المداومة أو التنويع في العبادة أيهما أفضل؟

4 paragraphs · vol. 25, p. 247

  1. فَالْوَاجِبُ أَنَّ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ لَا يُفَضَّلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ إلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لَا يُجْعَلُ نَفْسُ تَعْيِينٍ وَاحِدٍ مِنْهَا لِضَرُورَةِ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ مُوجِبًا لِرُجْحَانِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ إذَا أَوْجَبَ عَلَيَّ عِتْقَ رَقَبَةٍ أَوْ صَلَاةَ جَمَاعَةٍ كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ أَنْ أَعْتِقَ رَقَبَةً وَأُصَلِّيَ جَمَاعَةً وَلَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهَا بَلْ قَدْ لَا تَكُونُ أَفْضَلَ بِحَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ نَظَرٍ فِي الْفَضْلِ ثُمَّ إذَا فُرِضَ أَنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ يُوجِبُ الرُّجْحَانَ لَمْ يُعَبْ عَلَى مَنْ فَعَلَ الْجَائِزَ وَلَا يُنْفَرْ عَنْهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَلَا يُزَادُ الْفَضْلُ عَلَى مِقْدَارِ مَا فَضَّلَتْهُ الشَّرِيعَةُ فَقَدْ يَكُونُ الرُّجْحَانُ يَسِيرًا. لَكِنْ هُنَا مَسْأَلَةٌ تَابِعَةٌ وَهُوَ أَنَّهُ مَعَ التَّسَاوِي أَوْ الْفَضْلِ أَيُّمَا أَفْضَلُ لِلْإِنْسَانِ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ. فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُدَاوِمُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ مُخْتَارًا لَهُ أَوْ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ أَفْضَلُ وَيَرَى أَنَّ مُدَاوَمَتَهُ عَلَى ذَلِكَ النَّوْعِ أَفْضَلُ. وَأَمَّا أَكْثَرُهُمْ فَمُدَاوَمَتُهُ عَادَةٌ وَمُرَاعَاةٌ لِعَادَةِ أَصْحَابِهِ وَأَهْلِ طَرِيقَتِهِ لَا لِاعْتِقَادِ الْفَضْلِ. وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: التَّنَوُّعُ فِي ذَلِكَ مُتَابَعَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ فِي هَذَا اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَإِحْيَاءً لِسُنَّتِهِ وَجَمْعًا بَيْنَ قُلُوبِ الْأُمَّةِ وَأَخْذًا بِمَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَاصَّةِ - أَفْضَلُ مِنْ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى نَوْعٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوُجُوهِ:

    vol. 25, p. 248أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا هُوَ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ وَالشَّرِيعَةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا كَانَ قَدْ فَعَلَ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً وَلَمْ يُدَاوِمْ عَلَى أَحَدِهِمَا كَانَ مُوَافَقَتُهُ فِي ذَلِكَ هُوَ التَّأَسِّي وَالِاتِّبَاعُ الْمَشْرُوعُ وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ مَا فَعَلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ. الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ اجْتِمَاعَ قُلُوبِ الْأُمَّةِ وَائْتِلَافَهَا وَزَوَالَ كَثْرَةِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ وَالْأَهْوَاءِ بَيْنَهَا وَهَذِهِ مَصْلَحَةٌ عَظِيمَةٌ وَدَفْعُ مَفْسَدَةٍ عَظِيمَةٍ نَدَبَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ إلَى جَلْبِ هَذِهِ وَدَرْءِ هَذِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} . الثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُ الْجَائِزَ الْمَسْنُونَ عَنْ أَنْ يُشَبَّهَ بِالْوَاجِبِ فَإِنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الْمُسْتَحَبِّ أَوْ الْجَائِزِ مُشَبَّهَةٌ بِالْوَاجِبِ وَلِهَذَا أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُدَاوِمِينَ عَلَى بَعْضِ الْأَنْوَاعِ الْجَائِزَةِ أَوْ الْمُسْتَحَبَّةِ لَوْ انْتَقَلَ عَنْهُ لَنَفَرَ عَنْهُ قَلْبُهُ وَقَلْبُ غَيْرِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَنْفِرُ عَنْ تَرْكِ كَثِيرٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَجْلِ الْعَادَةِ الَّتِي جَعَلَتْ الْجَائِزَ كَالْوَاجِبِ. الرَّابِعُ: أَنَّ فِي ذَلِكَ تَحْصِيلَ مَصْلَحَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ فَإِنَّ كُلَّ نَوْعٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ خَاصَّةٍ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا فَكَيْفَ إذَا كَانَ

