الرد على من استدل على عدم رؤيتهن

8 paragraphs · vol. 7, p. 446

  1. لِوُجُودِ التَّخْصِيصَاتِ فِيهَا. هَذَا غَايَةُ مَا يُمْكِنُ فِي تَقْرِيرِ هَذَا السُّؤَالِ وَلَوْلَا أَنَّهُ أُورِدَ عَلَيَّ لَمَا ذَكَرْته لِعَدَمِ تَوَجُّهِهِ. فَنَقُولُ: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَتَرْتِيبُهَا الطَّبِيعِيُّ يَقْتَضِي نَوْعًا مِنْ التَّرْتِيبِ لَكِنْ أُرَتِّبُهَا عَلَى وَجْهٍ آخَرَ لِيَكُونَ أَظْهَرَ فِي الْفَهْمِ الْأَوَّلُ أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَرَيْنَهُ فِي الْمَوْطِنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يَنْفِي رُؤْيَتَهُنَّ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ فَيَكُونُ مَا سِوَى هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الْخَاصُّ لَا بِنَفْيٍ وَلَا بِإِثْبَاتِ وَالدَّلِيلُ الْعَامُّ قَدْ أَثْبَتَ الرُّؤْيَةَ فِي الْجُمْلَةِ وَالرُّؤْيَةُ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ لَمْ يَنْفِهَا دَلِيلٌ فَيَكُونَ الدَّلِيلُ الْعَامُّ قَدْ سَلِمَ عَنْ مُعَارَضَةِ الْخَاصِّ فَيَجِبَ الْعَمَلُ بِهِ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ. فَإِنَّ مَنْ قَالَ: رَأَيْت رَجُلًا فَقَالَ آخَرُ: لَمْ تَرَ أَسْوَدَ وَلَمْ تَرَهُ فِي دِمَشْقَ لَمْ تَتَنَاقَضْ الْقَضِيَّتَانِ وَالْخَاصُّ إذَا لَمْ يُنَاقِضْ مِثْلَهُ مِنْ الْعَامِّ لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ بِهِ فَلَوْ كَانَ قَدْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَرَيْنَهُ بِحَالِ لَكَانَ هَذَا الْخَاصُّ مُعَارِضًا لِمِثْلِهِ مِنْ الْعَامِّ أَمَّا إذَا قِيلَ: إنَّهُ دَلَّ عَلَى رُؤْيَةٍ فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ كَيْفَ يُنْفَى بِنَفْيِ جِنْسِ الرُّؤْيَةِ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ سَلْبُ الْخَاصِّ سَلْبًا لِلْعَامِّ؟ فَإِنْ قِيلَ: لَا رُؤْيَةَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ إلَّا فِي هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ قِيلَ مَا الَّذِي دَلَّ عَلَى هَذَا؟ فَإِنْ قِيلَ: لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا سِوَى ذَلِكَ. قِيلَ: الْعَدَمُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي الْأَخْبَارِ بِإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ بَلْ مَنْ أَخْبَرَ بِهِ كَانَ قَائِلًا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ وَلَوْ قِيلَ

