دوام كونه - عز وجل - قادر في الأزل والأبد

2 paragraphs · vol. 9, p. 29

  1. هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ وَأَنْزَلَهُ فَجَعَلَهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا بِفِعْلِ قَامَ بِنَفْسِهِ وَهُوَ تَكَلَّمَ بِهِ وَاخْتَارَهُ لِأَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ عَرَبِيًّا - عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْسِنَةِ - بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَأَنْزَلَهُ بِهِ. وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَد: الْجَعْلُ مِنْ اللَّهِ قَدْ يَكُونُ خَلْقًا وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ خَلْقٍ فَالْجَعْلُ فِعْلٌ وَالْفِعْلُ قَدْ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا إلَى مَفْعُولٍ مُبَايِنٍ لَهُ: كَالْخَلْقِ وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ لَازِمًا وَإِنْ كَانَ لَهُ مَفْعُولٌ فِي اللُّغَةِ كَانَ مَفْعُولُهُ قَائِمًا بِالْفِعْلِ: مِثْلَ التَّكَلُّمِ؛ فَإِنَّ التَّكَلُّمَ فِعْلٌ يَقُومُ بِالْمُتَكَلِّمِ وَالْكَلَامُ نَفْسُهُ قَائِمٌ بِالْمُتَكَلِّمِ؛ فَهُوَ سُبْحَانَهُ جَعَلَهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا فَالْجَعْلُ قَائِمٌ بِهِ وَالْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ قَائِمٌ بِهِ فَإِنَّ " الْكَلَامَ " يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ: يَتَضَمَّنُ فِعْلًا: هُوَ التَّكَلُّمُ وَالْحُرُوفُ الْمَنْظُومَةُ وَالْأَصْوَاتُ الْحَاصِلَةُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ. وَلِهَذَا يُجْعَلُ الْقَوْلُ تَارَةً نَوْعًا مِنْ الْفِعْلِ؛ وَتَارَةً قَسِيمًا لِلْفِعْلِ كَمَا قَدْ بُسِطَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرْت فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ مَا احْتَجَّ أَحَدٌ بِدَلِيلِ سَمْعِيٍّ أَوْ عَقْلِيٍّ عَلَى بَاطِلٍ إلَّا وَذَلِكَ الدَّلِيلُ إذَا أُعْطِيَ حَقَّهُ وَمُيِّزَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِمَّا لَا يَدُلُّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْمُبْطِلِ الْمُحْتَجِّ بِهِ؛ وَأَنَّهُ دَلِيلٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ وَأَنَّ الْأَدِلَّةَ الصَّحِيحَةَ لَا يَكُونُ مَدْلُولُهَا إلَّا حَقًّا وَالْحَقُّ لَا يَتَنَاقَضُ بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

    vol. 9, p. 29
  2. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: دَوَامُ كَوْنِهِ قَادِرًا فِي الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ فَإِنَّهُ قَادِرٌ وَلَا

    vol. 9, p. 30يَزَالُ قَادِرًا عَلَى مَا يَشَاؤُهُ بِمَشِيئَتِهِ فَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ كَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَد. إلَى أَنْ قَالَ: وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} فَكَأَنَّهُ كَانَ فَمَضَى فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ {وَكَانَ اللَّهُ} {وَكَانَ اللَّهُ} فَإِنَّهُ يُجِلُّ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ وَسَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ لَمْ يُجِلَّهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ وَكَانَ أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ. رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حميد فِي تَفْسِيرِهِ مُسْنَدًا مَوْصُولًا وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا فِي تَفْسِيرِهِ وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ عَبْدٍ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى تَنَازُعِ النَّاسِ فِي " مَسْأَلَةِ الْقُدْرَةِ " . وَفِي الْحَقِيقَةِ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ السَّلَفِ فَإِنَّهُ لَا يُثْبِتُ لِلَّهِ قُدْرَةً وَلَا يُثْبِتُهُ قَادِرًا فالْجَهْمِيَّة وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ الْمُجَبِّرَةُ وَالنَّافِيَةُ: حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لَيْسَ قَادِرًا وَلَيْسَ لَهُ الْمُلْكُ فَإِنَّ الْمُلْكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقُدْرَةَ؛ أَوْ الْمَقْدُورَ؛ أَوْ كِلَاهُمَا وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ؛ فَمَنْ لَمْ يُثْبِتْ لَهُ الْقُدْرَةَ حَقِيقَةً لَمْ يُثْبِتْ لَهُ مُلْكًا؛ كَمَا لَا يُثْبِتُونَ لَهُ حَمْدًا. إلَى أَنْ قَالَ: وَ (أَيْضًا فَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ: الْقَيُّومُ الصَّمَدُ الْوَاجِبُ الْوُجُودُ بِنَفَسِهِ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ؛ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ مِنْ الْمُمْكِنِ الْمُحْدَثِ الْمُفْتَقِرِ؛ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ وَالْفِعْلِ؛ وَالْقَيُّومُ