أصل العلة واستعمالها

6 paragraphs · vol. 5, p. 133

  1. وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ يَدْعُونَ الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ. وَاسْتِقْصَاءُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ. فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ " . فَالْكَلِمُ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ جَامِعَةٌ مُحِيطَةٌ كُلِّيَّةٌ عَامَّةٌ لِمَا كَانَ مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ. ثُمَّ إنَّهُ يُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ بِمَا يَدُلُّ عَلَى صِفَتِهِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْحُكْمِ الْمَذْكُورِ الْمُبَيِّنِ وَمَا يُبَيِّنُ وَجْهَ دَلَالَتِهِ. فَإِنَّ تَنْزِيهَهُ نَفْسَهُ عَنْ الْوَلَدِ وَالْوِلَادَةِ وَاِتِّخَاذِ الْوَلَدِ: أَعَمُّ وَأَقْوَمُ مِنْ نَفْيِهِ بِلَفْظِ الْعِلَّةِ. فَإِنَّ الْعِلَّةَ أَصْلُهَا التَّغْيِيرُ كَالْمَرَضِ الَّذِي يُحِيلُ الْبَدَنَ عَنْ صِحَّتِهِ وَالْعَلِيلُ ضِدُّ الصَّحِيحِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَا يُقَالُ " مَعْلُولٌ " إلَّا فِي الشُّرْبِ يُقَالُ: شَرِبَ الْمَاءَ عَلًّا بَعْدَ نَهَلٍ وَعَلَّلْته إذَا سَقَيْته مَرَّةً ثَانِيَةً.

    vol. 5, p. 133
  2. وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ اسْمِ " الْعِلَّةِ " فِي الْمُوجِبِ لِلشَّيْءِ أَوْ الْمُقْتَضِي لَهُ فَهُوَ مِنْ عُرْفِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَهِيَ - وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعِلَّةِ اللُّغَوِيَّةِ مُنَاسَبَةٌ مِنْ جِهَةِ التَّغَيُّرِ - فَالْمُنَاسَبَةُ فِي لَفْظِ " التَّوَلُّدِ " أَظْهَرُ. وَلِهَذَا كَانَ فِي الْخِطَابِ أَشْهَرَ. يَقُولُ النَّاسُ:

    vol. 5, p. 134هَذَا الْأَمْرُ يَتَوَلَّدُ عَنْهُ كَذَا وَهَذَا يُوَلِّدُ كَذَا وَقَدْ تَوَلَّدَ عَنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ كَيْتُ وَكَيْتُ: لِكُلِّ سَبَبٍ اقْتَضَى مُسَبَّبًا مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ حَتَّى أَهْلُ الطَّبَائِعِ يَقُولُونَ: " الْأَرْكَانُ وَالْمُوَلَّدَاتُ " يُرِيدُونَ مَا يَتَوَلَّدُ عَنْ الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ - التُّرَابِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَالنَّارِ - مِنْ مَعْدِنٍ وَنَبَاتٍ وَحَيَوَانٍ. فَنَفْيُهُ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَلِدَ شَيْئًا اقْتَضَى أَنْ لَا يَتَوَلَّدَ عَنْهُ شَيْءٌ وَنَفْيُهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِشَيْءِ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّكْرِيمِ وَأَنَّ الْعِبَادَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَتَّخِذَ شَيْئًا مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ. وَهَذَا يُبْطِلُ دَعْوَى مَنْ يَدَّعِي مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ وَمَنْ يَقُولُ: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ} وَمَنْ يَقُولُ: الْفَلْسَفَةُ هِيَ التَّشَبُّهُ بِالْإِلَهِ. فَإِنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ وَالِدِهِ وَيَكُونُ نَظِيرًا لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرْعًا لَهُ. وَلِهَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ بِهَذِهِ الْمَعَانِي مِنْ أَعْظَمِ الْخَلْقِ قَوْلًا بِالتَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَجَعْلِ الْأَنْدَادِ لَهُ وَالْعَدْلِ وَالتَّسْوِيَةِ. وَلِهَذَا كَانَتْ الْفَلَاسِفَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِصُدُورِ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّوَلُّدِ وَالتَّعْلِيلِ يَجْعَلُونَهَا لَهُ أَنْدَادًا وَيَتَّخِذُونَهَا آلِهَةً وَأَرْبَابًا بَلْ قَدْ لَا يَعْبُدُونَ إلَّا إيَّاهَا وَلَا يَدْعُونَ سِوَاهَا وَيَجْعَلُونَهَا هِيَ الْمُبْدِعَةُ لِمَا سِوَاهَا مِمَّا تَحْتَهَا. فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ. وَ {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

    vol. 5, p. 135وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} (١) .

