سئل عن أبيات في عدم مماثلة الله للعالم

4 paragraphs · vol. 6, p. 267

  1. سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ:

    يَا سَادَةَ الْعُلَمَاءِ أَفْتُونَا بِمَا … يَشْفِي الْغَلِيلَ فَمَاءُ صَبْرِي آسِنٌ

    عَنْ قَوْلِ نَاظِمِ عِقْدِ أَصْلِ عَقِيدَةٍ … فِي حَقِّ حَقِّ الْحَقِّ لَيْسَ يُدَاهِنُ

    يَا مُنْكِرًا أَنَّ الْإِلَهَ مُبَايِنٌ … لِلْخَلْقِ يَا مَفْتُونُ بَلْ يَا فَاتِنُ

    هَبْ قَدْ ضَلَلْت فَأَيْنَ أَنْتَ فَإِنْ تَكُنْ … أَنْتَ الْمُبَايِنُ فَهُوَ أَيْضًا بَائِنُ

    أَوْ قُلْتَ لَسْت مُبَايِنًا قُلْنَا إذَنْ … فَبِالِاتِّحَادِ أَوْ الْحُلُولِ تُشَاحِنُ

    أَوْ قُلْتَ يَلْزَمُ مِنْهُ شَيْءٌ دَاخِلًا … قُلْنَا نَعَمْ مَا الرَّبُّ فِينَا سَاكِنٌ

    إنْ قُلْتَ يَلْزَمُ أَنَّهُ فِي حَيِّزٍ … أَوْ صَارَ فِي جِهَةٍ فَعَقْلُك وَاهِنٌ

    فَلَقَدْ كَذَبْت فَإِنَّهُ لَا حَيِّزٌ … إلَّا مَكَانٌ وَهُوَ مِنْهُ بَائِنٌ

    وَكَذَا الْجِهَاتُ فَإِنَّهَا عَدَمِيَّةٌ … فِي حَقِّهِ وَالْحَقُّ فِي ذَا بَائِنُ

    vol. 6, p. 268إذْ لَيْسَ فَوْقَ الْحَقِّ ذَاتٌ غَيْرُهُ … حَتَّى تُقَدِّرَ وَهُوَ فِيهَا قَاطِنُ

    أَوْ قُلْتَ مَا هُوَ دَاخِلٌ أَوْ خَارِجٌ … هَذَا يَدُلُّ بِأَنَّ مَا هُوَ كَائِنُ

    إذْ قَدْ جَمَعْت نَقَائِضًا وَوَصَفْته … عَدَمًا بِهَا هَلْ أَنْتَ عَنْهَا ظَاعِنُ

    مَا قَالَ مَا هُوَ ظَاهِرٌ أَوْ بَاطِنٌ … لَكِنَّهُ هُوَ ظَاهِرٌ هُوَ بَاطِنُ

    فَارْجِعْ وَتُبْ مَنْ قَالَ مِثْلُك إنَّهُ … لَمُعَطِّلٌ وَالْكُفْرُ فِيهِ كَامِنُ

    وَتَفَضَّلُوا بِجَوَابِهِ مَنْ نَظْمِكُمْ … هَلْ صَادَقَ فِيمَا ادَّعَى أَوْ ماين

    فَصْلًا بِفَصْلِ ظَاهِرٍ فَاَللَّهُ للـ … ـمُفْتِي الْمُصِيبِ بِخَيْرِ آخِرٍ ضَامِنُ

    vol. 6, p. 267
  2. فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
  3. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، جَوَابُ الْمُنَازِعِينَ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ هَذَا الْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ:

    أَحَدُهُمَا: الِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى مُبَايِنٌ لِلْعَالَمِ خَارِجٌ عَنْهُ.

  4. وَالثَّانِي: الْجَوَابُ عَنْ حُجَّةِ مَنْ نَفَى ذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْقَوْلَ بِالتَّحَيُّزِ وَالْجِهَةِ وَهُمَا بَاطِلَانِ وَبُطْلَانُ اللَّازِمِ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْمَلْزُومِ. فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ فَإِنَّ مَضْمُونَهُ أَنَّك إمَّا أَنْ تَكُونَ مُبَايِنًا لِلْخَالِقِ وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ مُبَايِنًا فَإِنْ قُلْت: إنَّك مُبَايِنٌ لَزِمَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مُبَايِنًا لَك؛ لِأَنَّ

    vol. 6, p. 269الْمُبَايَنَةَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهَا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ ثُبُوتُهَا فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ عَقْلًا، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي اللُّغَةِ إلَّا فِي مَوَاضِعَ قِيلَ إنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ بَلْ مُتَأَوَّلَةٌ: مِثْلُ قَوْلِهِمْ: عَاقَبْت اللِّصَّ وداققت النَّعْلَ وَعَافَاك اللَّهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْت: لَسْت مُبَايِنًا لَهُ لَزِمَك الْقَوْلُ بِالْحُلُولِ أَوْ الِاتِّحَادِ؛ فَإِنَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ مُبَايِنًا لِغَيْرِهِ مُتَمَيِّزًا عَنْهُ كَانَ مُجَامِعًا لَهُ مُدَاخِلًا لَهُ بِحَيْثُ هُوَ يحايثه وَيُجَامِعُهُ وَيُدَاخِلُهُ كَمَا تحايث الصِّفَةُ مَحَلَّهَا الَّذِي قَامَتْ بِهِ وَالصِّفَةُ الْمُشَارِكَةُ لَهَا بِالْقِيَامِ بِهِ؛ فَإِنَّ التُّفَّاحَةَ مَثَلًا طَعْمُهَا وَلَوْنُهَا لَيْسَ هُوَ بِمُبَايِنِ لَهَا بَلْ هُوَ محايث لَهَا وَمُجَامِعٌ لَهَا وَذَلِكَ الطَّعْمُ محايث اللَّوْنِ، وَالْمُبَايَنَةُ هِيَ الْمُفَارَقَةُ وَهِيَ ضِدُّ الْمُجَامَعَةِ فَلَمَّا كَانَتْ الصِّفَةُ الَّتِي تُسَمَّى الْعَرَضَ تحايث مَحَلَّهَا - الَّذِي يُسَمَّى الْجِسْمُ - وتحايث عَرَضًا آخَرَ كَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا مُنْتَفٍ عَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَرَضِ وَلَا صِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ؛ بَلْ هُوَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ مُسْتَغْنٍ عَنْ مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ محايثة الْمَخْلُوقَاتِ وَالْحُلُولِ؛ إذْ الْقَوْلُ بِنَفْيِ الْجِسْمِ مَعَ إثْبَاتِ هَذَا التَّقْسِيمِ تَنَاقُضٌ بَيِّنٌ. وَإِذَا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مُسْتَلْزِمًا لِلتَّجْسِيمِ لَزِمَهُ مَا يَلْزَمُ الْقَائِلِينَ بِالتَّجْسِيمِ وَقَدْ خَاطَبَ نفاة ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ مَفْتُونُونَ وَفَاتِنُونَ وَادَّعَى أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُعَطِّلٌ وَأَنَّ " الْكُفْرَ فِي قَوْلِهِ كَامِنٌ " . وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ مَنْ نَفَى التَّجْسِيمَ وَقَدْ عُلِمَ مَا فِي الْقَوْلِ مِنْ الْوَبَالِ الْعَظِيمِ. قَالَتْ الْمُثْبِتَةُ نَحْنُ نُجِيبُكُمْ بِجَوَابَيْنِ: إجْمَالِيٌّ وَتَفْصِيلِيٌّ.