الحكم إذا قال: زوجتك بنتي على ألف، أو على أن يكون لها في ذمتك ألف

4 paragraphs · vol. 32, p. 103

  1. بَنَاتِي عَلَى الْأَيَامَى مِنْهُمْ؛ فَإِنَّ صِيغَةَ " عَلَى " مِنْ صِيَغِ الِاشْتِرَاطِ كَمَا قَالَ. {إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} . وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك بِنْتِي عَلَى أَلْفٍ: أَوْ عَلَى أَنْ تُعْطِيَهَا أَلْفًا؛ أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهَا فِي ذِمَّتِك أَلْفٌ: كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا ثَابِتًا وَتَسْمِيَتُهُ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ وَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد أَوْ غَيْرِهِ خِلَافٌ فِي ذَلِكَ؛ مِنْ أَجْلِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ أَوْ لِعَبْدِهِ: أَنْت حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ فَلَمْ تَقْبَلْ الزَّوْجَةُ وَالْعَبْدُ؛ فَإِنَّهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد يَقَعُ الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَأْخَذُهُ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَيْسَتْ لِلشَّرْطِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: خَلَعْتُك عَلَى أَلْفٍ أَوْ كَاتَبْتُك عَلَى أَلْفٍ أَوْ زَوَّجْتُك عَلَى أَلْفٍ أَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ عَلَى أَنْ تَرْهَنَنِي بِهِ كَذَا أَوْ عَلَى أَنْ يَضْمَنَهُ زَيْدٌ أَوْ زَوَّجْتُك بِنْتِي عَلَى أَنَّك حُرٌّ: أَنَّ هَذِهِ شُرُوطٌ صَحِيحَةٌ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ كُلِّهِمْ. وَإِنَّمَا الْمَأْخَذُ أَنَّ الْعِتْقَ وَالطَّلَاقَ لَا يَفْتَقِرَانِ إلَى عِوَضٍ وَلَمْ يُعَلِّقْ الطَّلَاقَ بِشَرْطِ؛ وَإِنَّمَا شَرَطَ فِيهِ شَرْطًا وَفَرَّقَ بَيْنَ التَّعْلِيقِ عَلَى الشَّرْطِ وَبَيْنَ الشَّرْطِ فِي الْكَلَامِ الْمُنَجَّزِ؛ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ كَثِيرٌ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمُعَلَّقَةِ مَعَ صِحَّةِ الِاشْتِرَاطِ فِيهَا؛ وَهَذِهِ الصِّفَةُ قَدْ تَعَذَّرَ وُجُودُهَا وَالطَّلَاقُ

    vol. 32, p. 104الْمَوْصُوفُ إذَا فَاتَتْ صِفَتُهُ هَلْ يَفُوتُ جَمِيعُهُ؟ أَوْ يَثْبُتُ هُوَ دُونَ الصِّفَةِ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ. إذَا تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ. شَرْطٌ حُكْمِيٌّ وَوَصْفٌ مَعْنَوِيٌّ لِلْوَقْفِ الْمَذْكُورِ؛ وَأَنَّهُ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ وَالْعَمَلُ بِمُوجِبِهِ؛ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إذَا اُعْتُبِرَ الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ فِي الْكَلَامِ كَانَ انْتِقَالُ نَصِيبِ الْمُتَوَفَّى إلَى ذَوِي طَبَقَتِهِ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ وَلَدِهِ وَأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَصْرِفْ إلَيْهِمْ نَصِيبَ الْمُتَوَفَّى فِي هَذِهِ الْحَالِ وَمَعْلُومٌ حِينَئِذٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ نَصِيبِ الْمُتَوَفَّى إلَيْهِمْ فِي ضِدِّ هَذِهِ الْحَالِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَعَلِمَ أَنَّ هَذَا ثَابِتٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ بَلْ وَالْعُقَلَاءُ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ وَالنَّافِينَ لَهُ؛ فَإِنَّ صَرْفَ الْوَقْفِ إلَى غَيْرِ مَنْ صَرَفَهُ إلَيْهِ الْوَاقِفُ حَرَامٌ؛ وَهُوَ لَمْ يَصْرِفْهُ إلَيْهِمْ. فَهَذَا الْمَنْعُ لِانْتِفَاءِ الْمُوجِبِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ قَدْ مَنَعَ صَرْفَهُ إلَيْهِمْ وَهَذَا الْمَنْعُ لِوُجُودِ الْمَانِعِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ بِشَرْطِ أَنْ يَنْتَقِلَ نَصِيبُ الْمُتَوَفَّى مِنْهُمْ إلَى أَهْلِ طَبَقَتِهِ إذَا كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ. وَلَيْسَ يَخْتَلِفُ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُقْصِرُ كُلَّ الْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنَّمَا يَغْلَطُ هُنَا مَنْ لَمْ يُحَكِّمْ دَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ أَنْوَاعِ أُصُولِ الْفِقْهِ السَّمْعِيَّةِ وَلَمْ يَتَدَرَّبْ فِيمَا عُلِّقَ بِأَقْوَالِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ

    vol. 32, p. 105وَلَا هُوَ جَرَى فِي فَهْمِ هَذَا الْخِطَابِ عَلَى الطَّبِيعَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ النَّقِيَّةِ فَارْتَفَعَ عَنْ شَأْنِ الْعَامَّةِ بِحَيْثُ لَمْ يَدْخُلْ فِي زُمْرَتِهِمْ فِيمَا يَفْهَمُونَهُ فِي عُرْفِ خِطَابِهِمْ وَانْحَطَّ عَنْ أَوْجِ الْخَاصَّةِ فَلَمْ يَهْتَدِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُشَبَّهَاتِ فِي الْكَلَامِ حَتَّى تُقِرَّ الْفِطَرُ عَلَى مَا فَطَرَهَا عَلَيْهِ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ؛ وَالْحُمْقُ أَدَّى بِهِ إلَى الْخَلَاصِ مِنْ كُنَاسَةِ بترا. وَمَنْ أَحْكَمَ الْعُلُومَ حَتَّى أَحَاطَ بِغَايَاتِهَا رَدَّهُ ذَلِكَ إلَى تَقْرِيرِ الْفِطَرِ عَلَى بِدَايَاتِهَا وَإِنَّمَا بُعِثَتْ الرُّسُلُ لِتَكْمِيلِ الْفِطْرَةِ؛ لَا لِتَغْيِيرِهَا {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} . وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَمِعَ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ خَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْهُ إلَّا إعْطَاءَ أَهْلِ طَبَقَةِ الْمُتَوَفَّى بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُتَوَفَّى وَلَدٌ وَيَعْقِلُونَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضِ. وَإِنَّمَا نَشَأَ غَلَطُ الغالط مِنْ حَيْثُ تَوَهَّمَ أَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ فِيهِ عُمُومٌ وَالْكَلَامَ الثَّانِي قَدْ خَصَّ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ بِالذِّكْرِ فَيَكُونُ مِنْ " بَابِ تَعَارُضِ الْعُمُومِ وَالْمَفْهُومِ " . ثُمَّ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ نَظَرَ فِي كُتُبِ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَوْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ لَا يَقُولُونَ بِدَلَالَةِ الْمَفْهُومِ وَإِذَا قَالُوا بِهَا رَأَوْا دَلَالَةَ الْعُمُومِ رَاجِحَةً عَلَيْهَا لِكَوْنِ الْخِلَافَاتِ فِيهَا أَضْعَفَ مِنْهُ فِي دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ فَإِنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِي الْعُمُومِ إلَّا شِرْذِمَةٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ وَقَدْ خَالَفَ فِي الْمَفْهُومِ طَائِفَة مِنْ الْفُقَهَاءِ

    vol. 32, p. 103
  2. وَطَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ حَتَّى قَدْ يَتَوَهَّمُ مَنْ وَقَعَ لَهُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ صَرِيحَ الشَّرْطِ أَوْ عُمُومَهُ لِمَفْهُومِ الصِّفَةِ مَعَ ضَعْفِهِ. فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْعَمَى فِي الْبَصِيرَةِ أَوْ حَوَلٍ يَرَى الْوَاحِدَ اثْنَيْنِ؛ فَإِنَّ الْأَعْمَى أَسْلَمُ حَالًا فِي إدْرَاكِهِ مِنْ الْأَحْوَلِ إذَا كَانَ مُقَلِّدًا لِلْبَصِيرِ وَالْبَصِيرُ صَحِيحُ الْإِدْرَاكِ. وَلَوْلَا خَشْيَةُ أَنْ يَحْسَبَ حَاسِبٌ أَنَّ لِهَذَا الْقَوْلِ مَسَاغًا أَوْ أَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ عَلَى أُصُولِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ لَكَانَ الْإِضْرَابُ عَنْ بَيَانِهِ أَوْلَى. فَيُقَالُ: هَذَا الَّذِي تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ هَلْ هِيَ حُجَّةٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَتْ حُجَّةٌ فَهَلْ يَخُصُّ بِهَا الْعَامَّ أَمْ لَا؟ إنَّمَا هُوَ فِي كَلَامَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي حُكْمِ الْوَاحِدِ لَيْسَ ذَلِكَ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُهُ بِبَعْضِ؛ وَلَا فِي كَلَامِ مُتَكَلِّمِينَ لَا يَجِبُ اتِّحَادُ مَقْصُودِهِمَا. فَهُنَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ. أَحَدُهَا: كَلَامَانِ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي حُكْمِ الْوَاحِدِ. وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِيَدْخُلَ فِيهِ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا كَلَامَ اللَّهِ وَالْآخَرُ كَلَامَ رَسُولِهِ؛ فَإِنَّ حُكْمَ ذَلِكَ حُكْمُ مَا لَوْ كَانَا جَمِيعًا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ كَلَامِ رَسُولِهِ: مِثْلَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ} مَعَ قَوْلِهِ " {إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ} فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِهِمَا وَاحِدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمَا كَلَامَانِ. فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ يَخُصُّ بِهِ الْعُمُومَ خَصَّ عُمُومَ قَوْلِهِ: " {الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ} " بِمَفْهُومِ {إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ} مَعَ أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ

    vol. 32, p. 107أَضْعَفُ مِنْ مَفْهُومِ الصِّفَةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَغَيْرِهِمَا. وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: قَوْلُهُ: " {الْمَاءُ طَهُورٌ} عَامٌّ وَقَوْلُهُ: " {إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجَّسْ} هُوَ بَعْضُ ذَلِكَ الْعَامِّ وَهُوَ مُوَافِقٌ لَهُ فِي حُكْمِهِ فَلَا تُتْرَكُ دَلَالَةُ الْعُمُومِ لِهَذَا: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ " {فِي الْإِبِلِ فِي خَمْسٍ مِنْهَا شَاةٌ} إلَى آخِرِهِ. مَعَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ " {فِي الْإِبِلِ السَّائِمَةِ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ} وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا مَا قَدْ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى تَرْجِيحِ الْمَفْهُومِ فِيهِ: مِثْلَ قَوْلِهِ: " {جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا} مَعَ قَوْلِهِ " {جُعِلَتْ لِي كُلُّ أَرْضٍ طَيِّبَةٍ مَسْجِدًا وَطَهُورًا} فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْأَرْضَ الْخَبِيثَةَ لَيْسَتْ بِطَهُورِ. وَمِنْهَا مَا قَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ كَقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " {وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لِي طَهُورًا} فَإِنَّ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرَهُمَا جَعَلُوا مَفْهُومَ هَذَا الْحَدِيثِ مُخَصَّصًا لِقَوْلِهِ " {جُعِلَتْ لِي كُلُّ أَرْضٍ طَيِّبَةٍ طَهُورًا} . وَمِنْهَا مَا قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى تَقْدِيمِ الْعُمُومِ فِيهِ كَقَوْلِهِ: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} مَعَ قَوْلِهِ: {وَلَا تَأْكُلُوهَا إسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} فَإِنَّ أَكْلَهَا حَرَامٌ سَوَاءٌ قَصَدَ بِدَارًا كِبَرَ الْيَتِيمِ أَوْ لَا. وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَاتَيْنِ الدَّلَالَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا. فَذَهَبَ أَهْلُ الرَّأْيِ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ

    vol. 32, p. 108وَالْحَنْبَلِيَّةِ: إلَى تَرْجِيحِ الْعُمُومِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ: إلَى تَقْدِيمِ الْمَفْهُومِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ صَرِيحًا عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا. وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِهَا؛ فَإِنَّهَا ذَاتُ شُعَبٍ كَثِيرَةٍ وَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِمَسْأَلَةِ " الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ " وَهِيَ غَمْرَةٌ مِنْ غَمَرَاتِ " أُصُولِ الْفِقْهِ " وَقَدْ اشْتَبَهَتْ أَنْوَاعُهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ السَّابِحِينَ فِيهِ. لَكِنْ الْمَقْصُودُ أَنَّ مَسْأَلَتَنَا لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَعَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنْهُ لَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى مِنْ يُفْتِي بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد أَنْ يَبْنِيَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أُصُولِهِمَا وَأُصُولِ أَصْحَابِهِمَا دُونَ مَا أَصَّلَهُ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ لَمْ يُمْعِنُوا النَّظَرَ فِي آيَاتِ اللَّهِ. وَدَلَائِلُهُ: الَّتِي بَيَّنَهَا فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ وَلَا أَحَاطُوا عِلْمًا بِوُجُوهِ الْأَدِلَّةِ وَدَقَائِقِهَا الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِي وَحْيِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ وَلَا ضَبَطُوا وُجُوهَ دَلَالَاتِ اللِّسَانِ الَّذِي هُوَ أَبْيَنُ الْأَلْسِنَةِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ أَشْرَفَ الْكُتُبِ. وَإِنَّمَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَكُونَ كَلَامٌ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضِ آخِرُهُ مُقَيِّدٌ لِأَوَّلِهِ: مِثْلَ مَا لَوْ قَالَ: " {الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ} أَوْ يَقُولُ: " {الْمَاءُ طَهُورٌ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ

    vol. 32, p. 106
  3. لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ} أَوْ يَقُولُ: {فِي كُلِّ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ تَجِبُ هَذِهِ الزَّكَاةُ فِي الْإِبِلِ السَّائِمَةِ} كَمَا قَالَ: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} فَأَطْلَقَ وَعَمَّمَ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُؤْخَذُ بِعُمُومِ أَوَّلِهِ بَلْ إنَّمَا تَضَمَّنَ طَهَارَةَ الْقُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ. لَكِنْ نفاة الْمَفْهُومِ يَقُولُونَ: لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا سِوَى ذَلِكَ بِنَفْيِ وَلَا إثْبَاتٍ فَنَحْنُ نَنْفِيه بِالْأَصْلِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ نَاقِلٌ عَنْ الْأَصْلِ. وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ بَلْ نَنْفِيه بِدَلِيلِ هَذَا الْخِطَابِ الْمُوَافِقِ لِلْأَصْلِ. وَمِمَّا يُوَضِّحُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ: أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ: وَصَّيْت بِهَذَا الْمَالِ لِلْعُلَمَاءِ يُعْطُونَ مِنْهُ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ. وَلَوْ قَالَ: مَرَّةً: وَصَّيْت بِهِ لِلْعُلَمَاءِ ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوا مِنْ مَالِي لِلْعُلَمَاءِ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ. فَهُنَا يُقَالُ تَعَارَضَ الْعُمُومُ وَالْمَفْهُومُ؛ لَكِنْ مِثْلُ هَذَا لَا يَجِيءُ فِي الْوَقْفِ فَإِنَّهُ إذَا وَقَفَ عَلَى صِفَةٍ عَامَّةٍ أَوْ خَاصَّةٍ لَمْ يُمْكِنْ تَغْيِيرُهَا؛ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ وَلَوْ فَسَّرَ الْمُوصِي لَفْظَهُ بِمَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ قُبِلَ مِنْهُ؛ بِخِلَافِ الْوَاقِفِ. وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ تَقْيِيدَ هَذَا الْكَلَامِ بِالصِّفَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ وَاجِبٌ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ وَنَفُتْهُ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْكَلَامِ الْمُقَيَّدِ بِوَصْفِ فِي آخِرِهِ.