    vol. 7, p. 447لِلرَّجُلِ: هَلْ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ كَذَا وَفِي الْمَسْجِدِ الْفُلَانِيِّ كَذَا؟ فَقَالَ: لَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ كَانَ نَافِيًا مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ. وَلَوْ قَالَ الْآخَرُ: الَّذِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ: هُمْ النَّبِيُّونَ فَقَطْ. لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ رُؤْيَةِ غَيْرِهِمْ وَلَهُمْ مِنْ الْخُصُوصِ مَا لَا يُشْرَكُونَ فِيهِ كَانَ هَذَا قَوْلًا بِلَا عِلْمٍ - إذَا سَلِمَ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا - وَلَيْسَ هُنَا مَفْهُومٌ يُتَمَسَّكُ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} . فَإِنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَقُلْ إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَهُمْ مَوْطِنَانِ فِي الرُّؤْيَةِ حَتَّى يَقُولَ ذَلِكَ بِنَفْيِ مَا سِوَاهُمَا بَلْ كَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فِي مِثْلِ هَذَا؛ فَإِنَّ الْعُمُومَ وَالْقِيَاسَ حُجَّتَانِ مُقَدَّمَتَانِ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ أَمَّا " الْعُمُومُ " فَبِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ وَأَمَّا " الْقِيَاسُ " فَعِنْدَ جَمَاهِيرِهِمْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ " الْعُمُومَ " وَ " الْقِيَاسَ " يَقْتَضِيَانِ ثُبُوتَ الرُّؤْيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا يَجُوزُ نَفْيُهَا بِالِاسْتِصْحَابِ وَإِنْ جَازَ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِنَقْصِ عَقْلِ النِّسَاءِ. فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: " الْبُلْهُ " وَ " أَهْلُ الْجَفَاءِ " مِنْ الْأَعْرَابِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَا يَرَى اللَّهَ؛ فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّ فِي النِّسَاءِ مَنْ هُوَ أَعْقَلُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الرِّجَالِ حَتَّى إنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ شَهَادَتُهَا نِصْفَ شَهَادَةِ الرَّجُلِ وَالْمُغَفَّلُ وَنَحْوُهُ تُرَدُّ شَهَادَتُهُمَا بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَجْنُونًا؛ وَقَدْ {قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمُلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا أَرْبَعٌ} أَكْمَلُ مِمَّنْ لَمْ يَكْمُلْ مِنْ الرِّجَالِ؛ فَفِي أَيِّ مَعْقُولٍ تَكُونُ الرُّؤْيَةُ لِلنَّاقِصِ دُونَ الْكَامِلِ.

    vol. 7, p. 446
  2. الْجَوَابُ الثَّانِي:
  3. أَنْ نَقُولَ: نَفْسُ الْحَدِيثِ الْمُحْتَجِّ بِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ رُؤْيَةً فِي مَوَاطِنَ عَدِيدَةٍ فَإِنَّهُ {قَالَ: وَأَعْلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَرَى اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً} فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ لِلْأَعْلَى فَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْأَدْنَى لَهُ دُونَ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْصَرَ مَا دُونَ ذَلِكَ عَلَى " رُؤْيَةِ الْجُمُعَةِ " لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَرَاهُ بَعْضُهُمْ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً وَبَعْضُهُمْ كُلَّ يَوْمَيْنِ مَرَّةً وَبَعْضُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ " يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الرِّجَالِ مِنْ الْأَعْلَيْنَ والمتوسطين وَمَنْ دُونَهُمْ. وَكُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ لِلْأَعْلَيْنَ فَاَلَّذِينَ هُمْ فَوْقَ الْأَدْنَيْنَ وَدُونَ الْأَعْلَيْنَ لَا بُدَّ أَنْ يُمَيَّزُوا عَمَّنْ دُونَهُمْ؛ كَمَا نُقِصُوا عَمَّنْ فَوْقَهُمْ. الْجَوَابُ الثَّالِثُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيثُ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ مِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ فِي " سُنَنِهِ " وَالدَّارَقُطْنِي فِي " الرُّؤْيَةِ " عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عِيسَى بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: {قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ فَإِذَا الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} فَلَا يَلْتَفِتُونَ إلَى شَيْءٍ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ النَّعِيمِ مَا دَامَ اللَّهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ وَتَبْقَى فِيهِمْ بَرَكَتُهُ وَنُورُهُ}

