خطبة الرسالة

2 paragraphs · vol. 29, p. 601

  1. فَأَجَابَ: أَمَّا إنْ كَانَ السَّابِي لَهُ مُسْلِمًا حُكِمَ بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ وَإِذَا كَانَ السَّابِي لَهُ كَافِرًا أَوْ لَمْ تَقُمْ حُجَّةٌ بِأَحَدِهِمَا لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ وَأَوْلَادِهِ تَبَعٌ لَهُ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

    وَقَالَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:

    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

    مِنْ أَحْمَد ابْنِ تَيْمِيَّة إلَى سرجوان عَظِيمِ أَهْلِ مِلَّتِهِ وَمَنْ تَحُوطُ بِهِ عِنَايَتُهُ مِنْ رُؤَسَاءِ الدِّينِ وَعُظَمَاءِ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْكُتَّابِ وَأَتْبَاعِهِمْ. سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا نَحْمَدُ إلَيْكُمْ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إلَهَ إبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ. وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى عِبَادِهِ الْمُصْطَفِينَ وَأَنْبِيَائِهِ الْمُرْسَلِينَ. وَيَخُصُّ بِصَلَاتِهِ وَسَلَامِهِ أُولِي الْعَزْمِ الَّذِينَ هُمْ سَادَةُ الْخَلْقِ وَقَادَةُ الْأُمَمِ. الَّذِينَ خُصُّوا بِأَخْذِ الْمِيثَاقِ وَهُمْ: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ. كَمَا سَمَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ

    vol. 29, p. 602الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَخُصَّ بِشَرَائِفِ صَلَاتِهِ وَسَلَامِهِ خَاتَمَ الْمُرْسَلِينَ وَخَطِيبَهُمْ إذَا وَفَدُوا عَلَى رَبِّهِمْ وَإِمَامَهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا شَفِيعَ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ وَنَبِيَّ الْمَلْحَمَةِ الْجَامِعَ مَحَاسِنَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ الَّتِي أَلْقَاهَا إلَى الصِّدِّيقَةِ الطَّاهِرَةِ الْبَتُولِ الَّتِي لَمْ يَمَسَّهَا بَشَرٌ قَطُّ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ " ذَلِكَ مَسِيحُ الْهُدَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الْوَجِيهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الْمُقَرَّبُ عِنْدَ اللَّهِ الْمَنْعُوتُ بِنُعُوتِ الْجَمَالِ وَالرَّحْمَةِ لَمَّا أَنْجَرَ بَنُو إسْرَائِيلَ فِيمَا بَعَثَ بِهِ مُوسَى مِنْ نَعْتِ الْجَلَالِ وَالشِّدَّةِ - وَبَعَثَ الْخَاتَمَ الْجَامِعَ بِنَعْتِ الْكَمَالِ؛ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الشِّدَّةِ عَلَى الْكُفَّارِ وَالرَّحْمَةِ بِالْمُؤْمِنِينَ. وَالْمُحْتَوِيَ عَلَى مَحَاسِنِ الشَّرَائِعِ وَالْمَنَاهِجِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ أَجْمَعِينَ. وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ وَأَظْهَرَ فِيهِمْ آثَارَ مَشِيئَتِهِ

