نصح الإمام لغازان وأتباعه
4 paragraphs · vol. 29, p. 618
- vol. 29, p. 618
وَلَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَأَطْلَقْنَا مِنْ النَّصَارَى مَنْ شَاءَ اللَّهُ. فَهَذَا عَمَلُنَا وَإِحْسَانُنَا وَالْجَزَاءُ عَلَى اللَّهِ. وَكَذَلِكَ السَّبْيُ الَّذِي بِأَيْدِينَا مِنْ النَّصَارَى يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ إحْسَانَنَا وَرَحْمَتَنَا وَرَأْفَتَنَا بِهِمْ؛ كَمَا أَوْصَانَا خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ: {الصَّلَاةُ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} . وَمَعَ خُضُوعِ التَّتَارِ لِهَذِهِ الْمِلَّةِ وَانْتِسَابِهِمْ إلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ؛ فَلَمْ نُخَادِعْهُمْ وَلَمْ نُنَافِقْهُمْ؛ بَلْ بَيَّنَّا لَهُمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْفَسَادِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الْإِسْلَامِ الْمُوجِبِ لِجِهَادِهِمْ وَأَنَّ جُنُودَ اللَّهِ الْمُؤَيَّدَةَ وَعَسَاكِرَهُ الْمَنْصُورَةَ الْمُسْتَقِرَّةَ بِالدِّيَارِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ: مَا زَالَتْ مَنْصُورَةٌ عَلَى مَنْ نَاوَأَهَا. مُظَفَّرَةً عَلَى مَنْ عَادَاهَا. وَفِي هَذِهِ الْمُدَّةِ لَمَّا شَاعَ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ التَّتَارَ مُسْلِمُونَ أَمْسَكَ الْعَسْكَرَ عَنْ قِتَالِهِمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَلَمْ يَقْتُلْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِائَتَانِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ الْعَسْكَرُ إلَى مِصْرَ وَبَلَغَهُ مَا عَلَيْهِ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الْمَلْعُونَةُ مِنْ الْفَسَادِ وَعَدَمِ الدِّينِ: خَرَجَتْ جُنُودُ اللَّهِ وَلِلْأَرْضِ مِنْهَا وَئِيدٌ قَدْ مَلَأَتْ السَّهْلَ وَالْجَبَلَ؛ فِي كَثْرَةٍ وَقُوَّةٍ وَعِدَّةٍ وَإِيمَانٍ وَصِدْقٍ. قَدْ بَهَرَتْ الْعُقُولَ وَالْأَلْبَابَ. مَحْفُوفَةٌ بِمَلَائِكَةِ اللَّهِ الَّتِي مَا زَالَ يُمَدُّ بِهَا الْأُمَّةَ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُخْلِصَةَ لِبَارِئِهَا: فَانْهَزَمَ الْعَدُوُّ بَيْنَ أَيْدِيهَا وَلَمْ يَقِفْ لِمُقَابَلَتِهَا. ثُمَّ أَقْبَلَ الْعَدُوُّ ثَانِيًا فَأَرْسَلَ عَلَيْهِ مِنْ
vol. 29, p. 619الْعَذَابِ مَا أَهْلَكَ النُّفُوسَ وَالْخَيْلَ وَانْصَرَفَ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ وَصَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ. وَهُوَ الْآنُ فِي الْبَلَاءِ الشَّدِيدِ والتعكيس الْعَظِيمِ وَالْبَلَاءِ الَّذِي أَحَاطَ بِهِ. وَالْإِسْلَامُ فِي عِزٍّ مُتَزَايِدٍ وَخَيْرٍ مُتَرَافِدٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فِي رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا أَمْرَ دِينِهَا} . وَهَذَا الدِّينُ فِي إقْبَالٍ وَتَجْدِيدٍ. وَأَنَا نَاصِحٌ لِلْمَلِكِ وَأَصْحَابِهِ - وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْفُرْقَانَ. وَيَعْلَمُ الْمَلِكُ أَنَّ وَفْدَ نجران - وَكَانُوا نَصَارَى كُلَّهُمْ فِيهِمْ الْأَسْقُفُ وَغَيْرُهُ - لَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ: خَاطَبُوهُ فِي أَمْرِ الْمَسِيحِ وَنَاظَرُوهُ فَلَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ جَعَلُوا يُرَاوِغُونَ فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إلَى الْمُبَاهَلَةِ كَمَا قَالَ: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} . فَلَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ استشوروا بَيْنَهُمْ فَقَالُوا: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَّهُ مَا بَاهَلَ أَحَدٌ نَبِيًّا فَأَفْلَحَ. فَأَدَّوْا إلَيْهِ الْجِزْيَةَ وَدَخَلُوا فِي الذِّمَّةِ وَاسْتَعْفَوْا مِنْ الْمُبَاهَلَةِ. وَكَذَلِكَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابَهُ إلَى قَيْصَرَ الَّذِي كَانَ مَلِكَ النَّصَارَى بِالشَّامِ وَالْبَحْرِ إلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَغَيْرِهَا وَكَانَ مَلِكًا
vol. 29, p. 620فَاضِلًا. فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ وَسَأَلَ عَنْ عَلَامَتِهِ: عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ الْمَسِيحُ وَهُوَ الَّذِي كَانَ وَعَدَ اللَّهُ بِهِ إبْرَاهِيمَ فِي ابْنِهِ إسْمَاعِيلَ وَجَعَلَ يَدْعُو قَوْمَهُ النَّصَارَى إلَى مُتَابَعَتِهِ وَأَكْرَمَ كِتَابَهُ وَقَبَّلَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَقَالَ: وَدِدْت أَنِّي أَخْلُصُ إلَيْهِ حَتَّى أَغْسِلَ عَنْ قَدَمَيْهِ وَلَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنْ الْمُلْكِ لَذَهَبْت إلَيْهِ. وَأَمَّا النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ النَّصْرَانِيُّ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ هَاجَرُوا إلَيْهِ: آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَبَعَثَ إلَيْهِ ابْنَهُ وَأَصْحَابَهُ مُهَاجِرِينَ. وَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ لَمَّا مَاتَ. وَلَمَّا سَمِعَ سُورَةَ {كهيعص} بَكَى. وَلَمَّا أَخْبَرُوهُ عَمَّا يَقُولُونَ فِي الْمَسِيحِ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا يَزِيدُ عِيسَى عَلَى هَذَا مِثْلَ هَذَا الْعُودِ. وَقَالَ: إنَّ هَذَا وَاَلَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ. وَكَانَتْ سِيرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ مِنْ النَّصَارَى صَارَ مِنْ أُمَّتِهِ لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ. وَكَانَ لَهُ أَجْرَانِ: أَجْرٌ عَلَى إيمَانِهِ بِالْمَسِيحِ وَأَجْرٌ عَلَى إيمَانِهِ بِمُحَمَّدِ. وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنْ الْأُمَمِ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِقِتَالِهِ كَمَا قَالَ فِي كِتَابِهِ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} .
- vol. 29, p. 621
فَمَنْ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ بَلْ يَسُبُّ اللَّهَ وَيَقُولُ: إنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَأَنَّهُ صُلِبَ. وَلَا يُؤْمِنُ بِرُسُلِهِ؛ بَلْ يَزْعُمُ أَنَّ الَّذِي حَمَلَ وَوَلَدَ وَكَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَتَغَوَّطُ وَيَنَامُ: هُوَ اللَّهُ وَابْنُ اللَّهِ. وَأَنَّ اللَّهَ أَوْ ابْنَهُ حَلَّ فِيهِ وَتَدَرَّعَهُ وَيَجْحَدُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ وَيُحَرِّفُ نُصُوصَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؛ فَإِنَّ فِي الْأَنَاجِيلِ الْأَرْبِعَةِ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالِاخْتِلَافِ بَيْنَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَأَوْجَبَهُ مَا فِيهَا وَلَا يَدِينُ الْحَقَّ. وَدِينُ الْحَقِّ هُوَ الْإِقْرَارُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَأَوْجَبَهُ مِنْ عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَلَا يُحَرِّمُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ مِنْ الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ الَّذِي مَا زَالَ حَرَامًا مِنْ لَدُنْ آدَمَ إلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَبَاحَهُ نَبِيٌّ قَطُّ؛ بَلْ عُلَمَاءُ النَّصَارَى يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَمَا يَمْنَعُ بَعْضَهُمْ مِنْ إظْهَارِ ذَلِكَ إلَّا الرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ. وَبَعْضُهُمْ يَمْنَعُهُ الْعِنَادُ وَالْعَادَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ لِأَنَّ عَامَّتَهُمْ وَإِنْ كَانُوا يُقِرُّونَ بِقِيَامَةِ الْأَبْدَانِ؛ لَكِنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَالنِّكَاحِ وَالنَّعِيمِ وَالْعَذَابِ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ؛ بَلْ غَايَةُ مَا يُقِرُّونَ بِهِ مِنْ النَّعِيمِ السَّمَاعُ وَالشَّمُّ. وَمِنْهُمْ مُتَفَلْسِفَةٌ يُنْكِرُونَ مَعَادَ الْأَجْسَادِ وَأَكْثَرُ عُلَمَائِهِمْ زَنَادِقَةٌ وَهُمْ يُضْمِرُونَ ذَلِكَ وَيَسْخَرُونَ بِعَوَامِّهِمْ؛ لَا سِيَّمَا بِالنِّسَاءِ والمترهبين مِنْهُمْ: بِضَعْفِ الْعُقُولِ. فَمَنْ هَذَا حَالُهُ فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِجِهَادِهِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي دِينِ اللَّهِ أَوْ يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ وَهَذَا دِينُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ الْمَسِيحُ لَمْ يَأْمُرْ بِجِهَادِ؛ لَا سِيَّمَا بِجِهَادِ الْأُمَّةِ
vol. 29, p. 622الْحَنِيفِيَّةِ وَلَا الْحَوَارِيُّونَ بَعْدَهُ. فَيَا أَيُّهَا الْمَلِكُ كَيْفَ تَسْتَحِلُّ سَفْكَ الدِّمَاءِ وَسَبْيَ الْحَرِيمِ وَأَخْذَ الْأَمْوَالِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مِنْ اللَّهِ وَرُسُلِهِ. ثُمَّ أَمَا يَعْلَمُ الْمَلِكُ أَنَّ بِدِيَارِنَا مِنْ النَّصَارَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْأَمَانِ مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إلَّا اللَّهُ وَمُعَامَلَتُنَا فِيهِمْ مَعْرُوفَةٌ فَكَيْفَ يُعَامِلُونَ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي لَا يَرْضَى بِهَا ذُو مُرُوءَةٍ وَلَا ذُو دِينٍ لَسْت أَقُولُ عَنْ الْمَلِكِ وَأَهْلِ بَيْته وَلَا إخْوَتِهِ؛ فَإِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ شَاكِرٌ لِلْمَلِكِ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ كَثِيرًا مُعْتَرِفًا بِمَا فَعَلُوهُ مَعَهُ مِنْ الْخَيْرِ وَإِنَّمَا أَقُولُ عَنْ عُمُومِ الرَّعِيَّةِ. أَلَيْسَ الْأَسْرَى فِي رَعِيَّةِ الْمَلِكِ أَلَيْسَتْ عُهُودُ الْمَسِيحِ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ تُوَصِّي بِالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ. فَأَيْنَ ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ إنَّمَا أُخِذُوا غَدْرًا وَالْغَدْرُ حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ وَالشَّرَائِعِ وَالسِّيَاسَاتِ فَكَيْفَ تَسْتَحِلُّونَ أَنْ تَسْتَوْلُوا عَلَى مَنْ أَخَذَ غَدْرًا أَفَتَأْمَنُونَ مَعَ هَذَا أَنْ يُقَابِلَكُمْ الْمُسْلِمُونَ بِبَعْضِ هَذَا وَتَكُونُونَ مَغْدُورِينَ وَاَللَّهُ نَاصِرُهُمْ وَمُعِينُهُمْ؛ لَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَالْأُمَّةُ قَدْ امْتَدَّتْ لِلْجِهَادِ. وَاسْتَعَدَّتْ لِلْجَلَّادِ. وَرَغِبَ الصَّالِحُونَ وَأَوْلِيَاءُ الرَّحْمَنِ فِي طَاعَتِهِ وَقَدْ تَوَلَّى الثُّغُورَ السَّاحِلِيَّةَ أُمَرَاءُ ذَوُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَقَدْ ظَهَرَ بَعْضُ أَثَرِهِمْ وَهُمْ فِي ازْدِيَادٍ. ثُمَّ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الرِّجَالِ الفداوية الَّذِينَ يَغْتَالُونَ الْمُلُوكَ فِي
vol. 29, p. 623فُرُشِهَا وَعَلَى أَفْرَاسِهَا: مَنْ قَدْ بَلَغَ الْمَلِكُ خَبَرُهُمْ؛ قَدِيمًا وَحَدِيثًا. وَفِيهِمْ الصَّالِحُونَ الَّذِينَ لَا يَرُدُّ اللَّهُ دَعَوَاتِهِمْ وَلَا يُخَيِّبُ طَلَبَاتِهِمْ الَّذِينَ يَغْضَبُ الرَّبُّ لِغَضَبِهِمْ وَيَرْضَى لِرِضَاهُمْ. وَهَؤُلَاءِ التَّتَارُ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَانْتِسَابِهِمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ لَمَّا غَضِبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ أَحَاطَ بِهِمْ مِنْ الْبَلَاءِ مَا يَعْظُمُ عَنْ الْوَصْفِ. فَكَيْفَ يَحْسُنُ أَيُّهَا الْمَلِكُ بِقَوْمِ يُجَاوِرُونَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَكْثَرِ الْجِهَاتِ أَنْ يُعَامِلُوهُمْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ الَّتِي لَا يَرْضَاهَا عَاقِلٌ؛ لَا مُسْلِمٌ وَلَا مُعَاهَدٌ. هَذَا وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا ذَنْبَ لَهُمْ أَصْلًا؛ بَلْ هُمْ الْمَحْمُودُونَ عَلَى مَا فَعَلُوهُ؛ فَإِنَّ الَّذِي أَطْبَقَتْ الْعُقَلَاءُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِفَضْلِهِ هُوَ دِينُهُمْ حَتَّى الْفَلَاسِفَةُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَطْرُقْ الْعَالَمَ دِينٌ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا الدِّينِ. فَقَدْ قَامَتْ الْبَرَاهِينُ عَلَى وُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ. ثُمَّ هَذِهِ الْبِلَادُ مَا زَالَتْ بِأَيْدِيهِمْ السَّاحِلُ؛ بَلْ وَقُبْرُصُ أَيْضًا مَا أُخِذَتْ مِنْهُمْ إلَّا مِنْ أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثمِائَةِ سَنَةٍ وَقَدْ وَعَدَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ ظَاهِرِينَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَمَا يُؤْمِنُ الْمَلِكُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى الْمَظْلُومِينَ بِبَلْدَتِهِ يَنْتَقِمُ لَهُمْ رَبُّ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ كَمَا يَنْتَقِمُ لِغَيْرِهِمْ وَمَا يُؤَمِّنُهُ أَنْ تَأْخُذَ الْمُسْلِمِينَ حَمِيَّةُ إسْلَامِهِمْ فَيَنَالُوا مِنْهَا مَا نَالُوا مِنْ غَيْرِهَا وَنَحْنُ إذَا رَأَيْنَا مِنْ الْمَلِكِ وَأَصْحَابِهِ مَا يَصْلُحُ عَامَلْنَاهُمْ بِالْحُسْنَى وَإِلَّا فَمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ.