  4. وَرَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مَعْرُوفَةٍ إلَى سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْن حجر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: {قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مُلْكِهِمْ وَنَعِيمِهِمْ إذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ فَإِذَا الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ وَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ فَلَا يَلْتَفِتُونَ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْمُلْكِ وَالنَّعِيمِ حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ قَالَ: فَيَبْقَى نُورُهُ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ وَفِي دِيَارِهِمْ} . وَهَذِهِ الطَّرِيقُ تَنْفِي أَنْ يَكُونَ قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ الْفَضْلُ الرقاشي وَهَذَا الْحَدِيثُ بِعُمُومِهِ يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَهُمْ يَرْوُونَهُ لَكِنْ لَمْ يَسْتَدِلَّ بِهِ ابْتِدَاءً لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ مَقَالًا وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ قَدْ رَوَى ذَلِكَ وَهُوَ مُمْكِنٌ وَلَا سَبِيلَ إلَى دَفْعِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ والعمومات الصَّحِيحَةِ تُثْبِتُ جِنْسَ مَا أَثْبَتَهُ هَذَا الْحَدِيثُ. وَأَيْضًا فَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ {إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ ينجزكموه فَيَقُولُونَ: مَا هُوَ؟ أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَيُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَيُجِرْنَا مِنْ النَّارِ؟ فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَمَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا أُحِبّ إلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ} . فَهَذَا لَيْسَ هُوَ نَظَرَ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا عِنْدَ الدُّخُولِ وَلَمْ يَكُونُوا يَنْتَظِرُونَهُ وَلَا اجْتَمَعُوا لِأَجْلِهِ وَنَظَرُ الْجُمُعَةِ يَقْدَمُونَ إلَيْهِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَيَجْتَمِعُونَ لِأَجْلِهِ

    vol. 7, p. 450كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ وَبَيْنَ هَذَا التَّجَلِّي وَذَاكَ فَرْقٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ؛ وَلَا هَذَا التَّجَلِّي مِنْ الْمَرَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَخْتَصُّ بِالْأَعْلَيْنَ بَلْ هُوَ عَامٌّ لِمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ مُوَافِقًا لِقَوْلِهِ: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} - {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} . وَأَيْضًا فَقَدْ جَاءَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ فِي كُلِّ يَوْمِ عِيدٍ} . وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ وَهَذَا خَارِجٌ عَنْ الْمَرَّتَيْنِ؛ إلَّا أَنْ يُقَالَ: وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقُلْ: وَلَا فِي سُؤَالِ السَّائِلِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَهُوَ مُبْطِلٌ لِحَصْرِهِ قَطْعًا وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْهُ يَصُوغُ السُّؤَالُ عَلَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا صُغْنَاهُ كَمَا أُورِدَ عَلَيْنَا. وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} {قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ: أَعْدَدْت لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ} فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَنْ سِوَى الْأَعْلَيْنَ لَا يَرَى اللَّهَ قَطُّ إلَّا فِي الْأُسْبُوعِ مَرَّةً؟ وَيَقْضِي ذَلِكَ الدَّلِيلُ عَلَى مَا قَدْ أَخْفَاهُ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ؛ وَنَفَى عِلْمَهُ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ وَسَمْعٍ وَقَلْبٍ وَفَرَّقَ بَيْنَ عَدَمِ الْعِلْمِ وَالْعِلْمِ بِالْعَدَمِ. وَبَيْنَ عَدَمِ الدَّلِيلِ؛ وَالدَّلِيلِ عَلَى الْعَدَمِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْإِنْسَانِ فِيمَا سِوَى الْمَوْطِنِ سِوَى عَدَمِ الْعِلْمِ وَعَدَمِ الدَّلِيلِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ مُوجَبِ الدَّلِيلِ الْعَامِّ بِالِاضْطِرَارِ وَبِالْإِجْمَاعِ. وَنُكْتَةُ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. إذَا قَالَ: إنَّ أَهْلَ

