قاعدة: في الخلافة والملك

4 paragraphs · vol. 36, p. 18

  1. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

    الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

    vol. 36, p. 18
  2. قَاعِدَةٌ:
  3. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً؛ ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ مُلْكَهُ - أَوْ الْمُلْكَ - مَنْ يَشَاءُ} لَفْظُ أَبِي دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ وَالْعَوَّامِ {تَكُونُ الْخِلَافَةُ ثَلَاثِينَ عَامًا ثُمَّ يَكُونُ الْمُلْكُ} {تَكُونُ الْخِلَافَةُ ثَلَاثِينَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا} وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَعَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ وَالْعَوَّامِ بْنِ حوشب وَغَيْرِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جمهان عَنْ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ: كَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ فِي تَقْرِيرِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْأَرْبَعَةِ وَثَبَتَهُ أَحْمَد؛ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَنْ تَوَقَّفَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ؛ مِنْ

    vol. 36, p. 19أَجْلِ افْتِرَاقِ النَّاسِ عَلَيْهِ؛ حَتَّى قَالَ أَحْمَد: مَنْ لَمْ يُرَبِّعْ بِعَلِيِّ فِي الْخِلَافَةِ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ؛ وَنَهَى عَنْ مُنَاكَحَتِهِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَعُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّصَوُّفِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْعَامَّةِ. وَإِنَّمَا يُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَنَحْوِهِمْ: كَالرَّافِضَةِ الطَّاعِنِينَ فِي خِلَافَةِ الثَّلَاثَةِ أَوْ الْخَوَارِجِ الطَّاعِنِينَ فِي خِلَافَةِ الصِّهْرَيْنِ الْمُنَافِيَيْنِ: عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَوْ بَعْضِ النَّاصِبَةِ النَّافِينَ لِخِلَافَةِ عَلِيٍّ أَوْ بَعْضِ الْجُهَّالِ مِنْ الْمُتَسَنِّنَةِ الْوَاقِفِينَ فِي خِلَافَتِهِ وَوَفَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ مِنْ هِجْرَتِهِ وَإِلَى عَامِ ثَلَاثِينَ سَنَةَ كَانَ إصْلَاحُ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ السَّيِّدِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِنُزُولِهِ عَنْ الْأَمْرِ عَامَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ فِي شَهْرِ جُمَادَى الْأُولَى وَسُمِّيَ " عَامَ الْجَمَاعَةِ " لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَى " مُعَاوِيَةَ " وَهُوَ أَوَّلُ الْمُلُوكِ. وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: {سَتَكُونُ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ وَرَحْمَةٍ ثُمَّ يَكُونُ مُلْكٌ وَرَحْمَةٌ ثُمَّ يَكُونُ مُلْكٌ وَجَبْرِيَّةٌ ثُمَّ يَكُونُ مُلْكٌ عَضُوضٌ} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي السُّنَنِ وَهُوَ صَحِيحٌ: {إنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتُ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ} .

  4. وَيَجُوزُ تَسْمِيَةُ مَنْ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ " خُلَفَاءَ " وَإِنْ كَانُوا مُلُوكًا؛ وَلَمْ يَكُونُوا خُلَفَاءَ الْأَنْبِيَاءِ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ يَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ؛ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ؛ ثُمَّ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ} . فَقَوْلُهُ: " فَتَكْثُرُ " دَلِيلٌ عَلَى مَنْ سِوَى الرَّاشِدِينَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كَثِيرًا. وَأَيْضًا قَوْلُهُ: {فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ} دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ؛ وَالرَّاشِدُونَ لَمْ يَخْتَلِفُوا. وَقَوْلُهُ: {فَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ} دَلِيلٌ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ فِي إعْطَاءِ الْأُمَرَاءِ حَقَّهُمْ؛ مِنْ الْمَالِ وَالْمَغْنَمِ. وَقَدْ ذَكَرْت فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ مَصِيرَ الْأَمْرِ إلَى الْمُلُوكِ وَنُوَّابِهِمْ مِنْ الْوُلَاةِ؛ وَالْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ لَيْسَ لِنَقْصِ فِيهِمْ فَقَطْ بَلْ لِنَقْصِ فِي الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ جَمِيعًا؛ فَإِنَّهُ " كَمَا تَكُونُونَ: يُوَلَّى عَلَيْكُمْ " وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا} وَقَدْ اسْتَفَاضَ وَتَقَرَّرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مَا قَدْ أَمَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ؛ وَمُنَاصَحَتِهِمْ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِمْ وَقَسْمِهِمْ؛ وَالْغَزْوِ مَعَهُمْ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ

    vol. 36, p. 21مِنْ مُتَابَعَتِهِمْ فِي الْحَسَنَاتِ الَّتِي لَا يَقُومُ بِهَا إلَّا هُمْ؛ فَإِنَّهُ مِنْ " بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى " وَمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ تَصْدِيقِهِمْ بِكَذِبِهِمْ وَإِعَانَتِهِمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ مِمَّا هُوَ مِنْ " بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ " وَمَا أَمَرَ بِهِ أَيْضًا مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ: لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ؛ وَمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَاتِ اللَّهِ إلَيْهِمْ؛ بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُ ذَلِكَ جُبْنًا وَلَا بُخْلًا وَلَا خَشْيَةً لَهُمْ وَلَا اشْتِرَاءً لِلثَّمَنِ الْقَلِيلِ بِآيَاتِ اللَّهِ؛ وَلَا يَفْعَلُ أَيْضًا لِلرِّئَاسَةِ عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى الْعَامَّةِ وَلَا لِلْحَسَدِ وَلَا لِلْكِبَرِ وَلَا لِلرِّيَاءِ لَهُمْ وَلَا لِلْعَامَّةِ. وَلَا يُزَالُ الْمُنْكَرُ بِمَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ. بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ بِالسِّلَاحِ؛ وَتُقَامُ الْفِتَنُ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ الَّذِي يَرْبُو عَلَى فَسَادِ مَا يَكُونُ مِنْ ظُلْمِهِمْ؛ بَلْ يُطَاعُ اللَّهُ فِيهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ وَيُفْعَلُ مَا أَمَرَ بِهِ وَيُتْرَكُ مَا نَهَى عَنْهُ. وَهَذِهِ جُمْلَةٌ تَفْصِيلُهَا يَحْتَاجُ إلَى بَسْطٍ كَثِيرٍ وَالْغَرَضُ هُنَا بَيَانُ " جِمَاعِ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ " الْوَاقِعَةِ بَعْدَ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ: فِي الْإِمَارَةِ وَفِي تَرْكِهَا؛ فَإِنَّهُ مَقَامُ خَطَرٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ خَبَرَهُ بِانْقِضَاءِ " خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ " فِيهِ الذَّمُّ لِلْمَلِكِ وَالْعَيْبِ لَهُ؛ لَا سِيَّمَا وَفِي حَدِيثِ {أَبِي

    vol. 36, p. 20