فصل: في الروح والقلب المحب، هل يحركان؟ أم يتحولان من صفة إلى صفة؟
4 paragraphs · vol. 7, p. 30
- vol. 7, p. 30
فَهَذَا الْقَدْرُ لَا يُخَالِفُ فِيهِ عَاقِلٌ فَإِنَّهُ أَمْرٌ مَحْسُوسٌ مُدْرَكٌ وَهُوَ أَقَلُّ مَرَاتِبِ الْإِقْرَارِ بِاَللَّهِ؛ بَلْ الْإِقْرَارِ بِوُجُودِ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَأَقَلِّ مَرَاتِبِ عِبَادَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ هَلْ يَتَحَرَّك الْقَلْبُ. وَالرُّوحُ الْعَارِفَة الْمُحِبَّةُ أَمْ لَا حَرَكَةَ لَهَا إلَّا مُجَرَّدُ التَّحَوُّلِ مِنْ صِفَةٍ إلَى صِفَةٍ؟ .
-
الْأَوَّلُ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَجُمْهُورِ الْخَلْقِ.
-
وَالثَّانِي قَوْلُ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ؛ إذْ عِنْدَهُمْ أَنَّ الرُّوحَ لَا دَاخِلَ الْبَدَنِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا تَتَحَرَّكُ وَلَا تَسْكُنُ. وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَيُقِرُّونَ بِتَحَرُّكِهَا نَحْوَ الْمَحْبُوبِ الْمَطْلُوبِ كَائِنًا مَا كَانَ. وَيُقِرُّ جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِأَنَّهَا تَتَحَرَّكُ إلَى الْمَوَاضِعِ الْمُشَرَّفَةِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيهَا آثَارُ الْمَحْبُوبِ وَأَنْوَارُهُ كَتَحَرُّكِ قُلُوبِ الْعَارِفِينَ وَأَبْدَانِهِمْ إلَى السَّمَوَاتِ وَإِلَى الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ تَحَرُّكُ ذَلِكَ إلَى ذَاتِ الْمَحْبُوبِ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ وَكُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ يُقِرُّ بِتَجَلِّي الرَّبِّ وَظُهُورِهِ لِقُلُوبِ الْعَارِفِينَ وَهُوَ
vol. 7, p. 31عِنْدَهُمْ حُصُولُ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ فِي قُلُوبِهِمْ بَدَلًا مِنْ الْكُفْرِ وَالْجَهْلِ؛ وَهُوَ حُصُولُ الْمِثْلِ وَالْحَدِّ وَالِاسْمِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَأَمَّا حَرَكَةُ رُوحِ الْعَبْدِ أَوْ بَدَنِهِ إلَى ذَاتِ الرَّبِّ فَلَا يُقِرُّ بِهِ مَنْ كَذَّبَ بِأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُعَطِّلَةِ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ كَانَ السَّلَفُ يُكَفِّرُونَهُمْ وَيَرَوْنَ بِدْعَتَهُمْ أَشَدَّ الْبِدَعِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُمْ خَارِجِينَ عَنْ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً: مِثْلَ مَنْ قَالَ إنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَوْ إنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ؛ لَكِنَّ عُمُومَ الْمُسْلِمِينَ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ تُقِرُّ بِذَلِكَ؛ فَيَكُونُ الْعَبْدُ مُتَقَرِّبًا بِحَرَكَةِ رُوحِهِ وَبَدَنِهِ إلَى رَبِّهِ مَعَ إثْبَاتِهِمْ أَيْضًا التَّقَرُّبَ مِنْهُمَا إلَى الْأَمَاكِنِ الْمُشَرَّفَةِ وَإِثْبَاتِهِمْ أَيْضًا تَحَوُّلَ رُوحِهِ وَبَدَنِهِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ. (فَالْأَوَّلُ مِثْلَ مِعْرَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُرُوجِ رُوحِ الْعَبْدِ إلَى رَبِّهِ وَقُرْبِهِ مِنْ رَبِّهِ فِي السُّجُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (وَالثَّانِي: مِثْلَ الْحَجِّ إلَى بَيْتِهِ وَقَصْدِهِ فِي الْمَسَاجِدِ. (وَالثَّالِثُ: مِثْلَ ذِكْرِهِ لَهُ وَدُعَائِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ؛ لَكِنْ فِي هَذَيْنِ يُقِرُّونَ أَيْضًا بِقُرْبِ الرُّوحِ أَيْضًا إلَى اللَّهِ نَفْسِهِ فَيُجْمِعُونَ بَيْنَ الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا.
- vol. 7, p. 32
وَأَمَّا تَجَلِّيهِ لِعُيُونِ عِبَادِهِ فَأَقَرَّ بِهِ الْمُتَكَلِّمُونَ الصفاتية؛ كَالْأَشْعَرِيَّةِ والْكُلَّابِيَة. وَمَنْ نَفَى مِنْهُمْ عُلُوَّ الرَّبِّ عَلَى الْعَرْشِ قَالَ: هُوَ بِخَلْقِ الْإِدْرَاكِ فِي عُيُونِهِمْ وَرَفْعِ الْحُجُبِ الْمَانِعَةِ. وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ: فَيُقِرُّونَ بِذَلِكَ وَبِأَنَّهُ يَرْفَعُ حُجُبًا مُنْفَصِلَةً عَنْ الْعَبْدِ حَتَّى يَرَى رَبَّهُ كَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.