    vol. 7, p. 451الْجَنَّةِ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى وَفَسَّرَ بِهِ قَوْله تَعَالَى {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} إلَى قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} فَأَعْلَمَنَا بِهَذَا أَنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ لَهُمْ " الزِّيَادَةُ " الَّتِي هِيَ النَّظَرُ إلَيْهِ وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَأَصْحَابَ الْجَنَّةِ مِنْهُمْ النِّسَاءُ الْمُحْسِنَاتُ أَكْثَرُ مِنْ الرِّجَالِ. وَقَالَ لَنَا - مَثَلًا -: يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَرَاهُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ وَقَالَ لَنَا أَيْضًا: لَا يَرَاهُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ إلَّا أَعْلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ وَفَرَضْنَا أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَرَيْنَهُ بِحَالِ - كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ - وَلَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ قَطُّ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَنْ وَقَفَ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ؛ بَلْ وَلَا بَيْنَ الْعُقَلَاءِ فِي أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ جِنْسِ " الرُّؤْيَةِ " وَلَا يُخَصُّ ذَلِكَ اللَّفْظُ الْعَامُّ وَلَا يُقَيَّدُ ذَلِكَ الْمُطْلَقُ - فَإِنَّمَا رَدَدْت الْكَلَامَ فِيهِ لِلْمُنَازَعَةِ فِيهِ فَلَا يُظَنُّ أَنَّا أَطَلْنَا النَّفَسَ فِيهِ لِخَفَائِهِ؛ بَلْ لِرَدِّهِ مَعَ جَلَائِهِ. وَلَك أَنْ تُعَبِّرَ عَنْ " هَذَا الْجَوَابِ " بِعِبَارَاتِ. إنْ شِئْت أَنْ تَقُولَ: " أَحَادِيثُ الْإِثْبَاتِ " أَثْبَتَتْ رُؤْيَةً مُطْلَقَةً لِلرِّجَالِ وَلِلنِّسَاءِ وَنَفْيُ الْمُقَيَّدِ لَا يَنْفِي الْمُطْلَقَ فَلَا يَكُونُ الْمُطْلَقُ مَنْفِيًّا فَلَا يَجُوزُ نَفْيُ مُوجَبِهِ. وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقُولَ: " أَحَادِيثُ الْإِثْبَاتِ " تَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَ " أَحَادِيثُ النَّفْيِ " تَنْفِي عَنْ النِّسَاءِ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لِلرِّجَالِ أَوْ مَا ثَبَتَ أَنَّ فِيهِ الرُّؤْيَةَ أَوْ تَنْفِي عَنْ النِّسَاءِ الرُّؤْيَةَ فِي الْمَوْطِنَيْنِ اللَّذَيْنِ أُخْبِرُوا بِالرُّؤْيَةِ فِيهِمَا؛ لَكِنَّ هَذَا سَلْبٌ فِي حَالٍ مَخْصُوصٍ؛ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا سِوَاهُمَا: لَا بِنَفْيٍ وَلَا بِإِثْبَاتِ؛ وَالْمَسْلُوبُ عَنْهُ لَا يُعَارِضُ الْعَامَّ.