  3. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ " الْجِنُّ " قَدْ قِيلَ: إنَّهُ يَعُمُّ الْمَلَائِكَةَ؛ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ: زَعَمَ بَعْضُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ: أَنَّ اللَّهَ صَاهَرَ إلَى الْجِنِّ فَوَلَدَتْ الْمَلَائِكَةَ. فَقَدْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ أَيْضًا كَمَا عَبَدَتْهَا الصَّابِئَةُ الْفَلَاسِفَةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} {قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} يَعْنِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَأْمُرْهُمْ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا أَمَرَتْهُمْ بِذَلِكَ الْجِنُّ لِيَكُونُوا عَابِدِينَ لِلشَّيَاطِينِ الَّتِي تَتَمَثَّلُ لَهُمْ كَمَا يَكُونُ لِلْأَصْنَامِ شَيَاطِينُ.

  4. وَكَمَا تَنْزِلُ الشَّيَاطِينُ عَلَى بَعْضِ مَنْ يَعْبُدُ الْكَوَاكِبَ وَيَرْصُدُهَا حَتَّى تَنْزِلَ عَلَيْهِ صُورَةٌ فَتُخَاطِبُهُ. وَهُوَ شَيْطَانٌ مِنْ الشَّيَاطِينِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} {وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا

    vol. 5, p. 136أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} وَقَالَ: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} فَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدُوا عِبَادَةَ الشَّيْطَانِ وَمُوَالَاتَهُ وَلَكِنَّهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ يَعْبُدُونَهُ وَيُوَالُونَهُ. فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةَ الصَّابِئَةَ الْمُبْتَدِعَةَ مُؤْمِنُونَ بِقَلِيلِ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فِي أَمْرِ الْمَلَائِكَةِ؛ فِي صِفَتِهِمْ وَأَقْدَارِهِمْ. وَذَلِكَ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ إنَّمَا سَلَكُوا سَبِيلَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَرَكَاتِ الْفَلَكِيَّةِ وَالْقِيَاسِ عَلَى نُفُوسِهِمْ؛ مَعَ مَا جَحَدُوهُ وَجَهِلُوهُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَإِبْدَاعِهِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ: مَا ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ مِمَّنْ جَمَعَ أَخْبَارَهُمْ: أَنَّ أَسَاطِينَهمْ الْأَوَائِلَ: كفيثاغورس وَسُقْرَاطَ؛ وَأَفْلَاطُونَ كَانُوا يُهَاجِرُونَ إلَى أَرْضِ الْأَنْبِيَاءِ بِالشَّامِ؛ وَيَتَلَقَّوْنَ عَنْ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَصْحَابِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ وَأَنَّ أَرِسْطُو لَمْ يُسَافِرْ إلَى أَرْضِ الْأَنْبِيَاءِ؛ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ بِأَثَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ مَا عِنْدَ سَلَفِهِ. وَكَانَ عِنْدَهُ قَدْرٌ يَسِيرٌ مِنْ الصابئية الصَّحِيحَةِ فَابْتَدَعَ لَهُمْ هَذِهِ التَّعَالِيمَ الْقِيَاسِيَّةَ وَصَارَتْ قَانُونًا مَشَى عَلَيْهِ أَتْبَاعُهُ وَاتَّفَقَ أَنَّهُ قَدْ يَتَكَلَّمُ فِي طَبَائِعِ الْأَجْسَامِ أَوْ فِي صُورَةِ الْمَنْطِقِ أَحْيَانًا بِكَلَامِ صَحِيحٍ. " وَأَمَّا الْأَوَّلُونَ " فَلَمْ يُوجَدْ لَهُمْ مَذْهَبٌ تَامٌّ مُبْتَدَعٌ بِمَنْزِلَةِ مُبْتَدِعَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ: أَبِي الهذيل وَهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ وَضَعَ مَذْهَبًا

