القدرة هي قدرته على الفعل

4 paragraphs · vol. 9, p. 18

  1. وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} فَإِنَّ قَتْلَهُمْ حَصَلَ بِأُمُورِ خَارِجَةٍ عَنْ قُدْرَتِهِمْ مِثْلَ إنْزَالِ الْمَلَائِكَةِ وَإِلْقَاءِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ وَكَذَلِكَ الرَّمْيُ لَمْ يَكُنْ فِي قُدْرَتِهِ أَنَّ التُّرَابَ يُصِيبُ أَعْيُنَهُمْ كُلَّهُمْ وَيُرْعِبُ قُلُوبَهُمْ فَالرَّمْيُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ خَارِجًا عَنْ قُدْرَةِ الْعَبْدِ الْمُعْتَادِ هُوَ الرَّمْيُ الَّذِي نَفَاهُ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَا ظَفِرْت أَنْتَ وَلَا أَصَبْت وَلَكِنَّ اللَّهَ ظَفَرَك وَأَيَّدَك. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَا بَلَغَ رَمْيُك كَفًّا مِنْ تُرَابٍ أَوْ حَصًى أَنْ يَمْلَأَ عُيُونَ ذَلِكَ الْجَيْشِ الْكَثِيرِ إنَّمَا اللَّهُ تَوَلَّى ذَلِكَ. وَذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مَا رَمَيْت قُلُوبَهُمْ بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْت وُجُوهَهُمْ بِالتُّرَابِ. وَلِهَذَا كَانَ هَذَا أَمْرًا خَارِجًا عَنْ مَقْدُورِهِ فَكَانَ مِنْ آيَاتِ نُبُوَّتِهِ. وَقِيلَ بَلْ الرَّبُّ تَعَالَى لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى الْمَخْلُوقِ الْمُنْفَصِلِ لَا يَقُومُ بِهِ فِعْلٌ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَالْعَبْدُ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى مَا يَقُومُ بِذَاتِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ وَهَذَا قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ: كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الزَّاغُونِي وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: إنَّ الْعَبْدَ يَقْدِرُ عَلَى هَذَا وَهَذَا وَالرَّبُّ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى الْمُنْفَصِلِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَقِيلَ إنَّ كِلَيْهِمَا يَقْدِرُ عَلَى مَا يَقُومُ بِهِ دُونَ الْمُنْفَصِلِ وَمَا عَلِمْت أَحَدًا قَالَ: كِلَاهُمَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُنْفَصِلِ دُونَ الْمُتَّصِلِ.

    vol. 9, p. 18
  2. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ قُدْرَتُهُ عَلَى الْفِعْلِ وَالْفِعْلُ " نَوْعَانِ " :

    vol. 9, p. 19لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ وَ " النَّوْعَانِ " فِي قَوْلِهِ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} فَالِاسْتِوَاءُ وَالْإِتْيَانُ وَالْمَجِيءُ وَالنُّزُولُ وَنَحْوُ ذَلِكَ أَفْعَالٌ لَازِمَةٌ لَا تَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولٍ؛ بَلْ هِيَ قَائِمَةٌ بِالْفَاعِلِ وَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِعْطَاءِ وَالْمَنْعِ وَالْهُدَى وَالنَّصْرِ وَالتَّنْزِيلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ تَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولٍ. وَالنَّاسُ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ عَلَى " ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ " : مِنْهُمْ مَنْ لَا يُثْبِتُ فِعْلًا قَائِمًا بِالْفَاعِلِ لَا لَازِمًا وَلَا مُتَعَدِّيًا أَمَّا اللَّازِمُ فَهُوَ عِنْدَهُ مُنْتَفٍ وَأَمَّا الْمُتَعَدِّي: كَالْخَلْقِ فَيَقُولُ: الْخَلْقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ أَوْ مَعْنَى غَيْرِ الْمَخْلُوقِ وَهَذَا قَوْلُ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ كَالْأَشْعَرِيِّ وَمُتَّبِعِيهِ وَهَذَا أَوَّلُ قَوْلَيْ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَقَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ. وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ يَقُولُونَ: الْخَلْقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: هُوَ غَيْرُهُ لَكِنْ يَقُولُونَ: بِأَنَّ الْخَلْقَ لَهُ خَلْقٌ آخَرُ كَمَا يَقُولُهُ مَعْمَرُ بْنُ عَبَّادٍ؛ وَيُسَمَّوْنَ أَصْحَابَ الْمَعَانِي الْمُتَسَلْسِلَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْخَلْقُ هُوَ نَفْسُ الْإِرَادَةِ كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. وَ " الْقَوْلُ الثَّانِي " : أَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّيَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ دُونَ اللَّازِمِ فَيَقُولُونَ: الْخَلْقُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ هُوَ الْمَخْلُوقَ. وَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ.