    vol. 7, p. 449
  5. وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقُولَ: الْقَضِيَّةُ الْمُوجَبَةُ الْمُطْلَقَةُ لَا يُنَاقِضُهَا إلَّا سَلْبٌ كُلِّيٌّ؛ وَلَيْسَ هَذَا سَلْبًا كُلِّيًّا فَلَا يُنَاقِضُ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مُوجَبِ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقُولَ: لَيْسَ فِي ذِكْرِ هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ إلَّا عَدَمُ الْإِخْبَارِ بِغَيْرِهِمَا وَعَدَمُ الْإِخْبَارِ بِثَوَابِ مُعَيَّنٍ - مِنْ نَظَرٍ أَوْ غَيْرِهِ - لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ كَيْفَ وَهَذَا الثَّوَابُ مِمَّا أَخْفَاهُ اللَّهُ؟ وَإِذَا كَانَ عَدَمُ الْإِخْبَارِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ. وَالْعُمُومُ اللَّفْظِيُّ وَالْمَعْنَوِيُّ إمَّا قَاطِعٌ وَإِمَّا ظَاهِرٌ فِي دُخُولِ النِّسَاءِ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ الدَّلِيلِ مُخَصِّصًا لِلدَّلِيلِ - سَوَاءٌ كَانَ ظَاهِرًا أَوْ قَاطِعًا - وَكُلُّ هَذَا كَمَا أَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ الضَّرُورِيِّ فَهُوَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ. وَإِنَّمَا يَنْشَأُ الْغَلَطُ مِنْ حَيْثُ يَسْمَعُ السَّامِعُ مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ فِي " الرُّؤْيَةِ " عَامَّةً مُطْلَقَةً وَيَرَى أَحَادِيثَ أُخَرَ أَخْبَرَتْ بِرُؤْيَةِ مُقَيَّدَةٍ خَاصَّةٍ فَيُتَوَهَّمُ أَنْ لَا وُجُودَ لِتِلْكَ الْمُطْلَقَةِ الْعَامَّةِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمُقَيَّدَةِ أَوْ يَنْفِي دَلَالَةَ تِلْكَ الْعَامَّةِ؛ لِهَذَا الِاحْتِمَالِ كَرَجُلِ قَالَ: كُنْت أُدْخِلُ أَصْحَابِي دَارِي وَأُكْرِمُهُمْ. ثُمَّ قَالَ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ: أَدْخَلْت دَارِي فُلَانًا وَفُلَانًا مِنْ أَصْحَابِي فِي الْيَوْمِ الْفُلَانِيِّ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ سَائِرَ أَصْحَابِهِ لَمْ يُدْخِلْهُمْ - لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُمْ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ - فَقَدْ غَلِطَ وَقِيلَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ لَك أَنَّهُ مَا أَدْخَلَهُمْ فِي وَقْتٍ آخَرَ؟ فَإِذَا قَالَ: يُمْكِنُ أَنَّهُ أَدْخَلَهُمْ وَيُمْكِنُ أَنَّهُ مَا أَدْخَلَهُمْ فَأَنَا أَقِفُ قِيلَ لَهُ: فَقَدْ قَالَ: كُنْت أُدْخِلُ أَصْحَابِي دَارِي وَهَذَا يَعُمُّ جَمِيعَ أَصْحَابِهِ.

    vol. 7, p. 452
  6. وَنَحْنُ لَا نُنَازِعُ فِي أَنَّ " اللَّفْظَ الْعَامَّ " يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ عَدَمِ هَذِهِ الْقَرِينَةِ فَمَعَ وُجُودِهَا أَوْكَدُ؛ لَكِنْ نُنَازِعُ فِي " الظُّهُورِ " فَنَقُولُ: هَذَا الِاحْتِمَالُ الْمَرْجُوحُ لَا يَمْنَعُ ظُهُورَ الْعُمُومِ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَكُونُ الْعُمُومُ هُوَ الظَّاهِرَ - وَإِنْ كَانَ مَا سِوَاهُ مُمْكِنًا - وَأَمَّا سَائِرُ " الْأَجْوِبَةِ " فَفِي تَقْرِيرِ أَنَّ " الرُّؤْيَةَ " تَقَعُ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ. الْجَوَابُ الرَّابِعُ أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ " حَدِيثَ الْمَرَّتَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ " يُعَارِضُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الْعَامَّةِ - لَفْظًا وَمَعْنًى - لَمَا كَانَ الْوَاجِبُ دَفْعَ دَلَالَةِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ " أَوَّلًا " لِمَا فِي إسْنَادِهِ مِنْ الْمَقَالِ؛ وَلِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ إخْرَاجَ أَكْثَرِ أَفْرَادِ اللَّفْظِ الْعَامِّ بِمِثْلِ هَذَا التَّخْصِيصِ وَهَذَا إمَّا مُمْتَنِعٌ وَإِمَّا بَعِيدٌ وَمُسْتَلْزِمٌ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ بِلَا وُجُودِ مَانِعٍ وَلَا فَوَاتِ شَرْطٍ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ أَوْ مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ مَانِعٍ وَهَذَا بَعِيدٌ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلِ قَوِيٍّ.

