هل يرى الكفار ربهم ثم يحجب عنهم؟

1 paragraph · vol. 7, p. 466

  1. وَزَرَ} {إلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} وَقَوْلُهُ: {إنَّ إلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} وَقَوْلُهُ: {إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ} وَقَوْلُهُ: {إلَيْهِ الْمَصِيرُ} وَقَوْلُهُ: {إنَّ إلَيْنَا إيَابَهُمْ} {ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} . لَكِنْ يَلْزَمُ هَؤُلَاءِ " مَسْأَلَةٌ " تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهَا وَهِيَ أَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَلْقَاهُ الْكُفَّارُ وَيَلْقَاهُ الْمُؤْمِنُونَ كَمَا قَالَ: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} {وَيَنْقَلِبُ إلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ} {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا} {وَيَصْلَى سَعِيرًا} وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي الْكُفَّارِ هَلْ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ مَرَّةً ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْهُمْ أَمْ لَا يَرَوْنَهُ بِحَالِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: {كَلَّا إنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} وَلِأَنَّ الرُّؤْيَةَ أَعْظَمُ الْكَرَامَةِ وَالنَّعِيمِ وَالْكُفَّارُ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.

    وَقَالَتْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ: بَلْ يَرَوْنَهُ ثُمَّ يَحْتَجِبُ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا مَعَ مُوَافَقَةِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ قَالُوا وَقَوْلُهُ: {لَمَحْجُوبُونَ} يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ عَايَنُوا ثُمَّ حُجِبُوا وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {إنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} فَعُلِمَ أَنَّ الْحَجْبَ كَانَ يَوْمئِذٍ. فَيُشْعِرُ بِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَجْبِ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ. فَأَمَّا الْمَنْعُ الدَّائِمُ مِنْ الرُّؤْيَةِ فَلَا يَزَالُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

    vol. 7, p. 467قَالُوا: وَرُؤْيَةُ الْكُفَّارِ لَيْسَتْ كَرَامَةً وَلَا نَعِيمًا؛ إذْ " اللِّقَاءُ " يَنْقَسِمُ إلَى لِقَاءٍ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَامِ وَلِقَاءٍ عَلَى وَجْهِ الْعَذَابِ فَهَكَذَا الرُّؤْيَةُ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا اللِّقَاءُ. وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ حَدِيثُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: {هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟} وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَأَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ وَابْنُ خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيدِ وَغَيْرِهِ قَالَ: {قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ إلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا. قَالَ: فَيَلْقَى الْعَبْدُ فَيَقُولُ: أَيْ فل أَلَمْ أُكْرِمْك وَأُسَوِّدْك وَأُزَوِّجْك وَأُسَخِّرْ لَك الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْك تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. يَا رَبِّ: قَالَ فَيَقُولُ: فَظَنَنْت أَنَّك مُلَاقِيَّ. فَيَقُولُ: لَا. فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاك كَمَا نَسِيتنِي. ثُمَّ قَالَ يَلْقَى الثَّانِيَ فَيَقُولُ لَهُ: مِثْلَ ذَلِكَ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ آمَنْت بِك وَبِكِتَابِك وَبِرُسُلِك وَصَلَّيْت وَصُمْت وَتَصَدَّقْت وَيُثْنِي بِخَيْرِ مَا اسْتَطَاعَ. فَيَقُولُ: هَاهُنَا إذًا. قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْك وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِفَخْذِهِ انْطِقِي؛ فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ فَذَلِكَ الْمُنَافِقُ لِيُعْذَرَ مِنْ نَفْسِهِ وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَتَمَامُ الْحَدِيثِ قَالَ: ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ أَلَا تَتَّبِعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ فَتَتَّبِعُ الشَّيَاطِينَ وَالصَّلِيبَ أَوْلِيَاؤُهُمْ إلَى جَهَنَّمَ وَبَقِينَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فَيَأْتِينَا رَبُّنَا فَيَقُولُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ فَنَقُولُ: مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ آمَنَّا بِرَبِّنَا وَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَهُوَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُوَ

    vol. 7, p. 468يَأْتِينَا وَهُوَ يُثَبِّتُنَا وَهُوَ ذَا مَقَامُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُ: انْطَلِقُوا. فَنَنْطَلِقُ حَتَّى نَأْتِيَ الْجِسْرَ وَعَلَيْهِ كَلَالِيبُ مِنْ نَارٍ تَخْطِفُ عِنْدَ ذَلِكَ حَلَّتْ الشَّفَاعَةُ لِي اللَّهُمَّ سَلِّمْ اللَّهُمَّ سَلِّمْ فَإِذَا جَاوَزُوا الْجِسْرَ فَكُلُّ مَنْ أَنْفَقَ زَوْجًا مِنْ الْمَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِمَّا يَمْلِكُ فَتُكَلِّمُهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ تَقُولُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ يَا مُسْلِمُ هَذَا خَيْرٌ. فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذَا عَبْدٌ لَا تَوَى عَلَيْهِ يَدَعُ بَابًا وَيَلِجُ مِنْ آخَرَ؟ فَضَرَبَ كَتِفَهُ وَقَالَ: إنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ} قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة حَفِظْته أَنَا وَرَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ وَرَدَّدَهُ عَلَيْنَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. وَسُئِلَ سُفْيَانُ عَنْ قَوْلِهِ: {تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ} فَقَالَ كَانَ الرِّجْلُ إذَا كَانَ رَأْسَ الْقَوْمِ كَانَ لَهُ الرُّبَاعُ وَهُوَ الرُّبُعُ. {وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ؛ حَيْثُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي عَلَى دِينٍ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِك مِنْك إنَّك مُسْتَحِلٌّ الرُّبَاعَ وَلَا يَحِلُّ لَك} . وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْنَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا؛ وَفِيهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرُّؤْيَةِ فَأَجَابَ بِثُبُوتِهَا ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِتَفْسِيرِهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ يَلْقَاهُ الْعَبْدُ وَالْمُنَافِقُ وَأَنَّهُ يُخَاطِبُهُمْ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ {أَنَّهُ يَتَجَلَّى لَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ مَرَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ بَعْدَ مَا تَجَلَّى لَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَيَسْجُدُ الْمُؤْمِنُونَ دُونَ الْمُنَافِقِينَ} وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

    vol. 7, p. 466