    vol. 5, p. 137فِي " أَبْوَابِ أُصُولِ الدِّينِ " فَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ. إذْ كَانَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ - مِثْلُ مَالِكٍ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَالثَّوْرِيِّ وَنَحْوِهِمْ - إنَّمَا تَكَلَّمُوا بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرِّسَالَةُ وَفِيهِ الْهُدَى وَالشِّفَاءُ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ: يَعْتَاضُ عَنْهُ بِمَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ. وَهَذَا سَبَبُ ظُهُورِ الْبِدَعِ فِي كُلِّ أُمَّةٍ وَهُوَ خَفَاءُ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ فِيهِمْ. وَبِذَلِكَ يَقَعُ الْهَلَاكُ. وَلِهَذَا كَانُوا يَقُولُونَ: الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ " السُّنَّةُ مِثْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ " وَهَذَا حَقٌّ. فَإِنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ إنَّمَا رَكِبَهَا مَنْ صَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ وَاتَّبَعَهُمْ وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَرْكَبْهَا فَقَدْ كَذَّبَ الْمُرْسَلِينَ. وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ هُوَ اتِّبَاعُ الرِّسَالَةِ الَّتِي جَاءَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَتَابِعُهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ رَكِبَ مَعَ نُوحٍ السَّفِينَةَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا. وَالْمُتَخَلِّفُ عَنْ اتِّبَاعِ الرِّسَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَخَلِّفِ عَنْ اتِّبَاعِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَرُكُوبِ السَّفِينَةِ مَعَهُ. وَهَكَذَا إذَا تَدَبَّرَ الْمُؤْمِنُ الْعَلِيمُ سَائِرَ مَقَالَاتِ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ الَّتِي فِيهَا ضَلَالٌ وَكُفْرٌ وَجَدَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ كَاشِفََين لِأَحْوَالِهِمْ مُبَيِّنَينَ لِحَقِّهِمْ مُمَيِّزَينَ بَيْنَ حَقِّ ذَلِكَ وَبَاطِلِهِ. وَالصَّحَابَةُ كَانُوا أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِذَلِكَ كَمَا كَانُوا أَقْوَمَ الْخَلْقِ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ كَمَا قَالَ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ. أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ: كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا قَوْمٌ اخْتَارَهُمْ اللَّهُ

    vol. 5, p. 138لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ فَاعْرِفُوا لَهُمْ حَقَّهُمْ وَتَمَسَّكُوا بِهَدْيِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ ". فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ بِكَمَالِ بِرِّ الْقُلُوبِ مَعَ كَمَالِ عُمْقِ الْعِلْمِ. وَهَذَا قَلِيلٌ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ كَمَا يُقَالُ: " مِنْ الْعَجَائِبِ فَقِيهٌ صُوفِيٌّ وَعَالِمٌ زَاهِدٌ " وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَإِنَّ أَهْلَ بِرِّ الْقُلُوبِ وَحُسْنِ الْإِرَادَةِ وَصَلَاحِ الْمَقَاصِدِ يُحْمَدُونَ عَلَى سَلَامَةِ قُلُوبِهِمْ مِنْ الْإِرَادَاتِ الْمَذْمُومَةِ وَيَقْتَرِنُ بِهِمْ كَثِيرًا عَدَمُ الْمَعْرِفَةِ وَإِدْرَاكُ حَقَائِقِ أَحْوَالِ الْخَلْقِ الَّتِي تُوجِبُ الذَّمَّ لِلشَّرِّ وَالنَّهْيِ عَنْهُ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَهْلُ التَّعَمُّقِ فِي الْعُلُومِ قَدْ يُدْرِكُونَ مِنْ مَعْرِفَةِ الشُّرُورِ وَالشُّبُهَاتِ مَا يُوقِعُهُمْ فِي أَنْوَاعِ الْغَيِّ وَالضَّلَالَاتِ وَأَصْحَابُ مُحَمَّدٍ كَانُوا أَبَرَّ الْخَلْقِ قُلُوبًا وَأَعْمَقَهُمْ عِلْمًا. ثُمَّ إنَّ أَكْثَرَ الْمُتَعَمِّقِينَ فِي الْعِلْمِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقْتَرِنُ بِتَعَمُّقِهِمْ التَّكَلُّفُ الْمَذْمُومُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ والمتعبدين: وَهُوَ الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ بِلَا عِلْمٍ وَطَلَبٍ مَا لَا يُدْرَكُ. وَأَصْحَابُ مُحَمَّدٍ كَانُوا - مَعَ أَنَّهُمْ أَكْمَلَ النَّاسِ عِلْمًا نَافِعًا وَعَمَلًا صَالِحًا - أَقَلَّ النَّاسِ تَكَلُّفًا يَصْدُرُ عَنْ أَحَدِهِمْ الْكَلِمَةُ وَالْكَلِمَتَانِ مِنْ الْحِكْمَةِ أَوْ مِنْ الْمَعَارِفِ مَا يَهْدِي اللَّهُ بِهَا أُمَّةً وَهَذَا مِنْ مِنَنِ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَتَجِدُ غَيْرَهُمْ يَحْشُونَ الْأَوْرَاقَ مِنْ التَّكَلُّفَاتِ وَالشَّطَحَاتِ مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْفُضُولِ الْمُبْتَدَعَةِ وَالْآرَاءِ الْمُخْتَرَعَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ سَلَفٌ إلَّا رَعُونَاتُ النُّفُوسِ الْمُتَلَقَّاةِ مِمَّنْ سَاءَ قَصْدُهُ فِي الدِّينِ.

