فصل: في أن مذهب سائر المتكلمين إثبات القيامة الكبرى وقيام الناس من قبورهم والثواب والعقاب هناك، وفي البرزخ
5 paragraphs · vol. 5, p. 262
- vol. 5, p. 262
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
- فَصْلٌ:
-
مَذْهَبُ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ وَسَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ إثْبَاتُ " الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى " وَقِيَامِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ: هُنَاكَ وَإِثْبَاتُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي الْبَرْزَخِ - مَا بَيْنَ الْمَوْتِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ قَاطِبَةً وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ وَإِنَّمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ فِي الْبَرْزَخِ قَلِيلٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ. لَكِنْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مَنْ يَقُولُ: هَذَا إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْبَدَنِ فَقَطْ كَأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ نَفْسٌ تُفَارِقُ الْبَدَنَ؛ كَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ هُوَ عَلَى النَّفْسِ فَقَطْ. بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَرْزَخِ عَذَابٌ عَلَى الْبَدَنِ وَلَا نَعِيمٌ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ ابْنُ مَيْسَرَةَ وَابْنُ حَزْمٍ.
- vol. 5, p. 263
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ الْبَدَنُ يُنَعَّمُ وَيُعَذَّبُ بِلَا حَيَاةٍ فِيهِ كَمَا قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَابْنُ الزَّاغُونِي يَمِيلُ إلَى هَذَا فِي مُصَنَّفِهِ فِي حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ فِي قُبُورِهِمْ وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي مَوَاضِعَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ لِلنَّفْسِ وُجُودٌ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَا ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ كَمَا أَنَّ الَّذِينَ أَنْكَرُوا عَذَابَ الْقَبْرِ وَالْبَرْزَخِ مُطْلَقًا زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ وَهُوَ غَلَطٌ؛ بَلْ الْقُرْآنُ قَدْ بَيَّنَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ بَقَاءَ النَّفْسِ بَعْدَ فِرَاقِ الْبَدَنِ وَبَيَّنَ النَّعِيمَ وَالْعَذَابَ فِي الْبَرْزَخِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ يَذْكُرُ " الْقِيَامَةَ الْكُبْرَى " وَ " الصُّغْرَى " كَمَا فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي أَوَّلِهَا الْقِيَامَةَ الْكُبْرَى وَأَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} {خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} {إذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا} {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} {فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} . ثُمَّ إنَّهُ فِي آخِرِهَا ذَكَرَ الْقِيَامَةَ الصُّغْرَى بِالْمَوْتِ وَأَنَّهُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَالَ: {فَلَوْلَا إذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} {وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ} {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} {فَلَوْلَا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} {تَرْجِعُونَهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {فَأَمَّا إنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ} {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ} {وَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} {فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} {وَأَمَّا إنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ}
- vol. 5, p. 264
{فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ} {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} فَهَذَا فِيهِ أَنَّ النَّفْسَ تَبْلُغُ الْحُلْقُومَ وَأَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ رَجْعُهَا وَبَيَّنَ حَالَ الْمُقَرَّبِينَ وَأَصْحَابِ الْيَمِينِ وَالْمُكَذِّبِينَ حِينَئِذٍ. وَفِي سُورَةِ الْقِيَامَةِ: ذَكَرَ أَيْضًا الْقِيَامَتَيْنِ فَقَالَ: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} ثُمَّ قَالَ: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} وَهِيَ نَفْسُ الْإِنْسَانِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ النَّفْسَ تَكُونُ لَوَّامَةً وَغَيْرَ لَوَّامَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. بَلْ نَفْسُ كُلِّ إنْسَانٍ لَوَّامَةٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَشَرٌ إلَّا يَلُومُ نَفْسَهُ وَيَنْدَمُ إمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ فَهَذَا إثْبَاتُ النَّفْسِ. ثُمَّ ذَكَرَ مَعَادَ الْبَدَنِ فَقَالَ: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} {بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} . وَوَصَفَ حَالَ الْقِيَامَةِ إلَى قَوْلِهِ: {تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} . ثُمَّ ذَكَرَ الْمَوْتَ فَقَالَ {كَلَّا إذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ} وَهَذَا إثْبَاتٌ لِلنَّفْسِ وَأَنَّهَا تَبْلُغُ التَّرَاقِيَ كَمَا قَالَ هُنَاكَ: {بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} وَالتَّرَاقِي مُتَّصِلَةٌ بِالْحُلْقُومِ. ثُمَّ قَالَ {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} يَرْقِيهَا وَقِيلَ: مَنْ صَاعِدٌ يَصْعَدُ بِهَا إلَى اللَّهِ؟ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ هَذَا قَبْلَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ قَالَ: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ يَرْجُونَهُ وَيَطْلُبُونَ لَهُ رَاقِيًا يَرْقِيهِ وَأَيْضًا فَصُعُودُهَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى طَلَبِ مَنْ يَرْقَى بِهَا فَإِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ وَالرُّقْيَةُ أَعْظَمُ الْأَدْوِيَةِ فَإِنَّهَا دَوَاءٌ
vol. 5, p. 265رُوحَانِيٌّ؛ وَلِهَذَا {قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَةِ الْمُتَوَكِّلِينَ: لَا يَسْتَرْقُونَ} وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَخَافُ الْمَوْتَ وَيَرْجُو الْحَيَاةَ بِالرَّاقِي؛ وَلِهَذَا قَالَ: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} ثُمَّ قَالَ: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} {إلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} فَدَلَّ عَلَى نَفْسٍ مَوْجُودَةٍ قَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا تُسَاقُ إلَى رَبِّهَا وَالْعَرَضُ الْقَائِمُ بِغَيْرِهِ لَا يُسَاقُ وَلَا بَدَنُ الْمَيِّتِ فَهَذَا نَصٌّ فِي إثْبَاتِ نَفْسٍ تُفَارِقُ الْبَدَنَ تُسَاقُ إلَى رَبِّهَا كَمَا نَطَقَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمُسْتَفِيضَةُ فِي قَبْضِ رُوحِ الْمُؤْمِنِ وَرُوحِ الْكَافِرِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا صِفَةَ الْكَافِرِ بِقَوْلِهِ مَعَ هَذَا الْوَعِيدِ الَّذِي قَدَّمَهُ: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ مِنْ هَذِهِ النُّفُوسِ كَذَلِكَ. وَكَذَلِكَ سُورَةُ " ق " هِيَ فِي ذِكْرِ وَعِيدِ الْقِيَامَةِ وَمَعَ هَذَا قَالَ فِيهَا: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ} فَذَكَرَ الْقِيَامَتَيْنِ: الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى وَقَوْلُهُ: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} أَيْ جَاءَتْ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ؛ فَإِنَّ هَذَا مَشْهُورٌ لَمْ يُنَازَعْ فِيهِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّ الْمَوْتَ بَاطِلٌ حَتَّى يُقَالَ: جَاءَتْ بِالْحَقِّ. وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} فَالْإِنْسَانُ وَإِنْ كَرِهَ الْمَوْتَ فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ تُلَاقِيهِ مَلَائِكَتُهُ وَهَذَا كَقَوْلِهِ: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} وَالْيَقِينُ