الحركات إما طبيعية أو إرادية أو قسرية

2 paragraphs · vol. 9, p. 171

  1. الْأَشْكَالِ الْمُخْتَلِفَةِ لَيْسَتْ مَعْلُولَةً عَنْ حَرَكَةِ التَّاسِعِ بَلْ حَرَكَةُ التَّاسِعِ جُزْءُ السَّبَبِ كَمَا أَنَّ حَرَكَةَ كُلِّ فَلَكٍ جُزْءُ السَّبَبِ وَالشَّكْلُ الْفَلَكِيُّ حَادِثٌ عَنْ مَجْمُوعِ الْحَرَكَتَيْنِ أَوْ الْحَرَكَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ؛ فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ التِّسْعَةَ اقْتَرَنَتْ فَلَهَا سَبْعُ حَرَكَاتٍ بَلْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ - عِنْدَهُمْ - بِحَسَبِ الْأَفْلَاكِ الْأُخَرِ الزَّوَائِدِ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهَا بِالْحَرَكَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ كَالْأَفْلَاكِ الْبَدْرِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَكُونُ بِهِ اسْتِقَامَةُ الْكَوَاكِبِ وَرُجُوعُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ حَرَكَاتِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَنْ جَعَلَ حَرَكَةَ التَّاسِعِ هِيَ السَّبَبَ فِي جَمِيعِ الْحَوَادِثِ كَانَ قَوْلُهُ مُخَالِفًا لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَعِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ ثُمَّ إذَا قُدِّرَ أَنَّهَا سَبَبُ حَرَكَةِ جَمِيعِ الْأَفْلَاكِ فَلَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً بِإِحْدَاثِ شَيْءٍ مِنْ السُّحُبِ وَالرُّعُودِ وَالْبُرُوقِ وَالْأَمْطَارِ وَالنَّبَاتِ وَأَحْوَالِ الْحَيَوَانِ وَالْمَعْدِنِ؛ لِأَنَّ حَرَكَاتِ هَذِهِ الْأَجْسَامِ لَيْسَتْ كُلُّهَا عَنْ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ بَلْ فِيهَا قُوًى وَأَسْبَابٌ تُوجِبُ لَهَا حَرَكَاتٌ أُخَرُ كَمَا فِي كُلِّ فَلَكٍ مُبْتَدِئٍ حَرَكَةٌ لَيْسَتْ عَنْ الْفَلَكِ الْآخَرِ.

    vol. 9, p. 171
  2. وَالْحَرَكَاتُ كُلُّهَا: إمَّا " طَبِيعِيَّةٌ " وَإِمَّا " إرَادِيَّةٌ " وَإِمَّا " قَسْرِيَّةٌ " فَالْقَسْرِيَّةُ تَابِعَةٌ لِلْقَاسِرِ وَالطَّبِيعِيَّةُ هِيَ الَّتِي لَا إحْسَاسَ لِلْمُتَحَرِّكِ بِهَا كَحَرَكَةِ التُّرَابِ إلَى أَسْفَلَ وَالْإِرَادِيَّةُ هِيَ الَّتِي لِلْمُتَحَرِّكِ بِهَا حِسٌّ كَحَرَكَةِ الْحَيَوَانِ فَمَا كَانَ مِنْ هَذِهِ مُتَحَرِّكًا بِطَبْعِ فِيهِ أَوْ إرَادَةٍ فَمَبْدَأُ حَرَكَتِهِ مِنْهُ وَمَا كَانَ مَقْسُورًا فَقَاسِرُهُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ إنَّمَا يَقْسِرُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِعْدَادِ لِقَبُولِ قَسْرِهِ وَذَلِكَ مَعْنًى لَيْسَ

