ما يروى من أسر آل البيت كذب

5 paragraphs · vol. 28, p. 481

  1. وَأَمَّا مَا يَرْوِيهِ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ يُمَيِّزُ بِهِ مَا يَقُولُ وَلَا لَهُ إلْمَامٌ بِمَعْرِفَةِ الْمَنْقُولِ: مِنْ أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ سُبُّوا وَأَنَّهُمْ حُمِلُوا عَلَى الْبَخَاتِيِّ وَأَنَّ الْبَخَاتِيَّ نَبَتَ لَهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ سَنَامَانِ: فَهَذَا مِنْ الْكَذِبِ الْوَاضِحِ الْفَاضِحِ لِمَنْ يَقُولُهُ. فَإِنَّ الْبَخَاتِيَّ قَدْ كَانَتْ مِنْ يَوْمِ خَلَقَهَا اللَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ ذَاتَ سَنَامَيْنِ كَمَا كَانَ غَيْرُهَا مِنْ أَجْنَاسِ الْحَيَوَانِ. وَالْبَخَاتِيِّ لَا تَسْتُرُ امْرَأَةً. وَلَا سَبَى أَهْلَ الْبَيْتِ أَحَدٌ وَلَا سُبِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ. بَلْ هَذَا كَمَا يَقُولُونَ: إنَّ الْحَجَّاجَ قَتَلَهُمْ. وَقَدْ عَلِمَ أَهْلُ النَّقْلِ كُلُّهُمْ أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ كَمَا عَهِدَ إلَيْهِ خَلِيفَتُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَنَّهُ لَمَّا تَزَوَّجَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَرَأَوْهُ لَيْسَ بِكُفْءِ لَهَا. وَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى فَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. بَلْ بَنُو مَرْوَانَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَمْ يَقْتُلُوا أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ لَا آلِ عَلِيٍّ وَلَا آلِ الْعَبَّاسِ إلَّا زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ الْمَصْلُوبَ بِكُنَاسَةِ الْكُوفَةِ وَابْنَهُ يَحْيَى. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ حُمِلَ إلَى يَزِيدَ فَأَيُّ غَرَضٍ كَانَ لَهُمْ فِي دَفْنِهِ بِعَسْقَلَانَ وَكَانَتْ إذْ ذَاكَ ثَغْرًا يُقِيمُ بِهِ الْمُرَابِطُونَ؟ فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُمْ تَعْفِيَةَ خَبَرِهِ فَمِثْلُ عَسْقَلَانَ تُظْهِرُهُ لِكَثْرَةِ مَنْ يَنْتَابُهَا لِلرِّبَاطِ. وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُمْ بَرَكَةَ الْبُقْعَةِ فَكَيْفَ يَقْصِدُ هَذَا مَنْ يُقَالُ: إنَّهُ عَدُوٌّ لَهُ مُسْتَحِلٌّ لِدَمِهِ سَاعٍ فِي قَتْلِهِ؟

