مراد أحمد وغيره من السلف في الاستثناء في الايمان
3 paragraphs · vol. 8, p. 450
- vol. 8, p. 450
وَقَالَ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنِي حَرْبُ بْنُ إسْمَاعِيلَ وَأَبُو دَاوُد قَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْت أَحْمَد: قَالَ: سَمِعْت سُفْيَانَ يَعْنِي ابْنَ عُيَيْنَة - يَقُولُ: إذَا سُئِلَ أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ لَمْ يُجِبْهُ وَيَقُولُ: سُؤَالُك إيَّايَ بِدْعَةٌ وَلَا أَشُكُّ فِي إيمَانِي وَقَالَ: إنْ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَيْسَ يَكْرَهُ وَلَا يُدَاخِلُ الشَّكُّ فَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ قَالَ: لَا نَشُكُّ فِي إيمَانِنَا وَإِنَّ السَّائِلَ لَا يَشُكُّ فِي إيمَانِ الْمَسْئُولِ وَهَذَا أَبْلَغُ وَهُوَ إنَّمَا يَجْزِمُ بِأَنَّهُ مُقِرٌّ مُصَدِّقٌ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ لَا يَجْزِمُ بِأَنَّهُ قَائِمٌ بِالْوَاجِبَاتِ. فَعُلِمَ أَنَّ أَحْمَد وَغَيْرَهُ مِنْ السَّلَفِ كَانُوا يَجْزِمُونَ وَلَا يَشُكُّونَ فِي وُجُودِ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ الْإِيمَانِ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَيَجْعَلُونَ الِاسْتِثْنَاءَ عَائِدًا إلَى الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ الْمُتَضَمِّنِ فِعْلَ الْمَأْمُورِ وَيَحْتَجُّونَ أَيْضًا بِجَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ فِيمَا لَا يَشُكُّ فِيهِ وَهَذَا " مَأْخَذٌ ثَانٍ " وَإِنْ كُنَّا لَا نَشُكُّ فِيمَا فِي قُلُوبِنَا مِنْ الْإِيمَانِ فَالِاسْتِثْنَاءُ فِيمَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ قَدْ جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحِكْمَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ قَالَ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ فَقَالَ: نَعَمْ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى شَكٍّ مَخَافَةً وَاحْتِيَاطًا لِلْعَمَلِ وَقَدْ اسْتَثْنَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ} {وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ} . وَقَالَ فِي الْمَيِّتِ: " وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إنْ شَاءَ اللَّهُ " فَقَدْ بَيَّنَ أَحْمَد أَنَّهُ يَسْتَثْنِي مَخَافَةً وَاحْتِيَاطًا لِلْعَمَلِ فَإِنَّهُ يَخَافُ أَنْ لَا يَكُونُ قَدْ كَمَّلَ الْمَأْمُورَ بِهِ فَيَحْتَاطُ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَقَالَ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى شَكٍّ؛ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ
vol. 8, p. 451شَكٍّ مِمَّا يَعْلَمُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ وَإِلَّا فَهُوَ يَشُكُّ فِي تَكْمِيلِ الْعَمَلِ الَّذِي خَافَ أَنْ لَا يَكُونَ كَمَّلَهُ؛ فَيَخَافُ مِنْ نَقْصِهِ وَلَا يَشُكُّ فِي أَصْلِهِ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي هَارُونَ: أَنَّ حبيش بْنَ سَنِّدِي حَدَّثَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ {قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وَقَفَ عَلَى الْمَقَابِرِ فَقَالَ: وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ} وَقَدْ نُعِيَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ وَعَلِمَ أَنَّهُ صَائِرٌ إلَى الْمَوْتِ وَفِي قِصَّةِ صَاحِبِ الْقَبْرِ " وَعَلَيْهِ حَيِيت وَعَلَيْهِ مُتّ وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَفِي {قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي وَهِيَ نَائِلَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا} {وَفِي مَسْأَلَةِ الرَّجُلِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدُنَا يُصْبِحُ جُنُبًا يَصُومُ؟ فَقَالَ: إنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ ثُمَّ أَصُومُ فَقَالَ: إنَّك لَسْت مِثْلَنَا أَنْتَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ} . وَهَذَا كَثِيرٌ وَأَشْبَاهُهُ عَلَى الْيَقِينِ. قَالَ: وَدَخَلَ عَلَيْهِ شَيْخٌ فَسَأَلَهُ عَنْ الْإِيمَانِ فَقَالَ لَهُ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ. فَقَالَ لَهُ: أَقُولُ: مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ: إنَّهُمْ يَقُولُونَ لِي إنَّك شَاكٍ؛ قَالَ: بِئْسَ مَا قَالُوا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: رُدُّوهُ فَقَالَ: أَلَيْسَ يَقُولُونَ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: هَؤُلَاءِ يَسْتَثْنُونَ. قَالَ لَهُ: كَيْفَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: قُلْ لَهُمْ: زَعَمْتُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ فَالْقَوْلُ قَدْ أَتَيْتُمْ بِهِ وَالْعَمَلُ لَمْ تَأْتُوا بِهِ فَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ لِهَذَا الْعَمَلِ قِيلَ لَهُ
vol. 8, p. 452يُسْتَثْنَى فِي الْإِيمَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ أَقُولُ: أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَسْتَثْنِي عَلَى الْيَقِينِ لَا عَلَى الشَّكِّ؛ ثُمَّ قَالَ: قَالَ اللَّهُ: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ دَاخِلُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. فَقَدْ بَيَّنَ أَحْمَد فِي كَلَامِهِ أَنَّهُ يَسْتَثْنِي مَعَ تَيَقُّنِهِ بِمَا هُوَ الْآنَ مَوْجُودٌ فِيهِ يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ وَقَلْبُهُ لَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ وَيَسْتَثْنِي لِكَوْنِ الْعَمَلِ مِنْ الْإِيمَانِ؛ وَهُوَ لَا يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ أَكْمَلَهُ بَلْ يَشُكُّ فِي ذَلِكَ فَنَفَى الشَّكَّ وَأَثْبَتَ الْيَقِينَ فِيمَا يَتَيَقَّنُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَأَثْبَتَ الشَّكَّ فِيمَا لَا يَعْلَمُ وُجُودَهُ وَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُسْتَحَبٌّ لِهَذَا الثَّانِي الَّذِي لَا يَعْلَمُ هَلْ أَتَى بِهِ أَمْ لَا وَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا لِمَا يَتَيَقَّنُهُ فَلَوْ اسْتَثْنَى لِنَفْسِ الْمَوْجُودِ فِي قَلْبِهِ جَازَ كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ} وَهَذَا أَمْرٌ مَوْجُودٌ فِي الْحَالِ لَيْسَ بِمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ كَوْنُهُ أَخْشَانَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَرْجُو أَنْ يَصِيرَ أَخْشَانَا لِلَّهِ؛ بَلْ هُوَ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ حِينَ هَذَا الْقَوْلِ أَخْشَانَا لِلَّهِ. كَمَا يَرْجُو الْمُؤْمِنُ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَقَبَّلَهُ مِنْهُ وَيَخَافُ أَنْ لَا يَكُونَ تَقَبَّلَهُ مِنْهُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {هُوَ الرَّجُلُ يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ} وَالْقَبُولُ هُوَ أَمْرٌ حَاضِرٌ أَوْ مَاضٍ وَهُوَ يَرْجُوهُ وَيَخَافُهُ وَذَلِكَ أَنَّ مَا لَهُ عَاقِبَةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ مَحْمُودَةً أَوْ مَذْمُومَةً وَالْإِنْسَانُ يَجُوزُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ. يُقَالُ: إنَّهُ يَرْجُوهُ وَإِنَّهُ يَخَافُهُ. فَتَعَلَّقَ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ بِالْحَاضِرِ وَالْمَاضِي لِأَنَّ عَاقِبَتَهُ الْمَطْلُوبَةَ وَالْمَكْرُوهَةَ مُسْتَقْبَلَةٌ. فَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَقَبَّلَ عَمَلَهُ فَيُثِيبَهُ عَلَيْهِ فَيَرْحَمَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَيَخَافُ أَنْ لَا يَكُونَ
- vol. 8, p. 453
تَقَبَّلَهُ فَيُحْرَمَ ثَوَابَهُ. كَمَا يَخَافُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ سَخِطَ عَلَيْهِ فِي مَعْصِيَتِهِ فَيُعَاقِبَهُ عَلَيْهَا.
