وجوب الجهاد عينا على المرتزقة

1 paragraph · vol. 29, p. 184

  1. فِي حَقِّ نَفْسِ الْإِنْسَانِ وَيَكُونُ فِي حُقُوقِ النَّاسِ - كَمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ كَتَبْت فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ " الْقَوَاعِدِ " وَفِي آخِرِ " مُسَوَّدَةِ الْفِقْهِ " كَلَامًا كُلِّيًّا فِي أَنَّ جَمِيعَ الْحَسَنَاتِ تَدْخُلُ فِي الْعَدْلِ وَجَمِيعُ السَّيِّئَاتِ تَدْخُلُ فِي الظُّلْمِ - فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِهَذَا مَسَائِلُ نَافِعَةٌ. مِنْهَا: أَنَّ أُولِي الْأَمْرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَمَنْ يَتْبَعُهُمْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُقُوقٌ لِلنَّاسِ هِيَ الْمَقْصُودَةُ الْوَاجِبَةُ مِنْهُ فِي مَرْتَبَتِهِ؛ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَطْلُوبَةً مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ النَّوْعِ وَلَا وَاجِبَةً عَلَيْهِ؛ إذْ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ دُونَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ مُحَرَّمَاتٌ حُرْمَتُهَا عَلَيْهِ مَرْتَبَتُهُ وَإِنْ لَمْ تَحْرُمْ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ أَوْ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِمْ أَخَفُّ: مِثَالُ ذَلِكَ الْجِهَادُ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا عَلَى الْكِفَايَةِ مِنْهُمْ؛ وَقَدْ يَجِبُ أَحْيَانًا عَلَى أَعْيَانِهِمْ؛ لَكِنْ وُجُوبُهُ عَلَى الْمُرْتَزِقَةِ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ مَالُ الْفَيْءِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ أَوْكَدُ؛ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ عَيْنًا؛ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ وَوَاجِبٌ بِالْعَقْدِ الَّذِي دَخَلُوا فِيهِ لَمَّا عَقَدُوا مَعَ وُلَاةِ الْأَمْرِ عَقْدَ الطَّاعَةِ فِي الْجِهَادِ وَوَاجِبٌ بِالْعِوَضِ. فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَا بِشَرْعِ وَلَا بِبَيْعَةِ إمَامٍ: لَوَجَبَ بِالْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهِ كَمَا يَجِبُ الْعَمَلُ عَلَى الْأَجِيرِ الَّذِي قَبَضَ الْأُجْرَةَ وَيَجِبُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ عَلَى مَنْ قَبَضَ الثَّمَنَ وَهَذَا وُجُوبٌ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ وَبِقَبْضِ الْعِوَضِ كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ وُجُوبٌ

    vol. 29, p. 185بِالشَّرْعِ وَبِمُجَرَّدِ مُبَايَعَةِ الْإِمَامِ وَهُوَ وَاجِبٌ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ مَا فِي تَرْكِهِ مِنْ تَغْرِيرِ الْمُسْلِمِينَ وَالضَّرَرُ اللَّاحِقُ لَهُمْ بِتَرْكِهِ وُجُوبُ الضَّمَانِ لِلْمَضْمُونِ لَهُ. فَإِنَّ " الْمُرْتَزِقَةَ " ضَمِنُوا لِلْمُسْلِمِينَ بِالِارْتِزَاقِ الدَّفْعَ عَنْهُمْ فَاطْمَأَنَّ النَّاسُ إلَى ذَلِكَ وَاكْتَفَوْا بِهِمْ وَأَعْرَضُوا عَنْ الدَّفْعِ بِأَنْفُسِهِمْ، أَعْظَمُ مِمَّا يَطْمَئِنُّ الْمُوَكَّلُ وَالْمُضَارِبُ إلَى وَكِيلِهِ وَعَامِلِهِ فَإِذَا فَرَّطَ بَعْضُهُمْ وَضَيَّعَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُمْ أَدْخَلُوا الضَّرَرَ الْعَظِيمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ بِمَا تَرَكُوهُ مِنْ الْقِتَالِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ حَتَّى لَحِقَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الضَّرَرِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ: فِي الْأَنْفُسِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالْأَمْوَالِ مَا لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ أَحَدٌ. فَظُلْمُ الْمُقَاتِلَةِ بِتَرْكِ الْجِهَادِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ ظُلْمٍ يَكُونُ؛ بِخِلَافِ مَا يَلْحَقُ أَحَدُهُمْ مِنْ الضَّرَرِ فَإِنَّ ذَاكَ ظُلْمٌ لِنَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ - كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَفِعْلِ الْفَاحِشَةِ - فَإِنَّ هَذَا ظُلْمٌ لِنَفْسِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ فَعُقُوبَتُهُ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ وَذَمِّهِ عَلَى ذَلِكَ أَعْظَمُ بِكَثِيرِ مِنْ ذَمِّهِ وَعُقُوبَتِهِ عَلَى ذَلِكَ. وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ جَمْعُ الْعُقُوبَتَيْنِ كَانَتْ الْعُقُوبَةُ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْعُقُوبَةِ عَلَى هَذِهِ الْمَعَاصِي كَمَا أَنَّ مَنْفَعَةَ الْجِهَادِ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ قَدْ

    vol. 29, p. 186تَكُونُ أَعْظَمَ بِكَثِيرِ مِنْ مَنْفَعَةِ رَدْعِهِ عَنْ الْخَمْرِ وَالْفَاحِشَةِ إذَا اسْتَسَرَّ بِذَلِكَ وَلَمْ يَظْلِمْ بِهِ غَيْرَهُ؛ فَيَدْفَعُ هُنَا أَعْظَمَ الفسادين بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا. وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ وَبِأَقْوَامِ لَا خَلَاقَ لَهُمْ} وَيُذَمُّ أَحَدُ هَؤُلَاءِ أَوْ يُزْجَرُ بِمَا فِيهِ مِنْ عَجْزٍ عَنْ الْجِهَادِ أَوْ تَفْرِيطٍ فِيهِ مَا لَا يَفْعَلُ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ مَرْصَدًا لِلْجِهَادِ. وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَى الْأُمَّةِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ: صُورَةً وَمَعْنًى؛ مَعَ أَنَّ حِفْظَ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ عُمُومًا عَلَى الْكِفَايَةِ مِنْهُمْ وَمِنْهُ مَا يَجِبُ عَلَى أَعْيَانِهِمْ وَهُوَ عِلْمُ الْعَيْنِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ؛ لَكِنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ عَيْنًا وَكِفَايَةً عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ رَأَسُوا فِيهِ أَوْ رُزِقُوا عَلَيْهِ أَعْظَمَ مِنْ وُجُوبِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ عُمُومًا. وَقَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ وَعَجْزِ غَيْرِهِمْ؛ وَيَدْخُلُ فِي الْقُدْرَةِ اسْتِعْدَادُ الْعَقْلِ وَسَابِقَةُ الطَّلَبِ وَمَعْرِفَةُ الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إلَيْهِ مِنْ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَسَائِرِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَعَدِّدَةِ وَالتَّفَرُّغُ لَهُ عَمَّا يَشْغَلُ بِهِ غَيْرَهُمْ. وَلِهَذَا مَضَتْ السُّنَّةُ بِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ يَلْزَمُ كَالشُّرُوعِ فِي الْحَجِّ يَعْنِي أَنَّ مَا حَفِظَهُ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ وَعِلْمِ الْجِهَادِ لَيْسَ لَهُ

    vol. 29, p. 184