    vol. 28, p. 481
  2. ثُمَّ مِنْ الْمَعْلُومِ: أَنَّ دَفْنَهُ قَرِيبًا عِنْدَ أُمِّهِ وَأَخِيهِ بِالْبَقِيعِ أَفْضَلُ لَهُ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ دَفْنَهُ بِالْبَقِيعِ: هُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ عَادَةُ الْقَوْمِ. فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي الْفِتَنِ إذَا قَتَلُوا الرَّجُلَ - لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ - سَلَّمُوا رَأْسَهُ وَبَدَنَهُ إلَى أَهْلِهِ كَمَا فَعَلَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ لَمَّا قَتَلَهُ وَصَلَبَهُ ثُمَّ سَلَّمَهُ إلَى أُمِّهِ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ سَعْيَ الْحَجَّاجِ فِي قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَنَّ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مِنْ الْحُرُوبِ: أَعْظَمُ بِكَثِيرِ مِمَّا كَانَ بَيْنَ الْحُسَيْنِ وَبَيْنَ خُصُومِهِ. فَإِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ ادَّعَى الْخِلَافَةَ بَعْدَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ وَبَايَعَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ. وَحَارَبَهُ يَزِيدُ حَتَّى مَاتَ وَجَيْشُهُ مُحَارِبُونَ لَهُ بَعْدَ وَقْعَةِ الْحَرَّةِ. ثُمَّ لَمَّا تَوَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ غَلَبَهُ عَلَى الْعِرَاقِ مَعَ الشَّامِ. ثُمَّ بَعَثَ إلَيْهِ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ فَحَاصَرَهُ الْحِصَارَ الْمَعْرُوفَ حَتَّى قُتِلَ ثُمَّ صَلَبَهُ ثُمَّ سَلَّمَهُ إلَى أُمِّهِ. وَقَدْ دُفِنَ بَدَنُ الْحُسَيْنِ بِمَكَانِ مَصْرَعِهِ بِكَرْبَلَاءَ وَلَمْ يُنْبَشْ وَلَمْ يُمَثَّلْ بِهِ. فَلَمْ يَكُونُوا يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَسْلِيمِ رَأْسِهِ إلَى أَهْلِهِ كَمَا سَلَّمُوا بَدَنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ إلَى أَهْلِهِ وَإِذَا تَسَلَّمَ أَهْلُهُ رَأْسُهُ فَلَمْ يَكُونُوا لِيَدَّعُوا دَفْنَهُ عِنْدَهُمْ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عِنْدَ عَمِّهِ وَأُمِّهِ وَأَخِيهِ وَقَرِيبًا مِنْ جَدِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدْفِنُونَهُ بِالشَّامِ حَيْثُ لَا أَحَدَ إذْ ذَاكَ يَنْصُرُهُمْ عَلَى

    vol. 28, p. 483خُصُومِهِمْ؟ بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ كَانَ يُبْغِضُهُ وَيُبْغِضُ أَبَاهُ. هَذَا لَا يَفْعَلُهُ أَحَدٌ. وَالْقُبَّةُ الَّتِي عَلَى الْعَبَّاسِ بِالْبَقِيعِ يُقَالُ: إنَّ فِيهَا مَعَ الْعَبَّاسِ الْحَسَنَ وَعَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وَيُقَالُ: إنَّ فَاطِمَةَ تَحْتَ الْحَائِطِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ. وَأَنَّ رَأْسَ الْحُسَيْنِ هُنَاكَ أَيْضًا. الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ قَطُّ أَنَّ أَحَدًا لَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلَا مِنْ الشِّيعَةِ كَانَ يَنْتَابُ نَاحِيَةَ عَسْقَلَانَ لِأَجْلِ رَأْسِ الْحُسَيْنِ. وَلَا يَزُورُونَهُ وَلَا يَأْتُونَهُ. كَمَا أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَنْتَابُونَ الْأَمَاكِنَ الَّتِي تُضَافُ إلَى الرَّأْسِ فِي هَذَا الْوَقْتِ؛ كَمَوْضِعِ بِحَلَبِ. فَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْبِقَاعُ لَمْ يَكُنْ النَّاسُ يَنْتَابُونَهَا وَلَا يَقْصِدُونَهَا وَإِنَّمَا كَانُوا يَنْتَابُونَ كَرْبَلَاءَ. لِأَنَّ الْبَدَنَ هُنَاكَ: كَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ النَّاسَ فِيمَا مَضَى لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ الرَّأْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْبِقَاعِ وَلَكِنَّ الَّذِي عَرَفُوهُ وَاعْتَقَدُوهُ: هُوَ وُجُودُ الْبَدَنِ بِكَرْبَلَاءَ حَتَّى كَانُوا يَنْتَابُونَهُ فِي زَمَنِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ حَتَّى إنَّ فِي مَسَائِلِهِ مَسَائِلَ فِيمَا يُفْعَلُ عِنْدَ قَبْرِهِ ذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ فِي زِيَارَةِ الْمُشَاهِدِ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ مَوْضِعَ الرَّأْسِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْبِقَاعِ غَيْرَ الْمَدِينَةِ.

