الاعتقاد بأن ظهور النجوم له علاقة بالسعد والنحس باطل
2 paragraphs · vol. 36, p. 177
- vol. 36, p. 177
وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِمْ اعْتَقَدُوا أَنَّ سَبَبَ الْكُسُوفِ إذَا كَانَ - مَثَلًا - كَوْنَ الْقَمَرِ إذَا حَاذَاهَا مَنَعَ نُورَهَا أَنْ يَصِلَ إلَى الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَلَّلَ ذَلِكَ بِالتَّجَلِّي. وَالتَّجَلِّي الْمَذْكُورُ لَا يُنَافِي السَّبَبَ الْمَذْكُورَ؛ فَإِنَّ خُشُوعَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لِلَّهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ إذَا حَصَلَ لِنُورِهِ مَا يَحْصُلُ مِنْ انْقِطَاعٍ يَرْفَعُ تَأْثِيرَهُ عَنْ الْأَرْضِ؛ وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحَلِّ سُلْطَانِهِ وَمَوْضِعِ انْتِشَارِهِ وَتَأْثِيرِهِ؛ فَإِنَّ الْمَلِكَ الْمُتَصَرِّفَ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ لَوْ مُنِعَ ذَلِكَ لَذَلَّ لِذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} فَالْمُدَبِّرَاتُ هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَأَمَّا إقْسَامُ اللَّهِ بِالنُّجُومِ كَمَا أَقْسَمَ بِهَا فِي قَوْلِهِ: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} {الْجَوَارِي الْكُنَّسِ} فَهُوَ كَإِقْسَامِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ كَمَا أَقْسَمَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: يَقْتَضِي تَعْظِيمَ قَدْرِ الْمُقْسَمِ بِهِ وَالتَّنْبِيهَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْآيَاتِ وَالْعِبْرَةِ وَالْمَنْفَعَةِ لِلنَّاسِ؛ وَالْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْقُلُوبُ بِهِ أَوْ يُظَنَّ أَنَّهُ هُوَ الْمُسْعِدُ الْمُنْحِسُ كَمَا لَا يُظَنَّ ذَلِكَ فِي {وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى} {وَالنَّهَارِ إذَا تَجَلَّى} وَفِي {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا} {فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا} وَفِي {وَالطُّورِ} {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَاعْتِقَادُ الْمُعْتَقِدِ أَنَّ نَجْمًا مِنْ النُّجُومِ السَّبْعَةِ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِسَعْدِهِ وَنَحْسِهِ اعْتِقَادُهُ فَاسِدٌ وَأَنَّ الْمُعْتَقِدَ أَنَّهُ هُوَ الْمُدَبِّرُ لَهُ: فَهُوَ كَافِرٌ. وَكَذَلِكَ إنْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ دُعَاؤُهُ وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ كَانَ كُفْرًا؛ وَشِرْكًا مَحْضًا وَغَايَةُ
vol. 36, p. 178مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ أَنْ يَبْنِيَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هُنَا الْوَلَدَ حِينَ وُلِدَ بِهَذَا الطَّالِعِ. وَهَذَا الْقَدْرِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي أَحْوَالِ هَذَا الْمَوْلُودِ؛ بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا يَسِيرًا مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ. وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يُوجِبُ مَا ذُكِرَ؛ بَلْ مَا عُلِمَ حَقِيقَةً تَأْثِيرُهُ فِيهِ مِثْلُ حَالِ الْوَالِدَيْنِ وَحَالِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ مَحْسُوسٌ فِي أَحْوَالِ الْمَوْلُودِ؛ وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ هَذَا مُسْتَقِلًّا. ثُمَّ إنَّ الْأَوَائِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَجِّمِينَ الْمُشْرِكِينَ الصَّابِئِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ قَدْ قِيلَ إنَّهُمْ كَانُوا إذَا وَلَدَ لَهُمْ الْمَوْلُودَ أَخَذُوا طَالِع الْمَوْلُودِ وَسَمَّوْا الْمَوْلُودَ بِاسْمِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِذَا كَبُرَ سُئِلَ عَنْ اسْمِهِ أَخْذ السَّائِلِ حَالَ الطَّالِع. فَجَاءَ هَؤُلَاءِ الطَّرْقِيَّة يَسْأَلُونَ الرَّجُلَ عَنْ اسْمِهِ وَاسْم أُمِّهِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنْ ذَلِكَ الدَّلَالَة عَلَى أَحْوَالِهِ وَهَذِهِ ظُلُمَات بَعْضهَا فَوْقَ بَعْض مُنَافِيَة لِلْعَقْلِ وَالدِّينِ. وَأَمَّا اخْتِيَارَاتُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الطَّالِع لِمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ الْأَفْعَالِ: مِثْلَ اخْتِيَارَاتِهِمْ لِلسَّفَرِ أَنْ يَكُونَ الْقَمَر فِي شَرَفِهِ وَهُوَ " السَّرَطَانُ " وَأَلَّا يَكُونَ فِي هُبُوطِهِ وَهُوَ " الْعَقْرَبُ " فَهُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الْمَذْمُومِ. وَلَمَّا أَرَادَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَنْ يُسَافِرَ لِقِتَالِ الْخَوَارِج عَرْض لَهُ مُنَجِّم فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لَا تُسَافِرُ؛ فَإِنَّ الْقَمَرَ فِي الْعَقْرَبِ؛ فَإِنَّك إنْ سَافَرْت
vol. 36, p. 179وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَبِ هَزَمَ أَصْحَابك - أَوْ كَمَا قَالَ - فَقَالَ عَلَيَّ: بَلْ أُسَافِرُ ثِقَةً بِاَللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ وَتَكْذِيبًا لَك؛ فَسَافَرَ فَبُورِكَ لَهُ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ حَتَّى قَتْل عَامَّة الْخَوَارِج وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ مَا سِرٌّ بِهِ؛ حَيْثُ كَانَ قِتَاله لَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَمَّا مَا يُذَكِّرُهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا تُسَافِرُ وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَبِ " فَكَذِب مُخْتَلَق بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّهَا صَنْعَة إدْرِيس. فَيُقَالُ " أَوَّلًا " هَذَا قَوْل بِلَا عِلْم؛ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَعْلَمُ إلَّا بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ؛ وَلَا سَبِيلَ لِهَذَا الْقَائِلِ إلَى ذَلِكَ؛ وَلَكِنْ فِي كُتُبٍ هَؤُلَاءِ " هَرْمَسَ الْهَرَامِسَة " وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ هُوَ إدْرِيس. " والهرمس " عِنْدَهُمْ اسْم جِنْس؛ وَلِهَذَا يَقُولُونَ: " هَرْمَسَ الْهَرَامِسَة " وَهَذَا الْقَدْر الَّذِي يُذَكِّرُونَهُ عَنْ هرمسهم يُعْلَمُ الْمُؤْمِن قَطْعًا أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ مَأْخُوذًا عَنْ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْكَذِبِ وَالْبَاطِل. وَيُقَالُ " ثَانِيًا " : هَذَا إنْ كَانَ أَصْله مَأْخُوذًا عَنْ إدْرِيس فَإِنَّهُ كَانَ مُعْجِزَة لَهُ وَعِلْمًا أَعْطَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ فَيَكُونُ مِنْ الْعُلُومِ النَّبَوِيَّةِ. وَهَؤُلَاءِ إنَّمَا يَحْتَجُّونَ بِالتَّجْرِبَةِ وَالْقِيَاسِ؛ لَا بِأَخْبَارِ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام.
- vol. 36, p. 180
وَيُقَالُ " ثَالِثًا " إنَّ كَانَ بَعْضَ هَذَا مَأْخُوذًا عَنْ نَبِيٍّ فَمِنْ الْمَعْلُومِ قَطْعًا أَنْ فِيهِ مِنْ الْكَذِبِ وَالْبَاطِل أَضْعَاف مَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ ذَلِكَ النَّبِيِّ. وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ الْكَذِبَ وَالْبَاطِل الَّذِي فِي ذَلِكَ أَضْعَاف الْكَذِبِ وَالْبَاطِل الَّذِي عِنْد الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِيمَا يَأْثُرُونَهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَإِذَا كَانَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى قَدّ تَيَقَّنَّا قَطْعًا أَنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ مَأْخُوذٌ عَنْ الْمُرْسَلِينَ وَأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور كَمَا أَنْزَلَ الْقُرْآنَ وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّه عَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِمَا أَنْزَلَ عَلَيْنَا وَمَا أَنْزَلَ عَلَى مِنْ قَبِلْنَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ قَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ حَرَّفُوا وَبَدَّلُوا وَكَذَّبُوا وَكَتَمُوا؛ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ حَالَ الْوَحْيِ الْمُحَقَّقِ وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ يَقِينًا؛ مَعَ أَنَّهَا إلَيْنَا أَقْرَبُ عَهْدًا مِنْ إدْرِيس وَمَعَ أَنَّ نَقْلَتَهَا أَعْظَمُ مِنْ نَقْلَةِ النُّجُومِ وَأَبْعَدُ عَنْ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ وَأَبْعَدُ عَنْ الْكُفْرِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. فَمَا الظَّنُّ بِهَذَا الْقَدْرِ إنْ كَانَ فِيهِ مَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ إدْرِيس فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ فِيهِ مِنْ الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ وَالتَّحْرِيفِ أَعْظَمَ مِمَّا فِي عُلُومِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {إذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا