فصل: في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر

1 paragraph · vol. 29, p. 121

  1. الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ كُتُبَهُ وَأَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ مِنْ الدِّينِ؛ فَإِنَّ رِسَالَةَ اللَّهِ: إمَّا إخْبَارٌ وَإِمَّا إنْشَاءٌ. فَالْإِخْبَارُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ خَلْقِهِ: مِثْلَ التَّوْحِيدِ وَالْقَصَصِ الَّذِي يَنْدَرِجُ فِيهِ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ. وَالْإِنْشَاءُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْإِبَاحَةُ. وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ فِي أَنْ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؛ لِتَضَمُّنِهَا ثُلُثَ التَّوْحِيدِ؛ إذْ هُوَ قَصَصٌ؛ وَتَوْحِيدٌ؛ وَأَمْرٌ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِي صِفَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} هُوَ بَيَانٌ لِكَمَالِ رِسَالَتِهِ؛ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَنَهَى عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ؛ وَأَحَلَّ كُلَّ طَيِّبٍ وَحَرَّمَ كُلَّ خَبِيثٍ؛ وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّمَا بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ} . وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: {مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ

    vol. 29, p. 122رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَتَمَّهَا وَأَكْمَلَهَا إلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ؛ فَكَانَ النَّاسُ يُطِيفُونَ بِهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنِهَا؛ وَيَقُولُونَ: لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ فَأَنَا تِلْكَ اللَّبِنَةُ} . فَبِهِ كَمُلَ دِينُ اللَّهِ الْمُتَضَمِّنُ لِلْأَمْرِ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَالنَّهْيِ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ وَإِحْلَالِ كُلِّ طَيِّبٍ وَتَحْرِيمِ كُلِّ خَبِيثٍ. وَأَمَّا مَنْ قَبْلَهُ مِنْ الرُّسُلِ فَقَدْ كَانَ يُحَرِّمُ عَلَى أُمَمِهِمْ بَعْضَ الطَّيِّبَاتِ كَمَا قَالَ: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} . وَرُبَّمَا لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ الْخَبَائِثِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرَائِيلَ إلَّا مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} . وَتَحْرِيمُ الْخَبَائِثِ يَنْدَرِجُ فِي مَعْنَى " النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ " كَمَا أَنَّ إحْلَالَ الطَّيِّبَاتِ يَنْدَرِجُ فِي " الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ " لِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّيِّبَاتِ مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِجَمِيعِ الْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ مِمَّا لَمْ يَتِمَّ إلَّا لِلرَّسُولِ؛ الَّذِي تَمَّمَ اللَّهُ بِهِ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ الْمُنْدَرِجَةَ فِي الْمَعْرُوفِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} فَقَدْ أَكْمَلَ اللَّهُ لَنَا الدِّينَ وَأَتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ وَرَضِيَ لَنَا الْإِسْلَامَ دِينًا. وَكَذَلِكَ وَصَفَ الْأُمَّةَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَبِيَّهَا حَيْثُ قَالَ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ

    vol. 29, p. 121