    vol. 28, p. 482
  3. فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ الْمُتَقَدِّمُونَ بِهِ أَعْلَمَ. وَلَوْ اعْتَقَدُوا ذَلِكَ لَعَمِلُوا مَا جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِعَمَلِهِ وَلَأَظْهَرُوا ذَلِكَ وَتَكَلَّمُوا بِهِ كَمَا تَكَلَّمُوا فِي نَظَائِرِهِ. فَلَمَّا لَمْ يَظْهَرْ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ - بِقَوْلِ وَلَا فِعْلٍ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّأْسَ فِي هَذِهِ الْبِقَاعِ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: مَا زَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَزَمَانٍ يَذْكُرُونَ فِي هَذَا الْمَشْهَدِ الْقَاهِرِيِّ الْمَنْسُوبِ إلَى الْحُسَيْنِ: أَنَّهُ كَذِبٌ وَمَيْنٌ كَمَا يَذْكُرُونَ ذَلِكَ فِي أَمْثَالِهِ مِنْ الْمَشَاهِدِ الْمَكْذُوبَةِ: مِثْلَ الْمَشَاهِدِ الْمَنْسُوبَةِ بِدِمَشْقَ إلَى أبي بْنِ كَعْبٍ وَأُوَيْسٍ القرني أَوْ هُودٍ أَوْ نُوحٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَالْمَشْهَدِ الْمَنْسُوبِ بِحَرَّانَ إلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَبِالْجَزِيرَةِ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَنَحْوِهِمَا. وَبِالْعِرَاقِ إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَنَحْوِهِ وَكَذَلِكَ مَا يُضَافُ إلَى الْأَنْبِيَاءِ غَيْرَ قَبْرِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَاهِدِ مَكْذُوبًا مُخْتَلَقًا كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ وَالْكُتُبُ وَالْمُصَنَّفَاتُ الْمَعْرُوفَةُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ مَمْلُوءَةٌ مِنْ مِثْلِ هَذَا. يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ تَتَبُّعِهِ وَطَلَبِهِ.

    vol. 28, p. 484
  4. وَمَا زَالَ النَّاسُ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ وَمُخَاطَبَاتِهِمْ يُعْلِمُونَ أَنَّ هَذَا الْمَشْهَدَ الْقَاهِرِيَّ مِنْ الْمَكْذُوبَاتِ الْمُخْتَلَقَاتِ. وَيَذْكُرُونَ ذَلِكَ فِي الْمُصَنَّفَاتِ حَتَّى مَنْ سَكَنَ هَذَا الْبَلَدَ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِذَلِكَ. فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ بْنُ دِحْيَةَ فِي كِتَابِهِ " الْعِلْمُ الْمَشْهُورُ " فِي هَذَا الْمَشْهَدِ فَصْلًا مَعَ مَا ذَكَرَهُ فِي مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ مِنْ أَخْبَارٍ ثَابِتَةٍ وَغَيْرِ ثَابِتَةٍ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ الْمَشْهَدَ كَذِبٌ بِالْإِجْمَاعِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ نُقِلَ مِنْ عَسْقَلَانَ فِي آخِرِ الدُّوَلِ العبيدية وَأَنَّهُ وُضِعَ لِأَغْرَاضِ فَاسِدَةٍ وَأَنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلِ أَزَالَ اللَّهُ تِلْكَ الدَّوْلَةَ وَعَاقَبَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا. وَمَا زَالَ ذَلِكَ مَشْهُورًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ حَتَّى أَهْلِ مِصْرِنَا مِنْ سَاكِنِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ: الْقَاهِرَةِ وَمَا حَوْلَهَا. فَقَدْ حَدَّثَنِي طَائِفَةٌ مِنْ الثِّقَاتِ: عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ القشيري الْمَعْرُوفِ بِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَطَائِفَةٌ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِيُّ وَطَائِفَةٌ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ القسطلاني وَطَائِفَةٌ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ الْقُرْطُبِيِّ صَاحِبِ التَّفْسِيرِ وَشَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى. وَطَائِفَةٌ عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الديريني - كُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ حَدَّثَنِي عَنْهُ مَنْ لَا أَتَّهِمُهُ وَحَدَّثَنِي عَنْ بَعْضِهِمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ كُلٌّ يُحَدِّثُنِي عَمَّنْ حَدَّثَنِي مِنْ هَؤُلَاءِ: أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ أَمْرَ هَذَا الْمَشْهَدِ وَيَقُولُ:

