فصل: في حكم الإكثار من الاعتمارات والموالاة بينها

3 paragraphs · vol. 27, p. 269

  1. خَرَجَ فَاعْتَمَرَ وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ سويد بْنِ أَبِي نَاجِيَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: أَعْتَمِرُ فِي الشَّهْرِ إنْ أَطَقْت مِرَارًا. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسٍ: أَنْ أَنَسًا كَانَ إذَا كَانَ بِمَكَّةَ فَحَمَّمَ رَأْسُهُ خَرَجَ إلَى التَّنْعِيمِ وَاعْتَمَرَ. وَهَذِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - هِيَ عُمْرَةُ الْحَرَمِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ بِمَكَّةَ إلَى الْمُحَرَّمِ ثُمَّ يَعْتَمِرُونَ. وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْعُمْرَةَ مِنْ مَكَّةَ مَشْرُوعَةٌ فِي الْجُمْلَةِ وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ وَالْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ مُرْسَلًا: عَنْ ابْنِ سِيرِين قَالَ: {وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ} . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْتَمِرُ إذَا أَمْكَنَ الْمُوسَى مِنْ رَأْسِهِ إنْ شَاءَ اعْتَمَرَ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: اعْتَمَرَ فِي الشَّهْرِ مِرَارًا. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ يَفُوتُ بِهِ كَوَقْتِ الْحَجِّ فَإِذَا كَانَ وَقْتُهَا مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ الْعَامِ لَمْ تُشْبِهْ الْحَجَّ فِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا مَرَّةً.

    vol. 27, p. 269
  2. فَصْلٌ:
  3. " الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ " : فِي الْإِكْثَارِ مِنْ الِاعْتِمَارِ وَالْمُوَالَاةِ بَيْنَهَا:

    vol. 27, p. 270مِثْلَ أَنْ يَعْتَمِرَ مَنْ يَكُونُ مَنْزِلُهُ قَرِيبًا مِنْ الْحَرَمِ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ كُلَّ يَوْمَيْنِ أَوْ يَعْتَمِرَ الْقَرِيبُ مِنْ الْمَوَاقِيتِ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ يَوْمَانِ: فِي الشَّهْرِ خُمْسَ عُمَرٍ أَوْ سِتَّ عُمَرٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ. أَوْ يَعْتَمِرَ مَنْ يَرَى الْعُمْرَةَ مِنْ مَكَّةَ كُلَّ يَوْمٍ عُمْرَةً أَوْ عُمْرَتَيْنِ فَهَذَا مَكْرُوهٌ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ بَلْ اتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهِيَتِهِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ اسْتَحَبَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فَلَيْسَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ أَصْلًا إلَّا مُجَرَّدَ الْقِيَاسِ الْعَامِّ. وَهُوَ أَنَّ هَذَا تَكْثِيرٌ لِلْعِبَادَاتِ أَوْ التَّمَسُّكَ بالعمومات فِي فَضْلِ الْعُمْرَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَاَلَّذِينَ رَخَّصُوا فِي أَكْثَرَ مِنْ عُمْرَةٍ فِي الْحَوْلِ أَكْثَرُ مَا قَالُوا: يَعْتَمِرُ إذَا أَمْكَنَ الْمُوسَى مِنْ رَأْسِهِ أَوْ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد. قَالَ أَحْمَد: إذَا اعْتَمَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ وَفِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ يُمْكِنُ حَلْقُ الرَّأْسِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد فِعْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الَّذِي رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ: أَنَّهُ كَانَ إذَا حَمَّمَ رَأْسُهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ. وَهَذَا لِأَنَّ تَمَامَ النُّسُكِ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ وَهُوَ إمَّا وَاجِبٌ فِيهِ أَوْ مُسْتَحَبٌّ. وَمَنْ حَكَى عَنْ أَحْمَد أَوْ نَحْوِهِ أَنَّهُ لَيْسَ إلَّا مُبَاحًا لَا اسْتِحْبَابًا فَقَدْ غَلِطَ. فَمُدَّةُ نَبَاتِ الشَّعْرِ أَقْصَرُ مُدَّةٍ يُمْكِنُ فِيهَا إتْمَامُ النُّسُكِ وَلَا يَنْتَقِضُ هَذَا بِالْعُمْرَةِ

    vol. 27, p. 271عَقِيبَ الْحَجِّ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ لِلْمُفْرِدِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ لِضَرُورَةِ فِعْلِ الْعُمْرَةِ وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ السَّلَفُ وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ الثَّابِتُ الْمَنْقُولُ بِالتَّوَاتُرِ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ جَمِيعَهُمْ إذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ إحْرَامِهِمْ وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ وَقَالَ: {دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} . فَكَانَتْ عُمْرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ بِأَمْرِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ دَاخِلَةً فِي حَجِّهِمْ لَيْسَ بَيْنَهُمْ فَرْقٌ إلَّا أَنَّ أَكْثَرَهُمْ - وَهُمْ الَّذِينَ لَا هَدْيَ مَعَهُمْ - حَلُّوا مِنْ إحْرَامِهِمْ وَاَلَّذِينَ مَعَهُمْ الْهَدْيُ أَقَامُوا عَلَى إحْرَامِهِمْ وَكُلُّ ذَاكَ كَانُوا يُسَمُّونَهُ تَمَتُّعًا بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ كَمَا اسْتَفَاضَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّ الْقَارِنَ مُتَمَتِّعٌ كَمَا أَنَّ مَنْ حَلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ ثُمَّ حَجَّ مُتَمَتِّعٌ. فَمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ فِي لُغَةِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِمْ وَالْقَارِنُ يَكُونُ قَارِنًا إذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ ابْتِدَاءً وَيَكُونُ قَارِنًا إذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ قَبْلَ الطَّوَافِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ وَإِذَا لَمْ يَحِلَّ الْمُتَمَتِّعُ مِنْ إحْرَامِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَاقَ الْهَدْيَ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ وَيُسَمِّيهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد