قول من يجعل العلة الغائية قديمة كما يجعل العلة الفاعلية قديمة

4 paragraphs · vol. 9, p. 84

  1. لِمَطْلُوبِ يَطْلُبُهُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ كَانَ حُصُولُ الْمَطْلُوبِ بَعْدَ الْفِعْلِ فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَطْلُوبَ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ قَدِيمًا كَانَ الْفِعْلُ قَدِيمًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. فَلَوْ قِيلَ: إنَّهُ يَفْعَلُ لِعِلَّةِ قَدِيمَةٍ لَزِمَ أَنْ لَا يَحْدُثَ شَيْءٌ مِنْ الْحَوَادِثِ وَهُوَ خِلَافُ الْمُشَاهَدَةِ وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ فَعَلَ لِعِلَّةِ حَادِثَةٍ لَزِمَ مَحْذُورَانِ:

    أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ؛ فَإِنَّ الْعِلَّةَ إذَا كَانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ فَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ مِنْهَا حُكْمٌ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا أَوْلَى بِهِ مِنْ عَدَمِهَا وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ عَادَ إلَيْهِ مِنْهَا حُكْمٌ كَانَ ذَلِكَ حَادِثًا فَتَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ.

    vol. 9, p. 84
  2. الْمَحْذُورُ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّسَلْسُلَ مِنْ وَجْهَيْنِ

    أَحَدُهُمَا: أَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ الْحَادِثَةَ الْمَطْلُوبَةَ بِالْفِعْلِ هِيَ أَيْضًا مِمَّا يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ لَزِمَ الْعَبَثُ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَتْ لِعِلَّةِ عَادَ التَّقْسِيمُ فِيهَا فَإِذَا كَانَ كُلُّ مَا أَحْدَثَهُ أَحْدَثَهُ لِعِلَّةِ وَالْعِلَّةُ مِمَّا أَحْدَثَهُ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الْحَوَادِثِ

    الثَّانِي: أَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ مُرَادَةً لِنَفْسِهَا أَوْ لِعِلَّةِ أُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ مُرَادَةً لِنَفْسِهَا امْتَنَعَ حُدُوثُهَا لِأَنَّ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِذَاتِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ لَا يُؤَخِّرُ إحْدَاثَهُ وَإِنْ كَانَتْ مُرَادَةً لِغَيْرِهَا فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ الْغَيْرِ كَالْقَوْلِ فِيهَا وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ. فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ حُجَجِ مَنْ يَنْفِي تَعْلِيلَ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْكَامِهِ.

  3. وَالتَّقْدِيرُ الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يَجْعَلُ الْعِلَّةَ الغائية قَدِيمَةً كَمَا يَجْعَلُ الْعِلَّةَ الْفَاعِلِيَّةَ

    vol. 9, p. 85قَدِيمَةً كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَكَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، وَهَؤُلَاءِ أَصْلُ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْمُبْدِعَ لِلْعَالَمِ عِلَّةٌ تَامَّةٌ تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا مَعْلُولُهَا. وَأَعْظَمُ حُجَجِهِمْ قَوْلُهُمْ: إنَّ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كَوْنِهِ فَاعِلًا إنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْأَزَلِ لَزِمَ وُجُودُ الْمَفْعُولِ فِي الْأَزَلِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا مَعْلُولُهَا فَإِنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ لَمْ تَكُنْ جَمِيعُ شُرُوطِ الْفِعْلِ وُجِدَتْ فِي الْأَزَلِ فَإِنَّا لَا نَعْنِي بِالْعِلَّةِ التَّامَّةِ إلَّا مَا يَسْتَلْزِمُ الْمَعْلُولَ فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْهَا الْمَعْلُولُ لَمْ تَكُنْ تَامَّةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْعِلَّةُ التَّامَّةُ - الَّتِي هِيَ جَمِيعُ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْفِعْلِ وَهِيَ الْمُقْتَضِي التَّامُّ لِوُجُودِ الْفِعْلِ وَهِيَ جَمِيعُ شُرُوطِ الْفِعْلِ الَّتِي يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودُ الْفِعْلِ إنْ لَمْ يَكُنْ جَمِيعُهَا فِي الْأَزَلِ - فَلَا بُدَّ إذَا وُجِدَ الْمَفْعُولُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ تَجَدُّدِ سَبَبٍ حَادِثٍ وَإِلَّا لَزِمَ تَرْجِيحُ أَحَدِ طَرَفَيْ الْمُمْكِنِ بِلَا مُرَجِّحٍ وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ حَادِثٌ فَالْقَوْلُ فِي حُدُوثِهِ كَالْقَوْلِ فِي الْحَادِثِ الْأَوَّلِ وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ. قَالُوا فَالْقَوْلُ بِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِلْمَفْعُولِ يُوجِبُ إمَّا التَّسَلْسُلَ وَإِمَّا التَّرْجِيحَ بِلَا مُرَجِّحٍ. ثُمَّ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ عِلَّةً غائية لِلْفِعْلِ وَهِيَ بِعَيْنِهَا الْفَاعِلِيَّةُ وَلَكِنَّهُمْ مُتَنَاقِضُونَ فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ لَهُ الْعِلَّةَ الغائية وَيُثْبِتُونَ لِفِعْلِهِ الْعِلَّةَ الغائية وَيَقُولُونَ مَعَ هَذَا لَيْسَ لَهُ إرَادَةٌ بَلْ هُوَ مُوجِبٌ بِالذَّاتِ لَا فَاعِلٌ بِالِاخْتِيَارِ وَقَوْلُهُمْ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.

  4. مِنْهَا أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْقَوْلُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَحْدُثَ شَيْءٌ وَأَنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ حَدَثَ بِغَيْرِ إحْدَاثِ مُحْدِثٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ بُطْلَانَ هَذَا أَبْيَنُ مِنْ بُطْلَانِ التَّسَلْسُلِ وَبُطْلَانِ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ الْمُسْتَلْزِمَةَ لِمَعْلُولِهَا يَقْتَرِنُ بِهَا مَعْلُولُهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا شَيْءٌ مِنْ مَعْلُولِهَا فَكُلُّ مَا حَدَثَ مِنْ الْحَوَادِثِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ عَنْ هَذِهِ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَا تَصْدُرُ عَنْهُ الْمُمْكِنَاتُ سِوَى الْوَاجِبِ بِنَفَسِهِ الَّذِي سَمَّاهُ هَؤُلَاءِ عِلَّةً تَامَّةً فَإِذَا امْتَنَعَ صُدُورُ الْحَوَادِثِ عَنْهُ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَا يُحْدِثُهَا غَيْرُهُ لَزِمَ أَنْ تَحْدُثَ بِلَا مُحْدِثٍ. (وَأَيْضًا فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَحْدَثَهَا فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْوَاجِبِ الْأَوَّلِ وَأَصْلُ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْوَاجِبَ بِنَفْسِهِ عِلَّةٌ تَامَّةٌ تَسْتَلْزِمُ مُقَارَنَةَ مَعْلُولِهِ لَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ عَلَى قَوْلِهِمْ عَنْ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ حَادِثٌ لَا بِوَاسِطَةِ وَلَا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْوَاسِطَةَ إنْ كَانَتْ مِنْ لَوَازِمِ وُجُودِهِ كَانَتْ قَدِيمَةً مَعَهُ فَامْتَنَعَ صُدُورُ الْحَوَادِثِ عَنْهَا وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً كَانَ الْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي غَيْرِهَا. وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ الْمُحْدِثَ لِلْحَوَادِثِ غَيْرُ وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ كَانَ مُمْكِنًا مُفْتَقِرًا إلَى مُوجِبٍ يُوجِبُ بِهِ. ثُمَّ إنْ قِيلَ أَنَّهُ مُحْدَثٌ كَانَ مِنْ الْحَوَادِثِ وَإِنْ قِيلَ أَنَّهُ قَدِيمٌ كَانَ لَهُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهُ وَامْتَنَعَ حِينَئِذٍ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ عَنْهُ فَإِنَّ الْمُمْكِنَ لَا يُوجَدُ هُوَ وَلَا شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ إلَّا عَنْ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ؛ فَإِذَا قُدِّرَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ عَنْ مُمْكِنٍ قَدِيمٍ مَعْلُولٍ لِعِلَّةِ قَدِيمَةٍ قِيلَ: هَلْ حَدَثَ فِيهِ سَبَبٌ

    vol. 9, p. 87يَقْتَضِي الْحُدُوثَ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَحْدُثْ سَبَبٌ لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ وَإِنْ قِيلَ: حَدَثَ سَبَبٌ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ كَمَا تَقَدَّمَ. (الْوَجْهُ الثَّانِي الَّذِي يُبَيِّنُ بُطْلَانَ قَوْلِهِمْ أَنْ يُقَالَ: مَضْمُونُ الْحُجَّةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عِلَّةٌ قَدِيمَةٌ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ أَوْ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ وَالتَّسَلْسُلُ عِنْدَكُمْ جَائِزٌ فَإِنَّ أَصْلَ قَوْلِهِمْ إنَّ هَذِهِ الْحَوَادِثَ مُتَسَلْسِلَةٌ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَإِنَّ حَرَكَاتِ الْفَلَكِ تُوجِبُ اسْتِعْدَادَ الْقَوَابِلِ لِأَنْ تَفِيضَ عَلَيْهَا الصُّوَرُ الْحَادِثَةُ مِنْ الْعِلَّةِ الْقَدِيمَةِ سَوَاءٌ قُلْتُمْ: هِيَ الْعَقْلُ الْفَعَّالُ أَوْ هِيَ الْوَاجِبُ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْهُ بِتَوَسُّطِ الْعُقُولِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوَسَائِطِ وَإِذَا كَانَ التَّسَلْسُلُ جَائِزًا عِنْدَكُمْ لَمْ يَمْتَنِعْ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ عَنْ غَيْرِ عِلَّةٍ مُوجِبَةٍ لِلْمَعْلُولِ وَإِنْ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ؛ بَلْ هَذَا خَيْرٌ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ مِنْ قَوْلِكُمْ. وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ أَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمِلَلِ: الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ خَلَقَهَا بِسَبَبِ حَادِثٍ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ خَيْرًا مِنْ قَوْلِكُمْ إنَّهَا قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ مَعَهُ فِي الشَّرْعِ وَكَانَ أَوْلَى فِي الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى قِدَمِ هَذِهِ الْأَفْلَاكِ حَتَّى يُعَارِضَ الشَّرْعَ وَهَذِهِ الْحُجَّةُ الْعَقْلِيَّةُ إنَّمَا تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحْدُثُ شَيْءٌ إلَّا بِسَبَبِ حَادِثٍ فَإِذَا قِيلَ: إنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَا حَدَثَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي حُجَّتِكُمْ الْعَقْلِيَّةِ مَا يُبْطِلُ هَذَا. (الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يُقَالَ: حُدُوثُ حَادِثٍ بَعْدَ حَادِثٍ بِلَا نِهَايَةٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا فِي الْعَقْلِ أَوْ مُمْتَنِعًا؛ فَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا فِي الْعَقْلِ لَزِمَ أَنَّ الْحَوَادِثَ جَمِيعَهَا

    vol. 9, p. 86