- vol. 29, p. 624
وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَيْسَرِ الْأُمُورِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَأَنَا مَا غَرَضِي السَّاعَةَ إلَّا مُخَاطَبَتُكُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَالْمُعَاوَنَةُ عَلَى النَّظَرِ فِي الْعِلْمِ وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَفِعْلِ مَا يَجِبُ. فَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْمَلِكِ مَنْ يَثِقُ بِعَقْلِهِ وَدِينِهِ فَلْيَبْحَثْ مَعَهُ عَنْ أُصُولِ الْعِلْمِ وَحَقَائِقِ الْأَدْيَانِ وَلَا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى الْمُقَلِّدِينَ الَّذِينَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يَعْقِلُونَ؛ إنْ هُمْ إلَّا كَالْأَنْعَامِ؛ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا. وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنْ تَسْتَعِينَ بِاَللَّهِ وَتَسْأَلَهُ الْهِدَايَةَ وَتَقُولَ: اللَّهُمَّ أَرِنِي الْحَقَّ حَقًّا وَأَعِنِّي عَلَى اتِّبَاعِهِ. وَأَرِنِي الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَأَعِنِّي عَلَى اجْتِنَابِهِ وَلَا تَجْعَلْهُ مُشْتَبَهًا عَلَيَّ فَأَتَّبِعَ الْهَوَى فَأَضِلَّ. وَقُلْ اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وميكائيل وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِك إنَّك تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَالْكِتَابُ لَا يَحْتَمِلُ الْبَسْطَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا؛ لَكِنَّ أَنَا مَا أُرِيدَ لِلْمَلِكِ إلَّا مَا يَنْفَعُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُمَا شَيْئَانِ. (أَحَدُهُمَا لَهُ خَاصَّةً وَهُوَ مَعْرِفَتُهُ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ وَانْكِشَافِ الْحَقِّ وَزَوَالِ الشُّبْهَةِ وَعِبَادَةِ اللَّهِ كَمَا أَمَرَ. فَهَذَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ مُلْكِ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا. وَهُوَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْمَسِيحَ وَعَلَّمَهُ الْحَوَارِيِّينَ. (الثَّانِي لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مُسَاعَدَتُهُ لِلْأَسْرَى الَّذِينَ فِي بِلَادِهِ وَإِحْسَانُهُ إلَيْهِمْ وَأَمْرُ رَعِيَّتِهِ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ
vol. 29, p. 625وَالْمُعَاوَنَةُ لَنَا عَلَى خَلَاصِهِمْ؛ فَإِنَّ فِي الْإِسَاءَةِ إلَيْهِمْ دَرْكًا عَلَى الْمَلِكِ فِي دِينِهِ وَدِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَدَرْكًا مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي الْمُعَاوَنَةِ عَلَى خَلَاصِهِمْ حَسَنَةٌ لَهُ فِي دِينِهِ وَدِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ؛ وَكَانَ الْمَسِيحُ أَعْظَمَ النَّاسِ تَوْصِيَةً بِذَلِكَ. وَمِنْ الْعَجَبِ كُلَّ الْعَجَبِ أَنْ يَأْسِرَ النَّصَارَى قَوْمًا غَدْرًا أَوْ غَيْرَ غَدْرٍ وَلَمْ يُقَاتِلُوهُمْ وَالْمَسِيحُ يَقُولُ: " مَنْ لَطَمَك عَلَى خَدِّك الْأَيْمَنِ فَأَدِرْ لَهُ خَدَّك الْأَيْسَرَ وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَك فَأَعْطِهِ قَمِيصَك " وَكُلَّمَا كَثُرَتْ الْأَسْرَى عِنْدَكُمْ كَانَ أَعْظَمَ لِغَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ عِبَادِهِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَكَيْفَ يُمْكِنُ السُّكُوتُ عَلَى أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فِي قُبْرُصَ سِيَّمَا وَعَامَّةُ هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى قَوْمٌ فُقَرَاءُ وَضُعَفَاءُ لَيْسَ لَهُمْ مَنْ يَسْعَى فِيهِمْ. وَهَذَا أَبُو الْعَبَّاسِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ عِبَادِ الْمُسْلِمِينَ وَلَهُ عِبَادَةٌ وَفَقْرٌ وَفِيهِ مَشْيَخَةٌ وَمَعَ هَذَا فَمَا كَادَ يَحْصُلُ لَهُ فِدَاؤُهُ إلَّا بِالشِّدَّةِ. وَدِينُ الْإِسْلَامِ يَأْمُرُنَا أَنْ نُعِينَ الْفَقِيرَ وَالضَّعِيفَ. فَالْمَلِكُ أَحَقُّ أَنْ يُسَاعِدَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ؛ لَا سِيَّمَا وَالْمَسِيحُ يُوصِي بِذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلِ وَيَأْمُرُ بِالرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ وَالْخَيْرِ الشَّامِلِ كَالشَّمْسِ وَالْمَطَرِ. وَالْمَلِكُ وَأَصْحَابُهُ إذَا عَاوَنُونَا عَلَى تَخْلِيصِ الْأَسْرَى وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ كَانَ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يُثِيبُ عَلَى ذَلِكَ وَيَأْجُرُ عَلَيْهِ وَهَذَا مِمَّا لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الْمَسِيحِيِّينَ
vol. 29, p. 626الَّذِينَ لَا يَتَّبِعُونَ الْهَوَى؛ بَلْ كُلُّ مَنْ اتَّقَى اللَّهَ وَأَنْصَفَ عَلِمَ أَنَّهُمْ أُسِرُوا بِغَيْرِ حَقٍّ لَا سِيَّمَا مَنْ أُخِذَ غَدْرًا وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ الْمَسِيحَ وَلَا أَحَدًا مِنْ الْحَوَارِيِّينَ وَلَا مَنْ اتَّبَعَ الْمَسِيحَ عَلَى دِينِهِ؛ لَا بِأَسْرِ أَهْلِ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ وَلَا بِقَتْلِهِمْ. وَكَيْفَ وَعَامَّةُ النَّصَارَى يُقِرُّونَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلَ أَهْلَ دِينٍ اتَّبَعُوا رَسُولَهُمْ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هُمْ قَاتَلُونَا أَوَّلَ مَرَّةٍ. قِيلَ: هَذَا بَاطِلٌ فِيمَنْ غَدَرْتُمْ بِهِ وَمَنْ بَدَأْتُمُوهُ بِالْقِتَالِ. وَأَمَّا مَنْ بَدَأَكُمْ مِنْهُمْ فَهُوَ مَعْذُورٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ بِذَلِكَ وَرَسُولُهُ بَلْ الْمَسِيحُ وَالْحَوَارِيُّونَ أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمَوَاثِيقَ بِذَلِكَ وَلَا يَسْتَوِي مَنْ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَدَعَا إلَى عِبَادَتِهِ وَدِينِهِ وَأَقَرَّ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ وَقَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَلِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَمَنْ قَاتَلَ فِي هَوَى نَفْسِهِ وَطَاعَةِ شَيْطَانِهِ عَلَى خِلَافِ أَمْرِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ. وَمَا زَالَ فِي النَّصَارَى مِنْ الْمُلُوكِ وَالْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ وَالْعَامَّةِ مَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالدِّينِ؛ فَيَعْرِفُ بَعْضَ الْحَقِّ وَيَنْقَادُ لِكَثِيرِ مِنْهُ وَيَعْرِفُ مِنْ قَدْرِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ مَا يَجْهَلُهُ غَيْرُهُ فَيُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةً تَكُونُ نَافِعَةً لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. ثُمَّ فِي فِكَاكِ الْأَسِيرِ وَثَوَابِ الْعِتْقِ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ لِمَنْ طَلَبَهُ فَمَهْمَا عَمِلَ الْمَلِكُ مَعَهُمْ وَجَدَ ثَمَرَتَهُ.