-
وَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يَسْعَى فِيمَا يَطْلُبُهُ كَتَاجِرِ أَوْ بَرِيدٍ أَرْسَلَهُ فِي حَاجَتِهِ يَقْضِيهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَإِذَا مَضَى ذَلِكَ الْوَقْتُ يَقُولُ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ فُلَانٌ قَدْ قَضَى ذَلِكَ الْأَمْرَ وَقَضَاؤُهُ مَاضٍ لَكِنْ مَا يَحْصُلُ لِهَذَا مِنْ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَقَاصِدِهِ مُسْتَقْبَلٌ. وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي جَرَتْ عَادَةُ الْحَاجِّ بِدُخُولِهِمْ إلَى مَكَّةَ: أَرْجُو أَنْ يَكُونُوا دَخَلُوا وَيَقُولُ فِي سَرِيَّةٍ بُعِثَتْ إلَى الْكُفَّارِ: نَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ نَصَرَ الْمُؤْمِنِينَ وغنمهم وَيُقَالُ فِي نِيلِ مِصْرَ عِنْدَ وَقْتِ ارْتِفَاعِهِ: نَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ صَعِدَ النِّيلُ كَمَا يَقُولُ الْحَاضِرُ فِي مِصْرَ مِثْلَ هَذَا الْوَقْتِ: نَرْجُو أَنْ يَكُونَ النِّيلُ فِي هَذَا الْعَامِ نِيلًا مُرْتَفِعًا وَيُقَالُ لِمَنْ لَهُ أَرْضٌ يُحِبُّ أَنْ تُمْطِرَ إذَا مَطَرَتْ بَعْضُ النَّوَاحِي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْمَطَرُ عَامًّا وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ قَدْ مُطِرَتْ الْأَرْضُ الْفُلَانِيَّةُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْجُوَّ هُوَ مَا يَفْرَحُ بِوُجُودِهِ وَيُسْرِهِ فَالْمَكْرُوهُ مَا يَتَأَلَّمُ بِوُجُودِهِ. وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِلْمِ وَالْعِلْمُ بِذَلِكَ مُسْتَقْبَلٌ فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ انْتَصَرُوا وَالْحَاجَّ قَدْ دَخَلُوا أَوْ الْمَطَرَ قَدْ نَزَلَ فَرِحَ بِذَلِكَ وَحَصَلَ بِهِ مَقَاصِدُ أُخَرُ لَهُ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ الْمَحْبُوبُ الْمَطْلُوبُ فَيَقُولُ: أَرْجُو وَأَخَافُ لِأَنَّ الْمَحْبُوبَ وَالْمَكْرُوهَ مُتَعَلِّقٌ بِالْعِلْمِ بِذَلِكَ وَهُوَ مُسْتَقْبَلٌ وَكَذَلِكَ الْمَطْلُوبُ بِالْإِيمَانِ مِنْ السَّعَادَةِ وَالنَّجَاةِ هُوَ أَمْرُ مُسْتَقْبَلٍ فَيُسْتَثْنَى فِي الْحَاضِرِ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ بِهِ مُسْتَقْبَلٌ ثُمَّ كُلُّ مَطْلُوبٍ مُسْتَقْبَلٌ تَعَلَّقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