    vol. 25, p. 249مُسَاوِيًا وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَرْجُوحَ يَكُونُ رَاجِحًا فِي مَوَاضِعَ. الْخَامِسُ: أَنَّ فِي ذَلِكَ وَضْعًا لِكَثِيرٍ مِنْ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي وَضَعَهَا الشَّيْطَانُ عَلَى الْأُمَّةِ بِلَا كِتَابٍ مِنْ اللَّهِ وَلَا أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ فَإِنَّ مُدَاوَمَةَ الْإِنْسَانِ عَلَى أَمْرٍ جَائِزٍ مُرَجِّحًا لَهُ عَلَى غَيْرِهِ تَرْجِيحًا يُحِبُّ مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ وَلَا يُحِبُّ مَنْ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ بَلْ رُبَّمَا أَبْغَضَهُ بِحَيْثُ يُنْكِرُ عَلَيْهِ تَرْكَهُ لَهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَرْكِ حُقُوقٍ لَهُ وَعَلَيْهِ يُوجِبُ أَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ إصْرًا عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُهُ تَرْكُهُ وَغَلَا فِي عُنُقِهِ يَمْنَعُهُ أَنْ يَفْعَلَ بَعْضَ مَا أُمِرَ بِهِ وَقَدْ يُوقِعُهُ فِي بَعْضِ مَا نُهِيَ عَنْهُ. وَهَذَا الْقَدْرُ الَّذِي قَدْ ذَكَرْته وَاقِعٌ كَثِيرًا فَإِنَّ مَبْدَأَ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذَلِكَ يُورِثُ اعْتِقَادًا وَمَحَبَّةً غَيْرَ مَشْرُوعَيْنِ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِغَيْرِ حَقٍّ ثُمَّ يَخْرُجُ ذَلِكَ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ غَيْرِ الْمَشْرُوعَيْنِ مِنْ جِنْسِ أَخْلَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ كَأَخْلَاقِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَخْلَاقِ. . . (١) .

    vol. 25, p. 247
  2. ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ إلَى الْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ فَيَبْذُلُ مَالَهُ عَلَى ذَلِكَ عَطِيَّةً وَدَفْعًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ شَرْعِيٍّ وَيَمْنَعُ مَنْ أَمَرَ الشَّارِعُ

    vol. 25, p. 250بِإِعْطَائِهِ إيجَابًا أَوْ اسْتِحْبَابًا ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ إلَى الْحَرْبِ وَالْقِتَالِ كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ أَرْضِ الْمَشْرِقِ وَمَبْدَأُ ذَلِكَ تَفْضِيلُ مَا لَمْ تُفَضِّلْهُ الشَّرِيعَةُ. وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ فَضْلَهُ سَبَبٌ لِاِتِّخَاذِهِ فَاضِلًا اعْتِقَادًا وَإِرَادَةً فَتَكُونُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى ذَلِكَ إمَّا مَنْهِيًّا عَنْهَا وَإِمَّا مفضولة وَالتَّنَوُّعُ فِي الْمَشْرُوعِ بِحَسَبِ مَا تَنَوَّعَ فِيهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ. السَّادِسُ: أَنَّ فِي الْمُدَاوَمَةِ عَلَى نَوْعٍ دُونَ غَيْرِهِ هِجْرَانًا لِبَعْضِ الْمَشْرُوعِ وَذَلِكَ سَبَبٌ لِنِسْيَانِهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ حَتَّى يَعْتَقِدَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الدِّينِ بِحَيْثُ يَصِيرُ فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنْ الْعَامَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الدِّينِ وَفِي نُفُوسِ خَاصَّةِ هَذِهِ الْعَامَّةِ عَمَلُهُمْ مُخَالِفٌ عِلْمَهُمْ فَإِنَّ عُلَمَاءَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ الدِّينِ ثُمَّ يَتْرُكُونَ بَيَانَ ذَلِكَ إمَّا خَشْيَةً مِنْ الْخَلْقِ وَإِمَّا اشْتِرَاءً بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا مِنْ الرِّئَاسَةِ وَالْمَالِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْكِتَابِ كَمَا قَدْ رَأَيْنَا مَنْ تَعَوَّدَ أَلَّا يَسْمَعَ إقَامَةً إلَّا مُوتَرَةً أَوْ مَشْفُوعَةً فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ الْأُخْرَى نَفَرَ عَنْهَا وَأَنْكَرَهَا وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ سَمِعَ أَذَانًا لَيْسَ أَذَانَ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ مَنْ اعْتَادَ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ. وَهِجْرَانُ بَعْضِ الْمَشْرُوعِ سَبَبٌ لِوُقُوعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ الْأُمَّةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}

