فصل: في فتح مكة عنوة، وما يترتب على ذلك من الأحكام؟
4 paragraphs · vol. 30, p. 209
- vol. 30, p. 209
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَوَانِعُ مِنْ كَوْنِهَا وَقْفًا يُنْظَرُ فِيهَا. أَمَّا جِهَةُ الْوَقْفِ فَلَا يَتَوَجَّهُ كَوْنُهَا مَانِعًا عَلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَبَدًا. وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِالِاشْتِغَالِ بِالْحِرَاثَةِ عَنْ الْجِهَادِ فَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الأرضين؛ عَشْرِيِّهَا وخراجيها وَذَاكَ شَيْءٌ آخَرُ.
- فَصْلٌ:
-
وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَكَّةُ: فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَمَنْ قَالَ: إنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا فَاسْتَقَرَّ مِلْكُ أَصْحَابِهَا عَلَيْهَا؛ لِيَجُوزَ لَهُمْ مَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ أَرَاضِي الصُّلْحِ مِنْ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ: فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ؛ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ صَالَحَ الْإِمَامُ قَوْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ وَلَا خَرَاجٍ لَمْ يَجُزْ إلَّا لِلْحَاجَةِ " كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ " . أَمَّا إذَا فَتَحْنَا الْأَرْضَ فَتْحَ صُلْحٍ وَأَهْلُهَا مُشْرِكُونَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْجِزْيَةِ. فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ
vol. 30, p. 210لَمَّا حَجَّ أَبُو بَكْرٍ لِمَنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ أَجَلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَإِلَّا جَعَلَهُ مُحَارَبًا يَسْتَبِيحُ دَمَهُ وَمَالَهُ وَلَوْ كَانَ قَدْ فَتَحَهَا صُلْحًا لَمْ يَجُزْ نَقْضُ ذَلِكَ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ اسْتَبَاحَ قَتْلَ جَمَاعَةٍ سَمَّاهُمْ. . . (١) وَلَكِنْ فَتَحَهَا عَنْوَةً وَأَمَّنَ مَنْ تَرَكَ الْقِتَالَ مِنْهُمْ فَقَدْ أَمَّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ؛ إلَّا نَفَرًا اسْتَثْنَاهُمْ وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ بِهَذَا الْأَمَانِ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهُ فَانْعَقَدَ لَهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ فَحَارَبَ أَوْ هَرَبَ. وَالْأَمَانُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَبُولِ الْمُؤَمَّنِ كَالْهُدْنَةِ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتْرُكْ الْقِتَالَ فَلَمْ يُؤَمِّنْهُ بِحَالِ؛ لَكِنْ خَصَّ وَعَمَّ فِي أَلْفَاظِ الْأَمَانِ. وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ. فَإِنَّ قَوْلَهُ: {مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ: وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ} كُلُّهَا أَلْفَاظٌ مَعْنَاهَا مَنْ اسْتَسْلَمَ فَلَمْ يُقَاتِلْ فَهُوَ آمِنٌ وَلِهَذَا سَمَّاهُمْ الطُّلَقَاءَ كَأَنَّهُ أَسَرَهُمْ ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ كُلَّهُمْ. . . (٢)
وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: لَمَّا فَتَحَهَا عَنْوَةً وَلَمْ يُقَسِّمْهَا بَلْ أَقَرَّهَا فِي يَدِ أَهْلِهَا صَارَ هَذَا أَصْلًا فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ إقْرَارُهَا فِي يَدِ أَهْلِهَا. قَالُوا هُمْ وَأَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فِي أَحَدِ التَّعْلِيلَيْنِ: وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا؛ لِكَوْنِهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَلَمْ تُقَسَّمْ كَسَائِرِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ وَرُبَّمَا يَقُولُونَ: صَارَ إنْزَالُ أَهْلِ مَكَّةَ لِلنَّاسِ عِنْدَهُمْ هُوَ الْخَرَاجُ الْمَضْرُوبُ
vol. 30, p. 211عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ الْخَرَاجَ يُضْرَبُ عَلَى مَزَارِعِهَا فَقَدْ عُلِمَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ فَسَادُ قَوْلِهِ مَعَ إجْرَائِهِ لِقِيَاسِهِ. وَهَذَا التَّعْلِيلُ ضَعِيفٌ لِوُجُوهِ: أَحَدُهَا: أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ تَجُوزُ إجَارَتُهَا بِالْإِجْمَاعِ وَبُيُوتُ مَكَّةَ أَحْسَنُ مَا فِيهَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهَا بَلْ يَجِبُ بَذْلُهَا لِلْمُحْتَاجِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَهَذَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْآثَارُ وَالْقِيَاسُ. وَأَمَّا الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِهَا فَفِيهِ نَظَرٌ فَلَوْ كَانَ الْمَانِعُ كَوْنَ فَتْحِهَا عَنْوَةً لَمَا مَنَعَ إجَارَتَهَا. الثَّانِي: أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ إنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِ مَزَارِعِهَا. فَأَمَّا الْمَسَاكِنُ فَلَا يُمْنَعُ ذَلِكَ فِيهَا؛ بَلْ هِيَ لِأَصْحَابِهَا. وَمَكَّةُ إنَّمَا مُنِعُوا مِنْ الْمُعَاوَضَةِ فِي رَبَاعِهَا الَّتِي لَا مَنْعَ مِنْهَا فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ وَهَذَا بُرْهَانٌ ظَاهِرٌ عَلَى الْفَرْقِ. الثَّالِثُ: أَنَّ مَزَارِعَ مَكَّةَ مَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا وَلَا غَيْرِهِمْ مَنَعَ بَيْعَهَا أَوْ إجَارَتَهَا وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الرُّبَاعِ وَهِيَ الْمَسَاكِنُ لَا الْمَزَارِعُ. فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا. الرَّابِعُ: أَنَّ تِلْكَ الدِّيَارَ كَانَتْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَقَدْ طَلَبُوا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إعَادَتَهَا إلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَلْ فَلَوْ كَانَتْ كَسَائِرِ الْعَنْوَةِ
vol. 30, p. 212لَكَانَ قَدْ أَعَادَهَا إلَى أَصْحَابِهَا؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ إذَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْكُفَّارُ ثُمَّ اسْتَنْقَذْنَاهَا وَعُرِفَ صَاحِبُهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ أُعِيدَتْ إلَيْهِ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لَا مَنْقُولِهَا وَلَا عَقَارِهَا وَلَا إلَى أَحَدٍ مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ وَلَوْ أَجْرَى عَلَيْهَا أَحْكَامَ غَيْرِهَا مِنْ الْعَنْوَةِ لَغَنِمَ الْمَنْقُولَاتِ وَالذُّرِّيَّةَ؛ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ إجَارَتِهَا كَوْنُهَا أَرْضَ الْمَشَاعِرِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِي اسْتِحْقَاقِ الِانْتِفَاعِ بِهَا جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} . فَالسَّاكِنُونَ بِهَا أَحَقُّ بِمَا احْتَاجُوا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوا إلَى الْمُبَاحِ. كَمَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ طَرِيقٍ أَوْ سُوقٍ وَأَمَّا الْفَاضِلُ فَعَلَيْهِمْ بَذْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَهُمْ أَنْ يَبْنُوا بِهَذَا الشَّرْطِ؛ لَكِنَّ الْعَرْصَةَ مُشْتَرَكَةٌ فِي الْأَصْلِ. وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَنَى بَيْتًا مِنْ رِبَاطٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ: لَهُ اخْتِصَاصٌ بِسُكْنِهِ وَلَيْسَ لَهُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ. أَوْ مَنْ بَنَى بَيْتًا فِي جنابات السَّبِيلِ أَوْ فِي دَارِ الرِّبَاطِ الَّتِي تَكُونُ بِالثُّغُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَكُونُ الْأَرْضُ فِيهِ مُشْتَرَكَةَ الْمَنْفَعَةِ لِلْحَجِّ أَوْ لِلْجِهَادِ أَوْ لِلْمُرُورِ فِي الطُّرُقَاتِ أَوْ التَّعَلُّمِ؛ أَوْ التَّعَبُّدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِذَا قَالَ: الْبِنَاءُ لِي قِيلَ لَهُ: وَالْعَرْصَةُ لَيْسَتْ لَك وَأَعْيَانُ الْحَجَرِ لَيْسَ لَك؛ بَلْ لَك
- vol. 30, p. 213
التَّأْلِيفُ أَوْ التَّأْلِيفُ وَالْأَنْقَاضُ. فَمَا لَيْسَ لَك لَا يَجُوزُ أَنْ تُعَاوِضَ عَنْهُ وَمَا هُوَ لَك قَدْ اعتضت عَنْهُ بِبَقَائِك فِي الِانْتِفَاعِ بِالْعَرْصَةِ. أَوْ لِأَنَّ الْمَكِّيَّ لَمَّا صَارَ النَّاسُ يَهْدُونَ إلَيْهِمْ الْهَدَايَا وَتَجِبُ عَلَيْهِمْ قِسْمَتُهَا فِيهِمْ صَارَ يَجِبُ عَلَى الْمَكِّيِّينَ إنْزَالُ النَّاسِ فِي مَنَازِلِهِمْ مُقَابَلَةً لِلْإِحْسَانِ بِالْإِحْسَانِ فَصَاحِبُ الْهَدْيِ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ - مَثَلًا - حَيْثُ يَجُوزُ وَيُعْطِيَ مَنْ شَاءَ وَلَا يَعْتَاضَ عَنْهُ وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ يَسْكُنُهُ وَيُسْكِنُهُ وَلَا يَعْتَاضُ عَنْهُ. وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَدْ يَكُونُ هُوَ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِإِبْقَائِهَا بِيَدِ أَرْبَابِهَا مِنْ غَيْرِ خَرَاجٍ مَضْرُوبٍ عَلَيْهِمْ أَصْلًا؛ لِأَنَّ لِلْمُقِيمِينَ بِمَكَّةَ حَقًّا وَعَلَيْهِمْ حَقٌّ؛ لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمْصَارِ وَمِنْ هُنَا يَصِيرُ التَّعْلِيلُ بِفَتْحِهَا عَنْوَةً مُنَاسِبًا لِمَنْعِ إجَارَتِهَا - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - لَا إلْحَاقًا لَهَا بِسَائِرِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْأَرْضُ إذَا فُتِحَتْ عَنْوَةً يَجُوزُ أَمَانُ أَهْلِهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ كَذَلِكَ. قِيلَ: نَعَمْ يَجُوزُ قَبْلَ الِاسْتِيلَاءِ أَنْ يُؤَمَّنَ مَنْ تَرَكَ الْقِتَالَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِتَرْكِ قِتَالِهِ وَهُوَ أَمَانٌ بِشَرْطِ؛ بَلْ إذَا جَوَّزْنَا السَّبْيَ عَلَى الْأَسِيرِ بَعْدَ الْأَسْرِ لِلْمَصْلَحَةِ كَيْفَ لَا نُجَوِّزُ ذَلِكَ قَبْلَ الْأَسْرِ.