الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم في كل صلاة، وعند دخول مسجده

2 paragraphs · vol. 28, p. 397

  1. وَفِعْلُهُ - وَإِنْ كَانَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ - إذَا وَرَدَتْ سُنَّتُهُ. بَلْ وَلَا يُضَافُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلِ يَدُلُّ عَلَى الْإِضَافَةِ. وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ يَقُولُونَ بِاجْتِهَادِهِمْ وَيَكُونُونَ مُصِيبِينَ مُوَافِقِينَ لِسُنَّتِهِ لَكِنْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَقُولُ فِي هَذَا بِرَأْيِي فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنْ الشَّيْطَانِ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ. فَإِنَّ كُلَّ مَا خَالَفَ سُنَّتَهُ فَهُوَ شَرْعٌ مَنْسُوخٌ أَوْ مُبَدَّلٌ لَكِنْ الْمُجْتَهِدُونَ وَإِنْ قَالُوا بِآرَائِهِمْ وَأَخْطَئُوا فَلَهُمْ أَجْرٌ وَخَطَؤُهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ. وَكَانَ الصَّحَابَةُ إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَدَعَا فِي مَسْجِدِهِ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي حَيَاتِهِ. لَا يَقْصِدُونَ الدُّعَاءَ عِنْدَ الْحُجْرَةِ وَلَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمْ إلَى الْقَبْرِ. وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ قَدْ شُرِعَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَشُرِعَ لِلْمُسْلِمِينَ إذَا دَخَلَ أَحَدُهُمْ الْمَسْجِدَ أَيَّ مَسْجِدٍ كَانَ. فَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ كُلُّ صَلَاةٍ يَقُولُ الْمُصَلِّي: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ثُمَّ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {فَإِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} . وَقَدْ شُرِعَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ يُسَلِّمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُصُوصًا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ عُمُومًا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ: السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ فَإِذَا

    vol. 28, p. 398قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ} وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ التَّشَهُّدُ بِأَلْفَاظِ أُخَرَ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعَلِّمُ النَّاسَ التَّشَهُّدَ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى لَكِنْ هُوَ تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَلَكِنْ لَمْ يُخَرِّجْ الْبُخَارِيُّ إلَّا تَشَهُّدَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ فَإِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَالتَّشَهُّدُ أَوْلَى. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْمَلَائِكَةَ وَصَالِحِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} . وَالنَّوْعُ الثَّانِي: السَّلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ كَمَا فِي الْمُسْنَدِ وَالسُّنَنِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك. وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ.

    vol. 28, p. 397
  2. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِك} . وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ الدُّعَاءَ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِأَنْ يَفْتَحَ لَهُ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ وَعِنْدَ خُرُوجِهِ يَسْأَلُ اللَّهَ مَنْ فَضْلِهِ. وَهَذَا الدُّعَاءُ مُؤَكَّدٌ فِي دُخُولِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِهَذَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِيمَا صَنَّفُوهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ لِمَنْ أَتَى إلَى مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ. فَكَانَ السَّلَامُ عَلَيْهِ مَشْرُوعًا عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ وَفِي نَفْسِ كُلِّ صَلَاةٍ. وَهَذَا أَفْضَلُ وَأَنْفَعُ مِنْ السَّلَامِ عَلَيْهِ عِنْدَ قَبْرِهِ وَأَدْوَمُ. وَهَذَا مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ لَا مَفْسَدَةَ فِيهَا تُخْشَى فَبِهَا يَرْضَى اللَّهُ وَيُوصِلُ نَفْعَ ذَلِكَ إلَى رَسُولِهِ وَإِلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَهَذَا مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ؛ بِخِلَافِ السَّلَامِ عِنْدَ الْقَبْرِ. مَعَ أَنَّ قَبْرَهُ مِنْ حِينِ دُفِنَ لَمْ يُمَكَّنْ أَحَدٌ مِنْ الدُّخُولِ إلَيْهِ لَا لِزِيَارَةِ وَلَا لِصَلَاةِ وَلَا لِدُعَاءِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. وَلَكِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ فِيهِ لِأَنَّهُ بَيْتُهَا. وَكَانَتْ نَاحِيَةً عَنْ الْقُبُورِ؛ لِأَنَّ الْقُبُورَ فِي مُقَدِّمِ الْحُجْرَةِ وَكَانَتْ هِيَ فِي مُؤَخِّرِ الْحُجْرَةِ. وَلَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ يَدْخُلُونَ إلَى هُنَاكَ. وَكَانَتْ الْحُجْرَةُ عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ خَارِجَةً عَنْ الْمَسْجِدِ مُتَّصِلَةً بِهِ وَإِنَّمَا أُدْخِلَتْ فِيهِ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بَعْدَ مَوْتِ الْعَبَادِلَةِ: ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَمْرٍو بَلْ بَعْدَ مَوْتِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ فَإِنَّ آخِرَ مَنْ مَاتَ بِهَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي بِضْعٍ

    vol. 28, p. 400وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَوُسِّعَ الْمَسْجِدُ فِي بِضْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَلَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ يَدْخُلُونَ إلَى عِنْدِ الْقَبْرِ وَلَا يَقِفُونَ عِنْدَهُ خَارِجًا مَعَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ إلَى مَسْجِدِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا. وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} وَكَانُوا يَقْدَمُونَ مِنْ الْأَسْفَارِ لِلِاجْتِمَاعِ بِالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِهِ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ. وَلَا يَأْتُونَ الْقَبْرَ إذْ كَانَ هَذَا عِنْدَهُمْ مِمَّا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهِ وَلَمْ يَسُنَّهُ لَهُمْ. وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ وَسَنَّ لَهُمْ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَعِنْدَ دُخُولِهِمْ الْمَسَاجِدَ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَكِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْتِيهِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ السَّفَرِ. وَقَدْ يَكُونُ فِعْلُهُ غَيْرَ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا. فَلِهَذَا رَأَى مَنْ رَأَى مِنْ الْعُلَمَاءِ هَذَا جَائِزًا اقْتِدَاءً بِالصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وَابْنُ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتْ ثُمَّ يَنْصَرِفُ. وَلَمْ يَكُنْ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ يَفْعَلُونَ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ بَلْ كَانَ الْخُلَفَاءُ وَغَيْرُهُمْ يُسَافِرُونَ لِلْحَجِّ وَغَيْرِهِ وَيَرْجِعُونَ وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذْ لَمْ يَكُنْ هَذَا

    vol. 28, p. 399