  3. فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ نِسْيَانَهُمْ حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ سَبَبٌ لِإِغْرَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَهُمْ فَإِذَا اتَّبَعَ الرَّجُلُ جَمِيعَ الْمَشْرُوعِ الْمَسْنُونِ وَاسْتَعْمَلَ الْأَنْوَاعَ الْمَشْرُوعَةَ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً كَانَ قَدْ حُفِظَتْ السُّنَّةُ عِلْمًا وَعَمَلًا وَزَالَتْ الْمَفْسَدَةُ الْمَخُوفَةُ مِنْ تَرْكِ ذَلِكَ. وَنُكْتَةُ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّهُ وَإِنْ جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى فِعْلِ نَوْعٍ لَكِنَّ حِفْظَ النَّوْعِ الْآخَرِ مِنْ الدِّينِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ جَائِزٌ مَشْرُوعٌ وَفِي الْعَمَلِ بِهِ تَارَةً حِفْظٌ لِلشَّرِيعَةِ وَتَرْكُ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِإِضَاعَتِهِ وَنِسْيَانِهِ. السَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَالْعَدْلُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَحَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَهُ مُحَرَّمًا بَيْنَ عِبَادِهِ وَمِنْ أَعْظَمِ الْعَدْلِ الْعَدْلُ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ فَإِنَّ الْعَدْلَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا مِنْ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ كَالْقِصَاصِ وَالْمَوَارِيثِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا وَتَرْكُهُ ظُلْمٌ فَالْعَدْلُ فِي أَمْرِ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْهُ وَهُوَ الْعَدْلُ بَيْنَ شَرَائِعِ الدِّينِ وَبَيْنَ أَهْلِهِ. فَإِذَا كَانَ الشَّارِعُ قَدْ سَوَّى بَيْنَ عَمَلَيْنِ أَوْ عَامِلَيْنِ: كَانَ تَفْضِيلُ أَحَدِهِمَا مِنْ الظُّلْمِ الْعَظِيمِ وَإِذَا فَضَّلَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ التَّسْوِيَةُ كَذَلِكَ وَالتَّفْضِيلُ أَوْ التَّسْوِيَةُ بِالظَّنِّ وَهَوَى النُّفُوسِ مِنْ جِنْسِ دِينِ الْكُفَّارِ فَإِنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ يُفَضِّلُ أَحَدُهُمْ دِينَهُ إمَّا ظَنًّا وَإِمَّا هَوًى إمَّا اعْتِقَادًا وَإِمَّا اقْتِصَادًا وَهُوَ سَبَبُ التَّمَسُّكِ بِهِ وَذَمُّ غَيْرِهِ.

    vol. 25, p. 251
  4. فَإِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ شَرَعَ تِلْكَ الْأَنْوَاعَ إمَّا بِقَوْلِهِ وَإِمَّا بِعَمَلِهِ وَكَثِيرٌ مِنْهَا لَمْ يُفَضِّلْ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ: كَانَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهَا مِنْ الْعَدْلِ وَالتَّفْضِيلُ مِنْ الظُّلْمِ وَكَثِيرٌ مِمَّا تَتَنَازَعُ الطَّوَائِفُ مِنْ الْأُمَّةِ فِي تَفَاضُلِ أَنْوَاعِهِ: لَا يَكُونُ بَيْنَهَا تَفَاضُلٌ بَلْ هِيَ مُتَسَاوِيَةٌ وَقَدْ يَكُونُ مَا يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدُهُمَا مُقَاوِمًا لِمَا يَخْتَصُّ بِهِ الْآخَرُ ثُمَّ تَجِدُ أَحَدَهُمْ يَسْأَلُ: أَيُّمَا أَفْضَلُ هَذَا أَوْ هَذَا؟ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ فَاسِدَةٌ فَإِنَّ السُّؤَالَ عَنْ التَّعْيِينِ فَرْعُ ثُبُوتِ الْأَصْلِ فَمَنْ قَالَ إنَّ بَيْنَهُمَا تَفَاضُلًا حَتَّى نَطْلُبَ عَيْنَ الْفَاضِلِ. وَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: هَذَانِ مُتَمَاثِلَانِ أَوْ مُتَفَاضِلَانِ وَإِنْ كَانَا مُتَفَاضِلَيْنِ: فَهَلْ التَّفَاضُلُ مُطْلَقًا أَوْ فِيهِ تَفْصِيلٌ بِحَيْثُ يَكُونُ هَذَا أَفْضَلَ فِي وَقْتٍ وَهَذَا أَفْضَلَ فِي وَقْتٍ؟ ثُمَّ إذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ كَمَا تَرَى فَغَالِبُ الْأَجْوِبَةِ صَادِرَةٌ عَنْ هَوًى وَظُنُونٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ وَمِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ ذَلِكَ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى مَا لَمْ تُشْرَعْ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

    vol. 25, p. 252