- vol. 29, p. 627
وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ أَقْدَرُ عَلَى الْمُكَافَأَةِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَمَنْ حَارَبُوهُ فَالْوَيْلُ كُلَّ الْوَيْلِ لَهُ وَالْمَلِكُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ السَّيْرَ وَبَلَغَهُ أَنَّهُ مَا زَالَ فِي الْمُسْلِمِينَ النَّفَرُ الْقَلِيلُ مِنْهُمْ مَنْ يَغْلِبُ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً مِنْ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ فَكَيْفَ إذَا كَانُوا أَضْعَافَهُمْ وَقَدْ بَلَغَهُ الْمَلَاحِمُ الْمَشْهُورَةُ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ: مِثْلَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا يَغْلِبُونَ مِنْ النَّصَارَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعمِائَةِ أَلْفٍ أَكْثَرُهُمْ فَارِسٌ. وَمَا زَالَ الْمُرَابِطُونَ بِالثُّغُورِ مَعَ قِلَّتِهِمْ وَاشْتِغَالِ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ عَنْهُمْ يَدْخُلُونَ بِلَادَ النَّصَارَى فَكَيْفَ وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ وَكَثْرَةِ جُيُوشِهِمْ وَبَأْسِ مُقَدِّمِيهِمْ وَعُلُوِّ هِمَمِهِمْ وَرَغْبَتِهِمْ فِيمَا يُقَرِّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْمُطَوَّعَةِ وَتَصْدِيقِهِمْ بِمَا وَعَدَهُمْ نَبِيُّهُمْ حَيْثُ قَالَ: {يُعْطَى الشَّهِيدُ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ. وَيَرَى مَقْعَدَهُ فِي الْجَنَّةِ. وَيُكْسَى حُلَّةَ الْإِيمَانِ. وَيُزَوَّجُ بِاثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ. وَيُوقَى فِتْنَةَ الْقَبْرِ. وَيُؤْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} . ثُمَّ إنَّ فِي بِلَادِهِمْ مِنْ النَّصَارَى أَضْعَافَ مَا عِنْدَكُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ فِيهِمْ مِنْ رُءُوسِ النَّصَارَى مَنْ لَيْسَ فِي الْبَحْرِ مِثْلُهُمْ إلَّا قَلِيلٌ. وَأَمَّا أُسَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَلَا مَنْ يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَإِنَّمَا نَسْعَى فِي تَخْلِيصِهِمْ لِأَجْلِ اللَّهِ تَعَالَى رَحْمَةً لَهُمْ وَتَقَرُّبًا إلَيْهِ يَوْمَ يَجْزِي
vol. 29, p. 628اللَّهُ الْمُصَدِّقِينَ وَلَا يُضَيِّعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. وَأَبُو الْعَبَّاسِ حَامِلُ هَذَا الْكِتَابِ قَدْ بَثَّ مَحَاسِنَ الْمَلِكِ وَإِخْوَتَهُ عِنْدَنَا وَاسْتَعْطَفَ قُلُوبَنَا إلَيْهِ؛ فَلِذَلِكَ كَاتَبْت الْمَلِكَ لَمَّا بَلَغَتْنِي رَغْبَتُهُ فِي الْخَيْرِ وَمَيْلُهُ إلَى الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَأَنَا مِنْ نُوَّابِ الْمَسِيحِ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي مُنَاصَحَةِ الْمَلِكِ وَأَصْحَابِهِ وَطَلَبِ الْخَيْرِ لَهُمْ؛ فَإِنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يُرِيدُونَ لِلْخَلْقِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيَدْعُونَهُمْ إلَى اللَّهِ وَيُعِينُونَهُمْ عَلَى مَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. وَإِنْ كَانَ الْمَلِكُ قَدْ بَلَغَهُ بَعْضُ الْأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا طَعْنٌ عَلَى بَعْضِهِمْ أَوْ طَعْنٌ عَلَى دِينِهِمْ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ كَاذِبًا أَوْ مَا فَهِمَ التَّأْوِيلَ وَكَيْفَ صُورَةُ الْحَالِ. وَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَنْ بَعْضِهِمْ بِنَوْعِ مِنْ الْمَعَاصِي وَالْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ: فَهَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ؛ بَلْ الَّذِي يُوجَدُ فِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ الشَّرِّ أَقَلُّ مِمَّا فِي غَيْرِهِمْ بِكَثِيرِ وَاَلَّذِي فِيهِمْ مِنْ الْخَيْرِ لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي غَيْرِهِمْ. وَالْمَلِكُ وَكُلُّ عَاقِلٍ يَعْرِفُ أَنَّ أَكْثَرَ النَّصَارَى خَارِجُونَ عَنْ وَصَايَا الْمَسِيحِ وَالْحَوَارِيِّينَ وَرَسَائِلِ بُولِصَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْقِدِّيسِينَ؛ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ مَا مَعَهُمْ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ شُرْبُ الْخَمْرِ وَأَكْلُ الْخِنْزِيرِ وَتَعْظِيمُ الصَّلِيبِ وَنَوَامِيسُ مُبْتَدَعَةٌ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ وَأَنَّ بَعْضَهُمْ يَسْتَحِلُّ بَعْضَ مَا حَرَّمَتْهُ الشَّرِيعَةُ النَّصْرَانِيَّةُ. هَذَا فِيمَا يُقِرُّونَ لَهُ. وَأَمَّا