    vol. 32, p. 109
  4. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِ مُتَكَلِّمِينَ لَا يَجِبُ اتِّحَادُ مَقْصُودِهِمَا: مِثْلَ شَاهِدَيْنِ شَهِدَا أَنَّ جَمِيعَ الدَّارِ لِزَيْدِ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّ الْمَوْضِعَ الْفُلَانِيَّ مِنْهَا لِعَمْرِو فَإِنَّ هَاتَيْنِ الْبَيِّنَتَيْنِ يَتَعَارَضَانِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: أَنَّهُ يَبْنِي الْعَامُّ كُلَّ الْخَاصِّ هُنَا. وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ النَّاسِ مَرَّةً فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَرَأَى أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ كَمَا غَلِطَ بَعْضُهُمْ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي فَأَلْحَقُوهُ بِالْأَوَّلِ. وَمَنْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ فَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ وَعَلِمَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهَا ثَابِتٌ فِي جَمِيعِ الْفِطَرِ وَإِنَّمَا خَاصَّةُ الْعُلَمَاءِ إخْرَاجُ مَا فِي الْقُوَّةِ إلَى الْفِعْلِ فَلَوْ سَلَّمَ أَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ عَامٌّ أَوْ مُطْلَقٌ فَقَدْ وَصَلَ بِمَا يُقَيِّدُهُ وَيُخَصِّصُهُ وَقَدْ أَطْبَقَ جَمِيعَ الْعُقَلَاءِ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا مَخْصُوصٌ مُقَيَّدٌ وَلَيْسَ عَامًّا وَلَا مُطْلَقًا. فَفَرْقٌ - أَصْلَحَك اللَّهُ - بَيْنَ أَنْ يَتِمَّ الْكَلَامُ الْعَامُّ الْمُطْلَقُ فَيَسْكُتُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُعَارِضُهُ مَفْهُومٌ خَاصٌّ أَوْ مُقَيَّدٌ وَبَيْنَ أَنْ يُوصَلَ بِمَا يُقَيِّدُهُ وَيُخَصِّصُهُ. أَلَسْت تَعْلَمُ أَنَّ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا؟ فَإِنَّهُ لَوْ حَلَفَ وَسَكَتَ سُكُوتًا طَوِيلًا ثُمَّ وَصَلَهُ بِاسْتِثْنَاءِ أَوْ عَطْفٍ أَوْ وَصْفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ. فَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُسَافِرُ ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتًا طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ. أَوْ قَالَ: إلَى الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ. أَوْ قَالَ: وَلَا أَتَزَوَّجُ. أَوْ قَالَ: لَا أُسَافِرُ رَاجِلًا. لَمْ تَتَقَيَّدْ الْيَمِينُ بِذَلِكَ. وَلَوْ حَلَفَ مَرَّةً: لَا أُسَافِرُ ثُمَّ حَلَفَ مَرَّةً ثَانِيَةً: لَا يُسَافِرُ رَاجِلًا. لَمْ تُقَيَّدْ