    vol. 7, p. 453
  7. الْجَوَابُ الْخَامِسُ لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ لَا رُؤْيَةَ إلَّا مَا فِي هَذَيْنِ فَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَرَيْنَ اللَّهَ فِيهِمَا جَمِيعًا؟ وَهَبْ أَنَا سَلَّمْنَا أَنَّهُنَّ لَا يَرَيْنَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَمِنْ أَيْنَ أَنَّهُنَّ لَا يَرَيْنَهُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ؟ وَقَوْلُ الْقَائِلِ: هَذِهِ أَعْلَى وَتِلْكَ أَدْنَى فَكَيْفَ يَحْرِمُ الْأَدْنَى مَنْ يُعْطِي الْأَعْلَى؟ فَعَنْهُ أَجْوِبَةٌ:

    vol. 7, p. 454أَحَدُهَا: أَنَّ الَّذِينَ مَيَّزُوا بِرُؤْيَةِ كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ شَرِكُوا الْبَاقِينَ فِي رُؤْيَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَصَارَ لَهُمْ النَّوْعَانِ جَمِيعًا؛ فَإِذَا كَانَ فَضْلُهُمْ بِالنَّوْعَيْنِ جَمِيعًا فَمَا الْمَانِعُ فِي أَنَّ بَعْضَ مَنْ دُونَهُمْ يَشْرَكُهُمْ فِي " الْجُمُعَةِ " دُونَ " رُؤْيَةِ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ " وَالْبَعْضُ الْآخَرُونَ يَشْرَكُونَهُمْ فِي " الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ " دُونَ " الْجُمُعَةِ " وَلَا يَكُونُ مَنْ لَهُ الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ دُونَ الْجُمُعَةِ أَعْلَى مُطْلَقًا؛ وَإِنَّمَا الْأَعْلَى مُطْلَقًا الَّذِي لَهُ الْجَمِيعُ. لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ أَعْلَى مِمَّنْ لَهُ الْجُمُعَةُ دُونَ " الْبَرْدَيْنِ " مِنْ الرِّجَالِ فَيُقَالُ: قَدْ لَا يَلْزَمُ هَذَا؛ بَلْ قَدْ تَكُونُ الْجُمُعَةُ وَحْدَهَا أَفْضَلَ مِنْ " الْبَرْدَيْنِ " وَحْدَهُمَا. وَقَدْ يُقَالُ: فَهَبْ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ. أَكْثَرُ مَا فِيهِ تَفْضِيلُ النِّسَاءِ عَلَى مَفْضُولِ الرِّجَالِ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا؛ لَكِنْ يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ امْرَأَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَفْضَلَ مِمَّنْ لَا يَرَى اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ أَنْ يَكُونَ مَفْضُولُ النِّسَاءِ أَفْضَلَ مِنْ مَفْضُولِ الرِّجَالِ فَيُتْرَكُ هَذَا الِاحْتِمَالُ وَيُقْتَصَرُ عَلَى الَّذِي قِيلَ وَهُوَ: أَنَّ الْأَعْلَى مُطْلَقًا الَّذِي لَهُ الْمَرَّتَانِ مَعَ الْجُمُعَةِ وَإِنَّمَا لَزِمَ هَذَا لِأَنَّا نَتَكَلَّمُ بِتَقْدِيرِ أَنَّ لَا رُؤْيَةَ إلَّا هَذَيْنِ؛ وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ بَاطِلٌ قَطْعًا. (الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ " الرُّؤْيَةَ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ " أَفْضَلُ مِنْ " رُؤْيَةِ الْجُمُعَةِ " ؟ نَعَمْ هِيَ أَكْثَرُ عَدَدًا لَكِنْ قَدْ يُفَضَّلُ ذَلِكَ فِي الْكَيْفِيَّةِ فَيَكُونُ أَحَدُ النَّوْعَيْنِ أَكْثَرَ عَدَدًا وَالْآخَرُ أَفْضَلَ نَوْعًا: كَدِينَارِ وَخَمْسَةِ دَرَاهِمَ

