وقال: في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود "
1 paragraph · vol. 29, p. 648
- vol. 29, p. 648
فِي قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} قَدْ قِيلَ: إنَّهَا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ. فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ كَتَبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ لَمَّا بَعَثَهُ عَامِلًا عَلَى نَجْرَانَ وَكِتَابُ عَمْرٍو فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالدِّيَاتُ وَالسُّنَنُ الْوَاجِبَةُ بِالشَّرْعِ. وَقَوْلُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا مُبَايَعَتُهُ لِلْأَنْصَارِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاثَقَهُمْ عَلَى مَا هُوَ وَاجِبٌ بِأَمْرِ اللَّهِ مِنْ السَّمْعِ لَهُ وَالطَّاعَةِ وَذَكَّرَهُمْ اللَّهُ ذَلِكَ الْمِيثَاقَ لِيُوفُوا بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ إلَّا مَا كَانَ وَاجِبًا بِأَمْرِ اللَّهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَمَرَهُمْ فِيهَا بِذِكْرِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وَذِكْرِ مِيثَاقِهِ. فَذَكَرَ سَبَبَيْ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ الثَّابِتَ بِالشَّرْعِ ثَابِتٌ بِإِيجَابِ الرُّبُوبِيَّةِ وَهِيَ إنْعَامُهُ عَلَيْهِمْ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: {أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ} . وَلِهَذَا كَانَ عَادَةُ الْمُصَنِّفِينَ فِي " أُصُولِ الدِّينِ " أَوَّلَ مَا يَذْكُرُونَ أَوَّلَ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَأَوَّلَ مَا وَجَبَ عَلَى عِبَادِهِ وَيَذْكُرُونَ
vol. 29, p. 649" مَسْأَلَةَ وُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ " هَلْ وَجَبَ مَعَ الشَّرْعِ بِالْعَقْلِ أَمْ لَا وَلِهَذَا كَانَتْ طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ تَذْكِيرُ الْعِبَادِ بِآلَاءِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي شُكْرُهُمْ لَهُ وَهُوَ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتُ الشَّرْعِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} الْآيَةَ. إلَى قَوْلِهِ: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} وَالْمِيثَاقُ عَلَى مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ مِنْ إقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ وَتَعْزِيرِهِمْ. وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ بِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَأَقْسَى قُلُوبِهِمْ؛ لَا بِمُجَرَّدِ الْمَعْصِيَةِ لِلْأَمْرِ فَكَانَ فِي هَذَا أَنَّ عُقُوبَةَ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ الْمُوَثَّقَةِ بِالْعُهُودِ مِنْ جِهَةِ النَّقْضِ أَوْكَدُ. وَقَوْلُهُ: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} وَالْأَمْرُ فِيهِمْ كَذَلِكَ. وقَوْله تَعَالَى {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} {فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} فَإِنَّ كَوْنَهُ فِي الصَّالِحِينَ
vol. 29, p. 650وَاجِبٌ وَالصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ وَاجِبَةٌ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا هِيَ الْمَنْذُورَةُ. وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ يَجِبُ بِالنَّذْرِ مَا كَانَ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ فَإِذَا تَرَكَهُ عُوقِبَ لِإِخْلَافِ الْوَعْدِ الَّذِي هُوَ النَّذْرُ فَإِنَّ النَّذْرَ وَعْدٌ مُؤَكَّدٌ هَكَذَا نُقِلَ عَنْ الْعَرَبِ وَهَذِهِ الْآيَةُ تُسَمَّى النَّذْرَ وَعْدًا. وَقَوْلُهُ: {لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِي مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} وَرَدُّهُ إلَى أَبِيهِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ بِلَا مَوْثِقٍ. وَمِنْ الْحَرْبِ الْمُبَاحَةِ دَفْعُ الظَّالِمِ عَنْ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَبْضَاعِ الْمَعْصُومَةِ. وَإِنَّمَا جَاءَتْ الرُّخْصَةُ فِي السِّلْمِ وَالْحَرْبِ خَاصَّةً لِأَنَّ هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ مَبْنَاهُمَا عَلَى تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ وَتَنْفِيرِهَا فَإِذَا تَأَلَّفَتْ فَهِيَ الْمُسَالَمَةُ وَإِذَا تَنَافَرَتْ فَهِيَ الْمُحَارَبَةُ وَالتَّأْلِيفُ وَالتَّنْفِيرُ يَحْصُلُ بِالتَّوَهُّمَاتِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْحَقَائِقِ؛ وَلِهَذَا يُؤْثَرُ قَوْلُ الشِّعْرِ فِي التَّأْلِيفِ وَالتَّنْفِيرِ بِحَيْثُ يُحَرِّكُ النُّفُوسَ شَهْوَةً وَنُفْرَةً تَحْرِيكًا عَظِيمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ مُنْطَبِقًا عَلَى الْحَقِّ؛ لَكِنْ لِأَجْلِ تَخْيِيلٍ أَوْ تَمْثِيلٍ. فَلَمَّا كَانَتْ الْمُسَالَمَةُ وَالْمُحَارَبَةُ الشَّرْعِيَّةُ يَقُومُ فِيهَا التَّوَهُّم لِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ مُقَامَ تَوَهُّمِ مَا لَهُ حَقِيقَةٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَعَارِضِ إلَّا الْإِيهَامُ بِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَالنَّاطِقُ لَمْ يَعْنِ إلَّا الْحَقَّ صَارَ ذَلِكَ حَقًّا وَصِدْقًا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ وَمُوهِمًا لِلْمُسْتَمِعِ تَوَهُّمًا يُؤَلِّفُهُ تَأْلِيفًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ يُنَفِّرُهُ تَنْفِيرًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِمَنْزِلَةِ تَأْلِيفِهِ وَتَنْفِيرِهِ بِالْأَشْعَارِ الَّتِي فِيهَا تَخْيِيلٌ وَتَمْثِيلٌ وَبِمَنْزِلَةِ