سئل عن أبيات في معارضة الأمر بالقدر

4 paragraphs · vol. 9, p. 245

  1. أَوْرَدَهُ أَحَدُ عُلَمَاءِ الذِّمِّيِّينَ فَقَالَ:
  2. أَيَا عُلَمَاءَ الدِّينِ ذِمِّيُّ دِينِكُمْ … تَحَيَّرَ دُلُّوهُ بِأَوْضَحِ حُجَّةٍ

    إذَا مَا قَضَى رَبِّي بِكُفْرِي بِزَعْمِكُمْ … وَلَمْ يَرْضَهُ مِنِّي فَمَا وَجْهُ حِيلَتِي

    دَعَانِي وَسَدَّ الْبَابَ عَنِّي، فَهَلْ إلَى … دُخُولِي سَبِيلٌ بَيِّنُوا لِي قَضِيَّتِي

    قَضَى بِضَلَالِي ثُمَّ قَالَ ارْضَ بالقضا … فَمَا أَنَا رَاضٍ بِاَلَّذِي فِيهِ شِقْوَتِي

    فَإِنْ كُنْتُ بِالْمَقْضِيِّ يَا قَوْمُ رَاضِيَا … فَرَبِّي لَا يَرْضَى بِشُؤْمِ بَلِيَّتِي

    فَهَلْ لِي رِضَا مَا لَيْسَ يَرْضَاهُ سَيِّدِي … فَقَدْ حِرْتُ دُلُّونِي عَلَى كَشْفِ حِيرَتِي

    إذَا شَاءَ رَبِّي الْكُفْرَ مِنِّي مَشِيئَةً … فَهَلْ أَنَا عَاصٍ فِي اتِّبَاعِ الْمَشِيئَةِ

    وَهَلْ لِي اخْتِيَارٌ أَنْ أُخَالِفَ حُكْمَهُ … فَبِاَللَّهِ فَاشْفُوا بِالْبَرَاهِينِ عِلَّتِي

    فَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة مُرْتَجِلًا:

    الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

    vol. 9, p. 246سُؤَالُكَ يَا هَذَا سُؤَالُ مُعَانِدٍ … مُخَاصِمِ رَبِّ الْعَرْشِ بَارِي الْبَرِيَّةِ

    فَهَذَا سُؤَالٌ خَاصَمَ الْمَلَأَ الْعُلَا … قَدِيمًا بِهِ إبْلِيسُ أَصْلُ الْبَلِيَّةِ

    وَمَنْ يَكُ خَصْمًا لِلْمُهَيْمِنِ يَرْجِعَنْ … عَلَى أُمِّ رَأْسٍ هَاوِيًا فِي الْحَفِيرَةِ

    وَيُدْعَى خُصُومُ اللَّهِ يَوْمَ مُعَادِهِمْ … إلَى النَّارِ طَرًّا مَعْشَرَ الْقَدَرِيَّةِ

    سَوَاءٌ نَفَوْهُ، أَوْ سَعَوْا لِيُخَاصِمُوا … بِهِ اللَّهَ أَوْ مَارَوْا بِهِ لِلشَّرِيعَةِ

    وَأَصْلُ ضَلَالِ الْخَلْقِ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ … هُوَ الْخَوْضُ فِي فِعْلِ الْإِلَهِ بِعِلَّةِ

    فإنهمو لَمْ يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ … فَصَارُوا عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْجَاهِلِيَّةِ

    فَإِنَّ جَمِيعَ الْكَوْنِ أَوْجَبَ فِعْلَهُ … مَشِيئَةُ رَبِّ الْخَلْقِ بَارِي الْخَلِيقَةِ

    وَذَاتُ إلَهِ الْخَلْقِ وَاجِبَةٌ بِمَا … لَهَا مِنْ صِفَاتٍ وَاجِبَاتٍ قَدِيمَةِ

    مَشِيئَتُهُ مَعَ عِلْمِهِ ثُمَّ قُدْرَةٌ … لَوَازِمُ ذَاتِ اللَّهِ قَاضِي الْقَضِيَّةِ