    vol. 7, p. 455وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مُمْكِنٌ إمْكَانًا قَرِيبًا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُثِيبُ عَبْدَهُ عَلَى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهَا بِقَدْرِ مَا يُثِيبُهُ عَلَى ثُلُثِ الْقُرْآنِ. وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. فَيُمْكِنُ فِي حَقِّ مَنْ حُرِمَ الْأَفْضَلَ فِي نَوْعِهِ أَنْ يُعْطَى النَّوْعَ الْمَفْضُولَ وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُهُ سَوَاءٌ كَانَ فَاضِلُ النَّوْعِ أَفْضَلَ مُطْلَقًا أَوْ كَانَا مُتَكَافِئَيْنِ عِنْدَ التَّقَابُلِ؛ وَفِي أَحَادِيثِ الْمَزِيدِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا؛ فَإِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدْ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا فَيَقُولُونَ: إنَّا جَالَسْنَا الْيَوْمَ رَبَّنَا الْجَبَّارَ فَيَحِقُّ لَنَا أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا بِهِ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: {فَلَيْسُوا إلَى شَيْءٍ أَحْوَجَ مِنْهُمْ إلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِيَزْدَادُوا نَظَرًا إلَى رَبِّهِمْ وَيَزْدَادُوا كَرَامَةً} . وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيَاقَ " الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ " عَلِمَ أَنَّ التَّجَلِّيَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لَهُ عِنْدَهُمْ وَقْعٌ عَظِيمٌ لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ؛ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا النَّوْعَ أَفْضَلُ مِنْ الرُّؤْيَةِ الْحَاصِلَةِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ أَكْثَرَ فَإِذَا مُنِعَ النِّسَاءُ مِنْ هَذَا الْفَضْلِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يُمْنَعْنَ مِمَّا دُونَهُ وَهَذَا بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ. (الْوَجْهُ الثَّالِثُ: هَبْ أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ أَفْضَلُ مُطْلَقًا مِنْ رُؤْيَةِ الْجُمْعَةِ فَلَا يَلْزَمُ حِرْمَانُهُنَّ مِنْ الثَّوَابِ الْمَفْضُولِ حِرْمَانَ مَا فَوْقَهُ مُطْلَقًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ قَدْ يَعْمَلُ عَمَلًا فَاضِلًا يَسْتَحِقُّ بِهِ أَجْرًا عَظِيمًا وَلَا يَعْمَلُ مَا هُوَ دُونَهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الْأَجْرَ وَمَا زَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَخُصُّ المفضولين مِنْ كُلِّ صِنْفٍ بِخَصَائِصَ لَا تَكُونُ لِلْفَاضِلِينَ وَهَذَا مُسْتَقِرٌّ فِي الْأَشْخَاصِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَفِي الْأَعْمَالِ.

  8. وَلَوْ كَانَ الْعَمَلُ الْفَاضِلُ يَحْصُلُ بِهِ جَمِيعُ الْمَفْضُولِ مُطْلَقًا لَمَا شَرَعَ الْمَفْضُولَ فِي وَقْتٍ؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إعْطَاءِ الْأَعْلَى إعْطَاءُ الْأَدْنَى مُطْلَقًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَنْعُ الْأَعْلَى مُطْلَقًا فَهَذَا مُمْكِنٌ إمْكَانًا شَرْعِيًّا فِي عَامَّةِ الثَّوَابَاتِ أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِينَ فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا يُعْطَوْنَ الدَّرَجَاتِ الدُّنَى ثُمَّ لَا يَكُونُ هَذَا نَقْصًا فِي حَقِّهِمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُرْضِي كُلَّ عَبْدٍ بِمَا آتَاهُ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَرْضَى النِّسَاءَ بِأَعْلَى " الرُّؤْيَةِ " عَنْ مَجْمُوعِ أَعْلَاهَا وَأَدْنَاهَا. وَاَلَّذِي يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ الْجُمُعَةِ جَزَاءً عَلَى عَمَلِ الْجُمُعَةِ فِي الدُّنْيَا؛ وَرُؤْيَةُ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ جَزَاءً عَلَى عَمَلِ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ فَهَذَا مُمْكِنٌ فِي الْعَقْلِ وَإِنْ لَمْ يَجِئْ بِهِ خَبَرٌ؛ وَإِذَا كَانَ مُمْكِنًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ مَنْعِهِنَّ " رُؤْيَةَ الْجُمُعَةِ " لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي فِيهِنَّ مَنْعُهُنَّ " رُؤْيَةَ الْبَرْدَيْنِ " مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي فِيهِنَّ. وَمِنْ الْمُمْكِنِ فِي الْعَقْلِ أَنَّهُنَّ إنَّمَا لَمْ يَشْهَدْنَ رُؤْيَةَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ مُجْتَمَعُ الرِّجَالِ. وَالْغَيْرَةُ فِي الْجَنَّةِ؛ أَلَا تَرَى {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى الْجَنَّةَ وَرَأَى قَصْرًا وَعَلَى بَابِهِ جَارِيَةٌ قَالَ: فَأَرَدْت أَنْ أَدْخُلَ فَذَكَرْت غَيْرَتَك فَقَالَ عُمَرُ: أَعَلَيْك أَغَارُ؟ .} وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهَذَا مُنْتَفٍ فِي رُؤْيَةِ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الرُّؤْيَةَ قَدْ تَحْصُلُ وَأَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مَنَازِلِهِمْ. ثُمَّ هَذَا مِنْ الْمُمْكِنِ أَنَّ " الرُّؤْيَةَ جَزَاءُ الْعَمَلِ " فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثَوَابُ شُهُودِ الْجُمُعَةِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ فِيهَا يَكُونُونَ فِي

