الكذب في الحوادث الكونية أكثر منه في الأمور الدينية
2 paragraphs · vol. 5, p. 80
- vol. 5, p. 80
عَلَى بَعْضِ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُحَاصِرِي عَكَّةَ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ لَبَّسُوا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْمَلِكِ.
-
وَبَابُ الْكَذِبِ فِي الْحَوَادِثِ الْكَوْنِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ لِأَنَّ تَشَوُّفَ الَّذِينَ يُغَلِّبُونَ الدُّنْيَا عَلَى الدِّينِ إلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ وَإِنْ كَانَ لِأَهْلِ الدِّينِ إلَى ذَلِكَ تَشَوُّفٌ لَكِنَّ تَشَوُّفَهُمْ إلَى الدِّينِ أَقْوَى وَأُولَئِكَ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ الْفُرْقَانِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ مِنْ النُّورِ مَا لِأَهْلِ الدِّينِ. فَلِهَذَا كَثُرَ الْكَذَّابُونَ فِي ذَلِكَ وَنَفَقَ مِنْهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ وَأُكِلَتْ بِهِ أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ بِالْبَاطِلِ وَقُتِلَتْ بِهِ نُفُوسٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْمُتَشَوِّفَةِ إلَى الْمُلْكِ وَنَحْوِهَا. وَلِهَذَا يُنَوِّعُونَ طُرُقَ الْكَذِبِ فِي ذَلِكَ وَيَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ فِيهِ: تَارَةً بِالْإِحَالَةِ عَلَى الْحَرَكَاتِ وَالْأَشْكَالِ الْجُسْمَانِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ مِنْ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ. وَالشُّهُبِ وَالرُّعُودِ وَالْبُرُوقِ وَالرِّيَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَتَارَةً بِمَا يُحْدِثُونَهُ هُمْ مِنْ الْحَرَكَاتِ وَالْأَشْكَالِ كَالضَّرْبِ بِالرَّمْلِ وَالْحَصَا وَالشَّعِيرِ وَالْقُرْعَةِ بِالْيَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ؛ فَإِنَّهُمْ يَطْلُبُونَ عِلْمَ الْحَوَادِثِ بِمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ هَذَا الِاسْتِقْسَامِ بِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ قِدَاحًا أَوْ حَصًى أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ. فَكُلُّ مَا يُحْدِثُهُ الْإِنْسَانُ بِحَرَكَةِ مِنْ تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِنْ الْأَجْسَامِ لِيَسْتَخْرِجَ بِهِ عِلْمَ مَا يَسْتَقْبِلُهُ فَهُوَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ؛ بِخِلَافِ الْفَأْلِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الَّذِي كَانَ
vol. 5, p. 81يُعْجِبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ: {وَكَانَ يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ} لِأَنَّ الْفَأْلَ تَقْوِيَةٌ لِمَا فَعَلَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالطِّيَرَةُ مُعَارِضَةٌ لِذَلِكَ فَيُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَطَيَّرَ وَإِنَّمَا تَضُرُّ الطِّيَرَةُ مَنْ تَطَيَّرَ لِأَنَّهُ أَضَرَّ نَفْسَهُ. فَأَمَّا الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ فَلَا. وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ ذِكْرَ هَذِهِ الْأُمُورِ وَسَبَبَ إصَابَتِهَا تَارَةً وَخَطَئِهَا تَارَاتٍ. وَإِنَّمَا الْغَرَضُ: أَنَّهُمْ يَتَعَمَّدُونَ فِيهَا كَذِبًا كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ دَلَالَةً كَمَا يَتَعَمَّدُ خَلْقٌ كَثِيرٌ الْكَذِبَ فِي الرُّؤْيَا الَّتِي مِنْهَا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَكَمَا كَانَتْ الْجِنُّ تَخْلِطُ بِالْكَلِمَةِ تَسْمَعُهَا مِنْ السَّمَاءِ مِائَةَ كِذْبَةٍ ثُمَّ تُلْقِيهَا إلَى الْكُهَّانِ. وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ {عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِي قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ. قَالَ: فَلَا تَأْتِهِمْ. قَالَ: قُلْت: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ. قَالَ: ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلَا يَصُدُّهُمْ. قَالَ: قُلْت: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ. قَالَ: كَانَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ} . فَإِذَا كَانَ مَا هُوَ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ وَمِنْ أَخْبَارِ الْمَلَائِكَةِ مَا قَدْ يُتَعَمَّدُ فِيهِ الْكَذِبُ الْكَثِيرُ فَكَيْفَ بِمَا هُوَ فِي نَفْسِهِ مُضْطَرِبٌ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى أَصْلٍ؟ فَلِهَذَا تَجِدُ عَامَّةَ مَنْ فِي دِينِهِ فَسَادٌ يَدْخُلُ فِي الْأَكَاذِيبِ الْكَوْنِيَّةِ مِثْلُ أَهْلِ الِاتِّحَادِ. فَإِنَّ ابْنَ عَرَبِيٍّ - فِي كِتَابِ " عَنْقَاءِ مُغْرِبٍ " وَغَيْرِهِ - أَخْبَرَ بِمُسْتَقْبَلَاتٍ كَثِيرَةٍ