فصل: رؤية بعض البلاد الهلال رؤية لجميعها

5 paragraphs · vol. 26, p. 103

  1. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ حُكْمًا فَلَا يَكُونُ يَوْمَ شَكٍّ وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُنْفَرِدِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ هَلْ يَصُومُ وَيُفْطِرُ وَحْدَهُ؟ أَوْ لَا يَصُومُ وَلَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ النَّاسِ؟ أَوْ يَصُومُ وَحْدَهُ وَيُفْطِرُ مَعَ النَّاسِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.

    وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:

    vol. 26, p. 103
  2. فَصْلٌ:
  3. مَسْأَلَةُ رُؤْيَةِ بَعْضِ الْبِلَادِ رُؤْيَةٌ لِجَمِيعِهَا: فِيهَا اضْطِرَابٌ فَإِنَّهُ قَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيمَا يُمْكِنُ اتِّفَاقُ الْمَطَالِعِ فِيهِ فَأَمَّا مَا كَانَ مِثْلَ الْأَنْدَلُسِ وَخُرَاسَانَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ. قُلْت: أَحْمَد اعْتَمَدَ فِي الْبَابِ عَلَى حَدِيثِ {الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي شَهِدَ أَنَّهُ أَهَلَّ الْهِلَالُ الْبَارِحَةَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ عَلَى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ} مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ وَمَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْهُ وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ لَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ؛ لَكِنْ مَا حَدُّ ذَلِكَ؟

  4. وَاَلَّذِينَ قَالُوا: لَا تَكُونُ رُؤْيَةً لِجَمِيعِهَا كَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِنْهُمْ مَنْ حَدَّدَ ذَلِكَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّدَ ذَلِكَ بِمَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَطَالِعُ: كَالْحِجَازِ مَعَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ مَعَ خُرَاسَانَ وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ مَسَافَةَ الْقَصْرِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْهِلَالِ. وَأَمَّا الْأَقَالِيمُ فَمَا حَدَّدَ ذَلِكَ؟ ثُمَّ هَذَانِ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرُّؤْيَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ التَّشْرِيقِ وَالتَّغْرِيبِ فَإِنَّهُ مَتَى رُئِيَ فِي الْمَشْرِقِ وَجَبَ أَنْ يُرَى فِي الْمَغْرِبِ وَلَا يَنْعَكِسُ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَخَّرُ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِالْمَغْرِبِ عَنْ وَقْتِ غُرُوبِهَا بِالْمَشْرِقِ فَإِذَا كَانَ قَدْ رُئِيَ ازْدَادَ بِالْمَغْرِبِ نُورًا وَبُعْدًا عَنْ الشَّمْسِ وَشُعَاعِهَا وَقْتَ غُرُوبِهَا فَيَكُونُ أَحَقَّ بِالرُّؤْيَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا رُئِيَ بِالْمَغْرِبِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَبَبُ الرُّؤْيَةِ تَأَخُّرَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَهُمْ فَازْدَادَ بُعْدًا وَضَوْءًا وَلَمَّا غَرَبَتْ بِالْمَشْرِقِ كَانَ قَرِيبًا مِنْهَا. ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا رُئِيَ بِالْمَغْرِبِ كَانَ قَدْ غَرَبَ عَنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ فَهَذَا أَمْرٌ مَحْسُوسٌ فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ وَالْهِلَالِ وَسَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَلِذَلِكَ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ بِالْمَغْرِبِ دَخَلَ بِالْمَشْرِقِ وَلَا يَنْعَكِسُ وَكَذَلِكَ الطُّلُوعُ إذَا طَلَعَتْ بِالْمَغْرِبِ طَلَعَتْ بِالْمَشْرِقِ وَلَا يَنْعَكِسُ فَطُلُوعُ الْكَوَاكِبِ وَغُرُوبُهَا بِالْمَشْرِقِ سَابِقٌ.

    vol. 26, p. 104
  5. وَأَمَّا الْهِلَالُ فَطُلُوعُهُ وَرُؤْيَتُهُ بِالْمَغْرِبِ سَابِقٌ؛ لِأَنَّهُ يَطْلُعُ مِنْ الْمَغْرِبِ وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ مَا يَطْلُعُ مِنْ الْمَغْرِبِ غَيْرُهُ وَسَبَبُ ظُهُورِهِ بُعْدُهُ عَنْ الشَّمْسِ فَكُلَّمَا تَأَخَّرَ غُرُوبُهَا ازْدَادَ بُعْدُهُ عَنْهَا فَمَنْ اعْتَبَرَ بُعْدَ الْمَسَاكِنِ مُطْلَقًا فَلَمْ يَتَمَسَّكْ بِأَصْلِ شَرْعِيٍّ وَلَا حِسِّيٍّ. وَأَيْضًا فَإِنَّ هِلَالَ الْحَجِّ: مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يَتَمَسَّكُونَ فِيهِ بِرُؤْيَةِ الْحُجَّاجِ الْقَادِمِينَ وَإِنْ كَانَ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا اعْتَبَرْنَا حَدًّا: كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ الْأَقَالِيمَ فَكَانَ رَجُلٌ فِي آخِرِ الْمَسَافَةِ وَالْإِقْلِيمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ وَيُفْطِرَ وَيَنْسُكَ وَآخَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ غَلْوَةُ سَهْمٍ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا لَيْسَ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ. فَالصَّوَابُ فِي هَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: {صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ} فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ أَنَّهُ رَآهُ بِمَكَانِ مِنْ الْأَمْكِنَةِ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ وَجَبَ الصَّوْمُ. وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ بِالرُّؤْيَةِ نَهَارَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلَى الْغُرُوبِ فَعَلَيْهِمْ إمْسَاكُ مَا بَقِيَ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ إقْلِيمٍ أَوْ إقْلِيمَيْنِ.

    vol. 26, p. 105