  3. مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ حَادِثًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ قَدِيمًا فَيَقُولُ التَّخْلِيقُ وَالتَّكْوِينُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ. وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ عَيْنَ التَّخْلِيقِ شَيْئًا وَاحِدًا هُوَ قَدِيمٌ وَالْمَخْلُوقِينَ مَادَّتُهُ؛ وَلَكِنَّهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ وَلَا يُثْبِتُونَ نُزُولًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَلَا اسْتِوَاءً؛ لِأَنَّ هَذِهِ حَوَادِثُ وَهَذَا قَوْلُ: الْكُلَّابِيَة الَّذِينَ يَقُولُونَ: فِعْلُهُ قَدِيمٌ مِثْلُ كَلَامِهِ كَمَا قَالَ أَصْحَابُ ابْنِ خُزَيْمَة وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْقَدِيمَ هُوَ النَّوْعَ وَأَفْرَادَهُ حَادِثَةً فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الْفِعْلُ نَفْسُهُ مَقْدُورًا وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهُ شَيْئًا مُعَيَّنًا فَهَؤُلَاءِ إنْ قَالُوا قَدِيمٌ تَنَاقَضُوا وَلَزِمَهُمْ أَنْ يَكُونَ الْقَدِيمُ الْمُعَيَّنُ مَقْدُورًا وَإِنْ قَالُوا هُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ تَنَاقَضُوا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَ (الْقَوْلُ الثَّالِثُ إثْبَاتُ الْفِعْلَيْنِ: اللَّازِمِ وَالْمُتَعَدِّي كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فَنَقُولُ: إنَّهُ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ: أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَهُوَ قَوْلُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ الِاخْتِيَارِيَّةُ - كَأَصْحَابِ أَبِي مُعَاذٍ وَزُهَيْرٍ الْبَابِيِّ ودَاوُد بْنِ عَلِيٍّ؛ والكَرَّامِيَة وَغَيْرِهِمْ مِنْ الطَّوَائِفِ وَإِنْ كَانَتْ الكَرَّامِيَة يَقُولُونَ بِأَنَّ النُّزُولَ وَالْإِتْيَانَ أَفْعَالٌ تَقُومُ بِهِ - وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ وَيَجِيءَ وَيَنْزِلَ وَيَسْتَوِيَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَهَذَا هُوَ الْكَمَالُ.

    vol. 9, p. 20
  4. وَقَدْ صَرَّحَ أَئِمَّةُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّهُ " يَتَحَرَّكُ " كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ حَرْبٌ الكرماني عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَسَمَّى مِنْهُمْ: أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ؛ وَسَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ وَإِسْحَاقَ بْنَ إبْرَاهِيمَ وَغَيْرَهُمْ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدارمي عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَجَعَلَ نَفْيَ الْحَرَكَةِ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَقْوَالِ الْجَهْمِيَّة الَّتِي أَنْكَرَهَا السَّلَفُ وَقَالَ: كُلُّ حَيٍّ مُتَحَرِّكٌ وَمَا لَا يَتَحَرَّكُ فَلَيْسَ بِحَيِّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا قَالَ لَك الجهمي: أَنَا كَافِرٌ بِرَبِّ يَتَحَرَّكُ. فَقُلْ: أَنَا مُؤْمِنٌ بِرَبِّ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ مَنْ جَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ غَيْرَ مُمْكِنَةٍ وَلَا مَقْدُورَةٍ لَهُ فَقَدْ جَعَلَهُ دُونَ الْجَمَادِ فَإِنَّ الْجَمَادَ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَحَرَّكُ بِنَفْسِهِ فَهُوَ يَقْبَلُ الْحَرَكَةَ فِي الْجُمْلَةِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ بِوَجْهِ وَلَا تُمْكِنُهُ الْحَرَكَةُ وَالْحَرَكَةُ وَالْفِعْلُ صِفَةُ كَمَالٍ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ. فَاَلَّذِينَ يَنْفُونَ تِلْكَ الصِّفَاتِ سَلَبُوهُ صِفَاتِ الْكَمَالِ؛ فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْكُلَّابِيَة. وَأُولَئِكَ " نفاة الصِّفَاتِ " إذَا قِيلَ لَهُمْ: لَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا عَلِيمًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا: لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا - جَاهِلًا - أَصَمَّ - أَعْمَى - أَخْرَسَ - وَهَذِهِ نَقَائِصُ يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهَا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ خَلَقَ مَنْ هُوَ حَيٌّ سَمِيعٌ بَصِيرٌ مُتَكَلِّمٌ عَالِمٌ؛ قَادِرٌ مُتَحَرِّكٌ؛ فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ كُلَّ كَمَالٍ فِي الْمَخْلُوقِ الْمَعْلُولِ فَهُوَ مِنْ كَمَالِ الْخَالِقِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ عِلَّةً فَاعِلِيَّةً.

    vol. 9, p. 21