    vol. 28, p. 486إنَّهُ كَذِبٌ وَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الْحُسَيْنُ وَلَا غَيْرُهُ. وَاَلَّذِينَ حَدَّثُونِي عَنْ ابْنِ القسطلاني ذَكَرُوا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ فِيهِ نَصْرَانِيًّا بَلْ الْقُرْطُبِيُّ وَالْقَسْطَلَانِيّ ذَكَرَا بُطْلَانَ أَمْرِ هَذَا الْمَشْهَدِ فِي مُصَنَّفَاتِهِمَا. وَبَيَّنَا فِيهَا أَنَّهُ كَذِبٌ. كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ بْنُ دِحْيَةَ. وَابْنُ دِحْيَةَ هُوَ الَّذِي بَنَى لَهُ الْكَامِلُ دَارَ الْحَدِيثِ الكاملية. وَعَنْهُ أَخَذَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ وَنَحْوُهُ كَثِيرًا مِمَّا أَخَذُوهُ مِنْ ضَبْطِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ. وَلَيْسَ الِاعْتِمَادُ فِي هَذَا عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ بَلْ هُوَ الْإِجْمَاعُ مِنْ هَؤُلَاءِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الْبِلَادِ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْبَابِ أَعْلَمَ وَلَا أَدَقَّ مِنْ هَؤُلَاءِ وَنَحْوِهِمْ. فَإِذَا كَانَ كُلُّ هَؤُلَاءِ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ هَذَا كَذِبٌ وَمَيْنٌ: عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ بَرَّأَ مِنْهُ الْحُسَيْنَ. وَحَدَّثَنِي مَنْ حَدَّثَنِي مِنْ الثِّقَاتِ: أَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَ يُوصِي أَصْحَابَهُ بِأَلَّا يُظْهِرُوا ذَلِكَ عَنْهُ خَوْفًا مِنْ شَرِّ الْعَامَّةِ بِهَذِهِ الْبِلَادِ لِمَا فِيهِمْ مِنْ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ. إذْ كَانُوا فِي الْأَصْلِ دُعَاةً لِلْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيِّينَ. الَّذِينَ اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا مِائَتَيْ سَنَةٍ. فَزَرَعُوا فِيهِمْ مِنْ أَخْلَاقِ الزَّنَادِقَةِ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الْجَهْلِ الْمُبْتَدِعِينَ وَأَهْلِ الْكَذِبِ الظَّالِمِينَ: مَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَنْقَلِعَ إلَّا بَعْدَ حِينٍ. فَإِنَّهُ قَدْ فَتَحَهَا - بِإِزَالَةِ مُلْكِ العبيديين - أَهْلُ الْإِيمَانِ

    vol. 28, p. 487وَالسُّنَّةِ فِي الدَّوْلَةِ النُّورِيَّةِ وَالصَّلَاحِيَّةِ وَسَكَنَهَا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ مَنْ سَكَنَهَا وَظَهَرَتْ بِهَا كَلِمَةُ الْإِيمَانِ وَالسُّنَّةِ نَوْعًا مِنْ الظُّهُورِ لَكِنْ كَانَ النِّفَاقُ وَالْبِدْعَةُ فِيهَا كَثِيرًا مَسْتُورًا وَفِي كُلِّ وَقْتٍ يُظْهِرُ اللَّهُ فِيهَا مِنْ الْإِيمَانِ وَالسُّنَّةِ مَا لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا وَيَطْغَى فِيهَا مِنْ النِّفَاقِ وَالْجَهْلِ مَا كَانَ مَشْهُورًا. وَاَللَّهُ هُوَ الْمَسْئُولُ أَنْ يُظْهِرَ بِسَائِرِ الْبِلَادِ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِنْ الْهُدَى وَالسَّدَادِ. وَيُعْظِمَ عَلَى عِبَادِهِ الْخَيْرَ بِظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ وَيُحَقِّقَ مَا وَعَدَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ مِنْ عُلُوِّ كَلِمَتِهِ وَظُهُورِ أَهْلِ الْإِيمَانِ. وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ قَدْ اعْتَقَدَ وَتَخَلَّقَ بِعَقَائِدَ وَبِأَخْلَاقِ هِيَ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَخْلَاقِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ مِنْ الْعَارِفِينَ كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُشَارِكُ النَّصَارَى فِي أَعْيَادِهِمْ. وَيُعَظِّمُ مَا يُعَظِّمُونَهُ مِنْ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأَعْمَالِ. وَهُوَ قَدْ لَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ تَعْظِيمَ الْكُفْرِ بَلْ وَلَا يَعْرِفُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِمْ. فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ انْتَهَى عَنْهُ وَتَابَ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ تَخَلَّقَ بِشَيْءِ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ النِّفَاقِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَنَّهَا مِنْ أَخْلَاقِ الْمُنَافِقِينَ وَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ كَانَ إلَى اللَّهِ مِنْ التَّائِبِينَ. وَاَللَّهُ يَتُوبُ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ الْمُذْنِبِينَ