    vol. 32, p. 111الْيَمِينُ الْأُولَى بِقَيْدِ الثَّانِيَةِ. وَلَوْ قَالَ: لَا أُسَافِرُ رَاجِلًا. لَتَقَيَّدَتْ يَمِينُهُ بِذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ. فَلَمَّا قَالَ هُنَا: وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ: عَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ كَانَ نَصِيبُهُ لِذَوِي طَبَقَتِهِ: صَارَ الْمَعْنَى وَقَفْت وَقْفًا مُقَيَّدًا بِهَذَا الْقَيْدِ الْمُتَضَمِّنِ انْتِقَالَ نَصِيبِ الْمُتَوَفَّى إلَى أَهْلِ طَبَقَتِهِ بِشَرْطِ عَدَمِ وَلَدِهِ. وَصَارَ مِثْلُ هَذَا أَنْ يَقُولَ: وَقَفْت عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي وَنَسْلِي وَعَقِبِي: عَلَى أَنَّ الْأَوْلَادَ يَسْتَحِقُّونَ هَذَا الْوَقْفَ بَعْدَ مَوْتِ آبَائِهِمْ. أَفَلَيِسَ كُلُّ فَقِيهٍ يُوجِبُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأَوْلَادِ مَشْرُوطٌ بِمَوْتِ الْآبَاءِ؟ وَأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي اقْتَضَى التَّشْرِيكَ؟ وَيُوَضِّحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي قَدْ يُظَنُّ أَنَّهَا مِثْلُ هَذِهِ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ: لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الْمَسَاكِينِ شَيْءٌ حَتَّى يَمُوتَ الثَّلَاثَةُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. فَلَوْ قَالَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ: وَقَفْت عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ: عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ الثَّلَاثَةِ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى الْآخَرِينَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِ الْوَقْفِ مِسْكِينٌ. أَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمَسَاكِينِ أَحَدٌ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى الْآخَرِينَ. أَوْ يَقُولُ: عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ الثَّلَاثَةِ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى الْآخَرِينَ إنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ. أَوْ إنْ كَانَا مُقِيمَيْنِ بِبَلَدِ الْوَقْفِ وَنَحْوِ

    vol. 32, p. 112ذَلِكَ. أَفَلَيْسَ كُلُّ فَقِيهٍ؛ بَلْ كُلُّ عَاقِلٍ يَقْضِي بِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْبَاقِينَ لِنَصِيبِ الْمُتَوَفَّى مَشْرُوطٌ بِهَذَا الشَّرْطِ؟ وَأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْكَلَامُ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا يَتِمُّ بِآخِرِهِ وَلَا يَجُوز اعْتِبَارُ الْكَلَامِ الْمُقَيَّدِ دُونَ مُطْلَقِهِ وَهَذَا مِمَّا قَدْ اضْطَرَّ اللَّهُ الْعُقَلَاءَ إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا أَنْ يَحُولَ بَيْنَ الْبَصِيرَةِ وَبَيْنَ الْإِدْرَاكِ مَانِعٌ فَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ. وَمَسْأَلَتُنَا أَوْضَحُ مِنْ هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ. وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَهُوَ عَدْلٌ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى وَلَدِهِ. فَهَلْ يَجُوز أَنْ يَنْتَقِلَ الْوَقْفُ إلَى الْوَلَدِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا وَسَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا فَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ لِانْدِرَاجِهِ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ قِيلَ لَهُ: اللَّفْظُ الْعَامُّ لَمْ يَنْقَطِعْ وَيَسْكُتْ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَ بِهِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ مَوْصُولٌ بِمَا قَيَّدَهُ وَخَصَّصَهُ. وَلَا يَجُوز أَنْ يُعْتَبَرَ بَعْضُ الْكَلَامِ الْوَاحِدِ دُونَ بَعْضٍ وَهَذَا أَبْيَنُ مِنْ فَلَقِ الصُّبْحِ؛ وَلَكِنْ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُبْهِرْ الْمُتَكَلِّمَ فِي هَذَا فَلْيُكْثِرْ مِنْ النَّظَائِرِ الَّتِي يَصِلُ فِيهَا الْكَلَامَ الْعَامَّ أَوْ الْمُطْلَقَ بِمَا يَخُصُّهُ وَيُقَيِّدُهُ: مِثْلَ أَنْ تَقُولَ: وَقَفْت عَلَى الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ حَضَرَ الدَّرْسَ صَبِيحَةَ كُلِّ يَوْمٍ اسْتَحَقَّ. أَوْ وَقَفْت عَلَى الْفُقَرَاءِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ جَاوَرَ بِالْحَرَمَيْنِ مِنْهُمْ اسْتَحَقَّ. أَوْ تَقُولُ: عَلَى أَنْ

    vol. 32, p. 110