    vol. 29, p. 603وَحِكْمَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَجَعَلَ الْمَقْصُودَ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ هُوَ عِبَادَتُهُ. وَأَصْلُ ذَلِكَ هُوَ مَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ. فَمَنْ هَدَاهُ اللَّهُ صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ آتَاهُ رَحْمَةً وَعِلْمًا وَمَعْرِفَةً بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَرَزَقَهُ الْإِنَابَةَ إلَيْهِ وَالْوَجَلَ لِذِكْرِهِ وَالْخُشُوعَ لَهُ وَالتَّأَلُّهَ لَهُ: فَحَنَّ إلَيْهِ حَنِينَ النُّسُورِ إلَى أَوْكَارِهَا. وَكُلِّفَ بِحُبِّهِ تَكَلُّفَ الصَّبِيِّ بِأُمِّهِ لَا يَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ رَغْبَةً وَرَهْبَةً وَمَحَبَّةً وَأَخْلَصَ دِينَهُ لِمَنْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ لَهُ رَبِّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. خَالِقِ مَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الَّذِي أَمَرَهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ. لَمْ يَتَّخِذْ مَنْ دُونِهِ أَنْدَادًا كَاَلَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَمْ يُشْرِكْ بِرَبِّهِ أَحَدًا وَلَمْ يَتَّخِذْ مِنْ دُونِهِ وَلِيًّا وَلَا شَفِيعًا؛ لَا مَلِكًا وَلَا نَبِيًّا وَلَا صَدِيقًا؛ فَإِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا. فَهُنَالِكَ اجْتَبَاهُ مَوْلَاهُ وَاصْطَفَاهُ وَآتَاهُ رُشْدَهُ. وَهَدَاهُ لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ؛ فَإِنَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بَعْدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَبْلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَبُوهُمْ آدَمَ أَبُو الْبَشَرِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَتَّى ابْتَدَعُوا الشِّرْكَ وَعِبَادَةَ الْأَوْثَانِ - بِدْعَةً مِنْ تِلْقَاءِ

    vol. 29, p. 601
  2. أَنْفُسِهِمْ - لَمْ يَنْزِلْ اللَّهُ بِهَا كِتَابًا وَلَا أَرْسَلَ بِهَا رَسُولًا؛ بِشُبُهَاتٍ زَيَّنَهَا الشَّيْطَانُ مِنْ جِهَةِ الْمَقَايِيسِ الْفَاسِدَةِ. وَالْفَلْسَفَةِ الْحَائِدَةِ. قَوْمٌ مِنْهُمْ زَعَمُوا أَنَّ التَّمَاثِيلَ طَلَاسِمُ الْكَوَاكِبِ السَّمَاوِيَّةِ وَالدَّرَجَاتُ الْفَلَكِيَّةِ وَالْأَرْوَاحُ الْعُلْوِيَّةِ. وَقَوْمٌ اتَّخَذُوهَا عَلَى صُورَةِ مَنْ كَانَ فِيهِمْ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. وَقَوْمٌ جَعَلُوهَا لِأَجْلِ الْأَرْوَاحِ السُّفْلِيَّةِ مِنْ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ. وَقَوْمٌ عَلَى مَذَاهِبَ أُخَرَ. وَأَكْثَرُهُمْ لِرُؤَسَائِهِمْ مُقَلِّدُونَ وَعَنْ سَبِيلِ الْهُدَى نَاكِبُونَ. فَابْتَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدْعُوهُمْ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ؛ وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَهُمْ لِيَتَقَرَّبُوا بِهِمْ إلَى اللَّهِ زُلْفَى وَيَتَّخِذُوهُمْ شُفَعَاءَ. فَمَكَثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًّا فَلَمَّا أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِك إلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ دَعَا عَلَيْهِمْ فَأَغْرَقَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَ الْأَرْضِ بِدَعْوَتِهِ وَجَاءَتْ الرُّسُلُ بَعْدَهُ تَتْرَى. إلَى أَنْ عَمَّ الْأَرْضَ دِينُ الصَّابِئَةِ وَالْمُشْرِكِينَ؛ لَمَّا كَانَتْ النماردة وَالْفَرَاعِنَةُ مُلُوكَ الْأَرْضِ شَرْقًا وَغَرْبًا. فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إمَامَ الْحُنَفَاءِ وَأَسَاسَ الْمِلَّةِ الْخَالِصَةِ وَالْكَلِمَةِ الْبَاقِيَةِ: إبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ. فَدَعَا الْخَلْقَ مِنْ الشِّرْكِ إلَى الْإِخْلَاصِ. وَنَهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ وَقَالَ: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وَقَالَ لِقَوْمِهِ:

    vol. 29, p. 604