    vol. 28, p. 485
  5. مِنْ الْمُؤْمِنِينَ. وَهَذَا كُلُّهُ كَلَامٌ فِي بُطْلَانِ دَعْوَى وُجُودِ رَأْسِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْقَاهِرَةِ أَوْ عَسْقَلَانَ وَكَذِبِهِ. ثُمَّ نَقُولُ: سَوَاءٌ كَانَ صَحِيحًا أَوْ كَذِبًا. فَإِنَّ بِنَاءَ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ لَيْسَ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالنُّصُوصِ الثَّابِتَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الدِّينِ بَلْ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَيْهَا أَوْ بِقَصْدِ الصَّلَاةِ عِنْدَهَا بَلْ أَئِمَّةُ الدِّينِ مُتَّفِقُونَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَقْصِدَ الصَّلَاةَ عِنْدَ قَبْرِ أَحَدٍ لَا نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِ نَبِيٍّ وَكُلُّ مَنْ قَالَ: إنَّ قَصْدَ الصَّلَاةِ عِنْدَ قَبْرِ أَحَدٍ أَوْ عِنْدَ مَسْجِدٍ بُنِيَ عَلَى قَبْرٍ أَوْ مَشْهَدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: أَمْرٌ مَشْرُوعٌ بِحَيْثُ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ وَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي لَا قَبْرَ فِيهِ: فَقَدْ مَرَقَ مِنْ الدِّينِ. وَخَالَفَ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ. وَالْوَاجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ قَائِلُ هَذَا وَمُعْتَقِدُهُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. بَلْ لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَى الْقُبُورِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ الصَّلَاةَ عِنْدَهَا. فَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ لَا اتِّفَاقًا وَلَا ابْتِغَاءً لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْمُشْرِكِينَ وَالذَّرِيعَةِ إلَى الشِّرْكِ وَوُجُوبِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ

    vol. 28, p. 489وَعَلَى غَيْرِهِ كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ. مِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِالتَّحْرِيمِ. وَمِنْهُمْ مِنْ أَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ. وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُمْ مَسْأَلَةَ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ الْعَامَّةِ. فَإِنَّ تِلْكَ مِنْهُمْ مَنْ يُعَلِّلُ النَّهْيَ عَنْهَا بِنَجَاسَةِ التُّرَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَلِّلُهُ بِالتَّشَبُّهِ بِالْمُشْرِكِينَ. وَأَمَّا الْمَسَاجِدُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْقُبُورِ فَقَدْ نَهَوْا عَنْهُ. مُعَلِّلِينَ بِخَوْفِ الْفِتْنَةِ بِتَعْظِيمِ الْمَخْلُوقِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ سَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ {نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا وَعِنْدَ وُجُودِهَا فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَقَالَ إنَّهُ حِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ} فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُشَابَهَةِ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْمُصَلِّي السُّجُودَ إلَّا لِلْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ. فَكَيْفَ بِالصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ لِتَعْظِيمِ الْقُبُورِ؟ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ بَسَطْنَاهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْجَوَابِ. وَإِنَّمَا كَانَ الْمَقْصُودُ: تَحْقِيقَ مَكَانِ رَأْسِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبَيَانَ أَنَّ الْأَمْكِنَةَ الْمَشْهُورَةَ عِنْدَ النَّاسِ بِمِصْرِ وَالشَّامِ: أَنَّهَا مَشْهَدُ الْحُسَيْنِ وَأَنَّ فِيهَا رَأْسَهُ. كَذِبٌ وَاخْتِلَاقٌ. وَإِفْكٌ وَبُهْتَانٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَتَبَهُ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة.

    vol. 28, p. 488