    vol. 9, p. 172مِنْ الْقَاسِرِ فَحَرَكَاتُ الْأَفْلَاكِ إذَا اجْتَمَعَتْ لَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً بِتَحْرِيكِ هَذِهِ الْأَجْسَامِ وَإِنْ جَازَ أَنْ تَكُونَ جُزْءًا لِلسَّبَبِ كَمَا نَشْهَدُ أَنَّ الشَّمْسَ جُزْءُ سَبَبٍ فِي نُمُوِّ بَعْضِ الْأَجْسَامِ وَرُطُوبَتِهَا وَيُبْسِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا فَلَهَا مَوَانِعُ وَمُعَارَضَاتٌ؛ إذْ مَا مِنْ سَبَبٍ يُقَدَّرُ إلَّا وَلَهُ مَانِعٌ إرَادِيٌّ أَوْ طَبِيعِيٌّ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ كَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي دَفْعِ الْبَلَاءِ النَّازِلِ مِنْ السَّمَاءِ وَلِهَذَا أُمِرْنَا بِذَلِكَ عِنْدَ الْكُسُوفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْآيَاتِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِلْعَذَابِ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ} وَأَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْكُسُوفِ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَتَاقَةِ. وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ الْمَشْهُودَةِ إذَا نَظَرْت إلَيْهَا - وَاحِدًا وَاحِدًا - مِنْ الْفَلَكِ التَّاسِعِ وَغَيْرِهِ وَجَدْتَهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِإِحْدَاثِ شَيْءٍ أَصْلًا؛ بَلْ لَا بُدَّ لِلْحَوَادِثِ مِنْ أَسْبَابٍ أُخَرَ وَإِنْ كَانَ هُوَ جُزْءَ سَبَبٍ وَلَهَا مُعَارَضَاتٌ أُخَرُ عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هُوَ الْمُحْدِثُ لِلْحَوَادِثِ الْمَشْهُودَةِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ هُوَ الْمُبْدِعُ لِلْأَجْسَامِ الْمُتَحَرِّكَةِ حَرَكَةً تُخَالِفُ حَرَكَتَهُ وَتَدْفَعُ مُوجِبَهَا؛ فَإِنَّ الشَّيْءَ لَا يُوجِبُ مَا يُضَادُّهُ وَيُخَالِفُهُ وَإِذَا كَانَ فِي الْأَجْسَامِ الْمُتَحَرِّكَةِ مَا يُخَالِفُ مُقْتَضَاهُ مُوجِبَ الْفَلَكَ - التَّاسِعِ وَمُقْتَضَاهُ -

    vol. 9, p. 173وَيُضَادُّهُ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عِلَّةَ الْآخَرِ لِأَنَّ الْمَعْلُولَ لَا يُضَادُّ عِلَّتَهُ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا لَهَا كَمَا أَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ ضِدًّا لِنَفْسِهِ وَلَا فَاعِلًا لِنَفْسِهِ فَإِنَّ مُضَادَّتَهُ لِنَفْسِهِ تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ تَابِعًا لِوُجُودِهِ فَيَكُونُ مَوْجُودًا مَعْدُومًا وَفِعْلُهُ لِنَفْسِهِ مَعَ كَوْنِ الْعِلَّةِ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْمَعْلُولِ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ نَفْسُهُ مَوْجُودَةً مَعْدُومَةً. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ " الْفَلَكَ التَّاسِعَ " إذَا لَمْ تَكُنْ الْحَوَادِثُ وَالْحَرَكَاتُ الَّتِي عَنْ قُوَى الْأَجْسَامِ مِنْهُ وَإِنَّمَا مِنْهُ حَرَكَةٌ عَرَضِيَّةٌ لَهَا فَأَلَّا تَكُونَ نَفْسَ الْأَجْسَامِ وَقُوَاهَا مِنْهُ أَوْلَى وَأَحْرَى وَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُحَرِّكَ لِلْأَفْلَاكِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَجْسَامِ الْمَشْهُودَةِ وَالْمُبْدِعَ لِهَذِهِ الْأَجْسَامِ بِسَبَبِ آخَرَ رَبٌّ غَيْرُهَا هُوَ الَّذِي أَبْدَعَهَا عَلَى صُوَرِهَا الْمُخْتَلِفَةِ وَحَرَّكَهَا بِالْحَرَكَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. ثُمَّ هَذِهِ الْكَوَاكِبُ إذَا كَانَتْ جُزْءَ السَّبَبِ مِنْ بَعْضِ الْحَوَادِثِ فَإِنَّمَا تَكُونُ جُزْءَ السَّبَبِ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ فَإِنَّهَا فِي حَالِ ظُهُورِهَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَظْهَرُ نُورُهَا وَأَثَرُهَا فَإِذَا أَفَلَتْ انْقَطَعَ نُورُهَا وَأَثَرُهَا فَلَا تَبْقَى حِينَئِذٍ سَبَبًا وَلَا جُزْءًا مِنْ السَّبَبِ وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} فَإِنَّهَا فِي حَالِ أُفُولِهَا قَدْ انْقَطَعَ أَثَرُهَا عَنَّا بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ تَبْقَ شُبْهَةٌ يَسْتَنِدُ إلَيْهَا الْمُتَعَلِّقُ بِهَا وَالرَّبُّ الَّذِي يُدْعَى وَيُسْأَلُ وَيُرْجَى وَيُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَيُّومًا يُقَيِّمُ الْعَبْدَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ كَمَا قَالَ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} وَقَالَ: {اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} فَهَذَا وَغَيْرُهُ مِنْ أَنْوَاعِ