فصل: في أفضل الاستفتاح

4 paragraphs · vol. 23, p. 394

  1. بِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ؛ لَكِنْ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ افْتَتَحَ خُطْبَتَهُ بِغَيْرِ الْحَمْدِ لَا خُطْبَةَ عِيدٍ وَلَا اسْتِسْقَاءٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بالحمد فَهُوَ أَجْذَمُ} . وَقَدْ كَانَ يَخْطُبُ خُطَبَ الْحَجِّ وَغَيْرُ خُطَبِ الْحَجِّ خُطَبًا عَارِضَةً وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنْهُ أَنَّهُ افْتَتَحَ خُطْبَةً بِغَيْرِ الْحَمْدِ فَاَلَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْخُطْبَةِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالتَّشَهُّدُ وَالْحَمْدُ يَتْبَعُهُ التَّسْبِيحُ وَالتَّشَهُّدُ يَتْبَعُهُ التَّكْبِيرُ وَهَذِهِ هِيَ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ وَقَالَ تَعَالَى: {فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

    vol. 23, p. 394
  2. فَصْلٌ:
  3. إذَا تَبَيَّنَ هَذَا الْأَصْلُ: فَأَفْضَلُ أَنْوَاعِ الِاسْتِفْتَاحِ مَا كَانَ ثَنَاءً مَحْضًا مِثْلَ: {سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك. وَلَا إلَهَ غَيْرُك} وَقَوْلُهُ: {اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} وَلَكِنَّ ذَاكَ فِيهِ مِنْ الثَّنَاءِ مَا لَيْسَ فِي هَذَا فَإِنَّهُ تَضَمَّنَ ذِكْرَ " الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ " الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ وَتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: " تَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك " . وَهُمَا مِنْ الْقُرْآنِ أَيْضًا. وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ السَّلَفِ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَجْهَرُ بِهِ يُعَلِّمُهُ النَّاسَ.

  4. وَبَعْدَهُ النَّوْعُ الثَّانِي: وَهُوَ الْخَبَرُ عَنْ عِبَادَةِ الْعَبْدِ. كَقَوْلِهِ: {وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} إلَخْ. " وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الدُّعَاءَ وَإِنْ اسْتَفْتَحَ الْعَبْدُ بِهَذَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ أَفْضَلُ الِاسْتِفْتَاحَاتِ. كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ مُصَرَّحًا بِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي يُوسُفَ وَابْنِ هُبَيْرَةَ الْوَزِيرِ - مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد صَاحِبِ " الْإِفْصَاحِ " وَهَكَذَا أَسْتَفْتِحُ أَنَا. وَبَعْدَهُ النَّوْعُ الثَّالِثُ كَقَوْلِهِ: {اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ. كَمَا بَاعَدْت بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إلَخْ} وَهَكَذَا ذِكْرُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّسْبِيحِ فِيهِمَا أَفْضَلُ مِنْ قَوْلِهِ: {لَك رَكَعْت وَلَك سَجَدْت} . وَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالتَّرْتِيبُ هُنَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِيمَا أَعْلَمُ فَإِنِّي لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَالَ: إنَّ الدُّعَاءَ فِيهِمَا أَفْضَلُ مِنْ التَّسْبِيحِ كَمَا قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِفْتَاحِ. فَإِنْ قُلْت: هَذَا التَّرْتِيبُ عَكْسُ الْأَسَانِيدِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اسْتِفْتَاحِ الْفَرِيضَةِ إلَّا هَذَا الدُّعَاءُ {اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ} . وَقَوْلُهُ: {وَجَّهْت وَجْهِي} فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَحَدِيثُ {سُبْحَانَك اللَّهُمَّ} فِي السُّنَنِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَجَّهْت وَجْهِي} .

    vol. 23, p. 396قُلْت: كَوْنُ هَذَا مِمَّا بَلَغَنَا مِنْ طَرِيقٍ أَصَحَّ مِنْ هَذَا فَهَذَا لَيْسَ فِي صِفَةِ الذِّكْرِ نَفْسِهِ فَضِيلَةٌ تُوجِبُ فَضْلَهُ عَلَى الْآخَرِ لَكِنَّهُ طَرِيقٌ لِعِلْمِنَا بِهِ وَالْفَضِيلَةُ كَانَتْ ثَابِتَةً عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي زَمَنِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَنَا الْأَمْرُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بسبحانك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرُك يُعَلِّمُهُ النَّاسَ فَلَوْلَا أَنَّ هَذَا مِنْ السُّنَنِ الْمَشْرُوعَةِ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا عُمَرُ وَيُقِرُّهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ لَا يَخْتَصُّ بسبحانك اللَّهُمَّ وَوَجَّهْت وَجْهِي وَغَيْرِهِمَا بَلْ يُسْتَفْتَحُ بِكُلِّ مَا رُوِيَ؛ لَكِنَّ فَضْلَ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ عَلَى بَعْضٍ يَكُونُ بِدَلِيلِ آخَرَ كَمَا قَدَّمْنَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: " سُبْحَانَك اللَّهُمَّ إلَخْ " يَتَضَمَّنُ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ أَرْبَعٌ وَهُنَّ مِنْ الْقُرْآنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ} . وَأَيْضًا فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ:

    vol. 23, p. 395