  5. وَيُرْوَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ لِلْمَسِيحِ: {إنِّي سَأَخْلُقُ أُمَّةً أُفَضِّلُهَا عَلَى كُلِّ أُمَّةٍ وَلَيْسَ لَهَا عِلْمٌ وَلَا حِلْمٌ فَقَالَ الْمَسِيحُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ تُفَضِّلُهُمْ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ وَلَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ وَلَا حِلْمٌ؟ قَالَ: أَهَبُهُمْ مِنْ عِلْمِي وَحِلْمِي} وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ. فَأَيُّهُمْ كَانَ لَهُ أَتْبَعَ كَانَ فِي ذَلِكَ أَكْمَلَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} . وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ {حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَثَلُنَا وَمَثَلُ الْأُمَمِ قَبْلَنَا: كَاَلَّذِي اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلْ لِي إلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ؛ ثُمَّ قَالَ. مَنْ يَعْمَلْ لِي إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى. ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلْ لِي إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ؟ فَعَمِلَتْ الْمُسْلِمُونَ. فَغَضِبَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. وَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ أَجْرًا؟ قَالَ: فَهَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا قَالَ: فَهُوَ فَضْلِي أوتيه مَنْ أَشَاءُ} . فَدَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُؤْتِي أَتْبَاعَ هَذَا الرَّسُولِ مِنْ فَضْلِهِ مَا لَمْ يُؤْتِهِ لِأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ قَبْلَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ دُونَهُمْ مِنْ الصَّابِئَةِ؟ دَعْ مُبْتَدِعَةَ الصَّابِئَةِ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ.

    vol. 5, p. 139
  6. وَمِنْ الْمَعْلُومِ: أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ أَخَصُّ بِالرَّسُولِ وَأَتْبَاعِهِ. فَلَهُمْ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَتَخْصِيصِهِ إيَّاهُمْ بِالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَتَضْعِيفِ الْأَجْرِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: " أَهْلُ السُّنَّةِ فِي الْإِسْلَامِ كَأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي الْمِلَلِ " . فَهَذَا الْكَلَامُ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا يَظُنُّهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالضَّلَالَةِ مِنْ نَقْصِ الصَّحَابَةِ فِي الْعِلْمِ وَالْبَيَانِ أَوْ الْيَدِ وَالسِّنَانِ. وَبَسْطُ هَذَا لَا يَتَحَمَّلُهُ هَذَا الْمَقَامُ. وَالْمَقْصُودُ: التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ زَعَمَ بِلِسَانِ حَالِهِ أَوْ مَقَالِهِ: أَنَّ طَائِفَةً غَيْرَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَدْرَكُوا مِنْ حَقَائِقِ الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ الْغَيْبِيَّةِ فِي أَمْرِ الْخَلْقِ وَالْبَعْثِ وَالْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ وَأَمْرِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتَعَرُّفِ وَاجِبِ الْوُجُودِ وَالنَّفْسِ النَّاطِقَةِ وَالْعُلُومِ وَالْأَخْلَاقِ الَّتِي تَزْكُو بِهَا النُّفُوسُ وَتَصْلُحُ وَتَكْمُلُ دُونَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَهُوَ - إنْ كَانَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِالرُّسُلِ - فَهُوَ جَاهِلٌ فِيهِ شُعْبَةٌ قَوِيَّةٌ مِنْ شُعَبِ النِّفَاقِ وَإِلَّا فَهُوَ مُنَافِقٌ خَالِصٌ مِنْ الَّذِينَ {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} وَقَدْ يَكُونُ مِنْ {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} وَمِنْ {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} . وَقَدْ يَبِينُ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ الصَّحِيحِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ - وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ ظَاهِرًا بِالْفِطْرَةِ لِكُلِّ سَلِيمِ الْفِطْرَةِ - فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ الرَّسُولُ أَكْمَلَ الْخَلْقِ وَأَعْلَمَهُمْ

    vol. 5, p. 140