فِي آخِرِ قِيَامِ الِاعْتِدَالِ بَعْدَ التَّحْمِيدِ فَكَانَ يَفْتَتِحُ بِهِ الْقِيَامَ تَارَةً وَيَخْتِمُ بِهِ الْقِيَامَ أَيْضًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي الِاسْتِفْتَاحِ أَنْوَاعٌ وَعَامَّتُهَا فِي قِيَامِ اللَّيْلِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَحْمَد. وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي بِاللَّيْلِ أَنْ يَسْتَفْتِحَ بِهَا كُلَّهَا وَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَى نَوْعٍ وَيَهْجُرَ غَيْرَهُ فَإِنَّ هَذَا هَدْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنْ يُقَالُ أَيْضًا: هَدْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْأَفْضَلُ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَصْلُحُ لَهُ الْأَفْضَلُ بَلْ يَكُونُ فِعْلُهُ لِلْمَفْضُولِ