    vol. 7, p. 457الدُّنُوِّ مِنْهُ عَلَى مِقْدَارِ مُسَارَعَتِهِمْ إلَى الْجُمُعَةِ وَتَفَاوُتِ الثَّوَابِ بِتَفَاوُتِ الْعَمَلِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْهُ وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ " إنَّهُ يَكُونُ بِمِقْدَارِ انْصِرَافِهِمْ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الدُّنْيَا " . وَمُوَافَقَةُ الثَّوَابِ لِلْعَمَلِ فِي وَقْتِهِ وَفِي قَدْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ جَزَاءً وِفَاقًا: يَقْتَضِي أَنَّ الْعَمَلَ سَبَبُهُ؛ وَبِدَلِيلِ أَنَّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَعُلِمَ أَنَّ ارْتِبَاطَ ثَوَابِهِ فِي الْآخِرَةِ بِعَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا؛ وَبِدَلِيلِ أَنَّ فِيهِ عِنْدَ مُنْصَرَفِ النَّاسِ مِنْ الْجُمُعَةِ رُجُوعَ الصَّالِحِينَ إلَى مَنَازِلِهِمْ وَرُجُوعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ إلَى رَبِّهِمْ. وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِحَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ الصَّالِحَ إذَا انْقَضَتْ الْجُمُعَةُ اشْتَغَلَ بِمَا أُبِيحُ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَأُولَئِكَ اشْتَغَلُوا بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ فَكَانُوا مُتَقَرِّبِينَ إلَيْهِ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَقَرُبُوا مِنْهُ بَعْدَ الْجُمْعَةِ فِي الْآخِرَةِ وَهَذِهِ " الْمُنَاسَبَةُ الظَّاهِرَةُ " الْمَشْهُودُ لَهَا بِالِاعْتِبَارِ تَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ التَّجَلِّيَ ثَوَابُ أَعْمَالِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَانْتِفَاءُ الرُّؤْيَةِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ لِعَدَمِ شُهُودِهِنَّ الْجُمُعَةَ؛ وَلِهَذَا رُوِيَ أَنَّهُنَّ يَرَيْنَهُ فِي الْعِيدِ كَمَا شُرِعَ لَهُنَّ شُهُودُ الْعِيدِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَمْرٌ غَرِيبٌ وَالْأَحَادِيثُ الْمَشْهُورَةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا لَيْسَ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ قَدْ سَمِعُوا أَحَادِيثَ الرُّؤْيَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يَسْمَعُوا هَذِهِ الزِّيَادَةَ.

    vol. 7, p. 456