    وَإِبْدَاعُهُ مَا شَاءَ مِنْ مُبْدِعَاتِهِ … بِهَا حِكْمَةٌ فِيهِ وَأَنْوَاعُ رَحْمَةِ

    وَلَسْنَا إذَا قُلْنَا جَرَتْ بِمَشِيئَةِ … مِنْ الْمُنْكِرِي آيَاتِهِ الْمُسْتَقِيمَةِ

    بَلْ الْحَقُّ أَنَّ الْحُكْمَ لِلَّهِ وَحْدَهُ … لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ الَّذِي فِي الشَّرِيعَةِ

    هُوَ الْمَلِكُ الْمَحْمُودُ فِي كُلِّ حَالَةٍ … لَهُ الْمُلْكُ مِنْ غَيْرِ انْتِقَاصٍ بِشِرْكَةِ

    فَمَا شَاءَ مَوْلَانَا الْإِلَهُ فَإِنَّهُ … يَكُونُ وَمَا لَا لَا يَكُونُ بِحِيلَةِ

    وَقُدْرَتُهُ لَا نَقْصَ فِيهَا وَحُكْمُهُ … يَعُمُّ فَلَا تَخْصِيصَ فِي ذِي الْقَضِيَّةِ

    vol. 9, p. 247أُرِيدَ بِذَا أَنَّ الْحَوَادِثَ كُلَّهَا … بِقُدْرَتِهِ كَانَتْ وَمَحْضِ الْمَشِيئَةِ

    وَمَالِكُنَا فِي كُلِّ مَا قَدْ أَرَادَهُ … لَهُ الْحَمْدُ حَمْدًا يَعْتَلِي كُلَّ مَدْحَةِ

    فَإِنَّ لَهُ فِي الْخَلْقِ رَحْمَتَهُ سَرَتْ … وَمَنْ حَكَمَ فَوْقَ الْعُقُولِ الْحَكِيمَةِ

    أُمُورًا يَحَارُ الْعَقْلُ فِيهَا إذَا رَأَى … مِنْ الْحِكَمِ الْعُلْيَا وَكُلَّ عَجِيبَةِ

    فَنُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ بِقُدْرَةِ … وَخَلْقٍ وَإِبْرَامٍ لِحُكْمِ الْمَشِيئَةِ

    فَنُثْبِتُ هَذَا كُلَّهُ لِإِلَهِنَا … وَنُثْبِتُ مَا فِي ذَاكَ مِنْ كُلِّ حِكْمَةِ

    وَهَذَا مَقَامٌ طَالَمَا عَجَزَ الْأُولَى … نَفَوْهُ وَكَرُّوا رَاجِعِينَ بِحِيرَةِ

    وَتَحْقِيقُ مَا فِيهِ بِتَبْيِينِ غَوْرِهِ … وَتَحْرِيرِ حَقِّ الْحَقِّ فِي ذِي الْحَقِيقَةِ

    هُوَ الْمَطْلَبُ الْأَقْصَى لِوُرَّادِ بَحْرِهِ … وَذَا عُسْرٍ فِي نَظْمِ هذي الْقَصِيدَةِ

    لِحَاجَتِهِ إلَى بَيَانٍ مُحَقِّقٍ … لِأَوْصَافِ مَوْلَانَا الْإِلَهِ الْكَرِيمَةِ

    وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَأَحْكَامِ دِينِهِ … وَأَفْعَالِهِ فِي كُلِّ هذي الْخَلِيقَةِ

    وَهَذَا بِحَمْدِ اللَّهِ قَدْ بَانَ ظَاهِرًا … وَإِلْهَامُهُ لِلْخَلْقِ أَفْضَلُ نِعْمَةِ

    وقد قِيلَ فِي هَذَا وَخَطُّ كِتَابِهِ … بَيَانُ شِفَاءٍ لِلنُّفُوسِ السَّقِيمَةِ

    فَقَوْلُكَ: لِمَ قَدْ شَاءَ؟ مِثْلُ سُؤَالِ مَنْ … يَقُولُ: فَلِمَ قَدْ كَانَ فِي الْأَزَلِيَّةِ

    وَذَاكَ سُؤَالٌ يُبْطِلُ الْعَقْلُ وَجْهَهُ … وَتَحْرِيمُهُ قَدْ جَاءَ فِي كُلِّ شِرْعَةِ

    وَفِي الْكَوْنِ تَخْصِيصٌ كَثِيرٌ يَدُلُّ مَنْ … لَهُ نَوْعُ عَقْلٍ أَنَّهُ بِإِرَادَةِ

    vol. 9, p. 248وَإِصْدَارُهُ عَنْ وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ … أَوْ الْقَوْلُ بِالتَّجْوِيزِ رَمْيَةُ حِيرَةِ

    وَلَا رَيْبَ فِي تَعْلِيقِ كُلِّ مُسَبَّبٍ … بِمَا قَبْلَهُ مِنْ عِلَّةٍ موجبية

    بَلْ الشَّأْنُ فِي الْأَسْبَابِ أَسْبَابُ مَا تَرَى … وَإِصْدَارُهَا عَنْ الْحُكْمِ مَحْضُ الْمَشِيئَةِ

    وَقَوْلُكَ: لِمَ شَاءَ الْإِلَهُ؟ هُوَ الَّذِي … أَزَلَّ عُقُولَ الْخَلْقِ فِي قَعْرِ حُفْرَةِ

  3. فَإِنَّ الْمَجُوسَ الْقَائِلِينَ بِخَالِقِ … لِنَفْعِ وَرَبٍّ مُبْدِعٍ لِلْمَضَرَّةِ

    سُؤَالُهُمْ عَنْ عِلَّةِ السِّرِّ أَوْقَعَتْ … أَوَائِلَهُمْ فِي شُبْهَةِ الثنوية

    وَإِنَّ ملاحيد الْفَلَاسِفَةِ الْأُولَى … يَقُولُونَ بِالْفِعْلِ الْقَدِيمِ لِعِلَّةِ

    بَغَوْا عِلَّةً لِلْكَوْنِ بَعْدَ انْعِدَامِهِ … فَلَمْ يَجِدُوا ذَاكُمْ فَضَلُّوا بِضَلَّةِ

    وَإِنَّ مبادي الشَّرِّ فِي كُلِّ أُمَّةٍ … ذَوِي مِلَّةٍ مَيْمُونَةٍ نَبَوِيَّةِ

    بخوضهمو فِي ذَاكُمْ صَارَ شِرْكُهُمْ … وَجَاءَ دُرُوسُ الْبَيِّنَاتِ بِفَتْرَةِ

    وَيَكْفِيكَ نَقْضًا أَنَّ مَا قَدْ سَأَلْتَهُ … مِنْ الْعُذْرِ مَرْدُودٌ لَدَى كُلِّ فِطْرَةِ

    فَأَنْتَ تَعِيبُ الطَّاعِنِينَ جَمِيعَهُمْ … عَلَيْكَ وَتَرْمِيهِمْ بِكُلِّ مَذَمَّةِ

    وَتَنْحَلُ مَنْ وَالَاكَ صَفْوَ مَوَدَّةٍ … وَتُبْغِضُ مَنْ ناواك مِنْ كُلِّ فِرْقَةِ

    وَحَالُهُمْ فِي كُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلَةٍ … كَحَالِكَ يَا هَذَا بِأَرْجَحِ حُجَّةِ

    وَهَبْكَ كَفَفْتَ اللَّوْمَ عَنْ كُلِّ كَافِرٍ … وَكُلِّ غَوِيٍّ خَارِجٍ عَنْ مَحَبَّةِ

    فَيَلْزَمُكَ الْإِعْرَاضُ عَنْ كُلِّ ظَالِمٍ … عَلَى النَّاسِ فِي نَفْسٍ وَمَالٍ وَحُرْمَةِ

    vol. 9, p. 249وَلَا تَغْضَبَنْ يَوْمًا عَلَى سَافِكٍ دَمًا … وَلَا سَارِقٍ مَالًا لِصَاحِبِ فَاقَةِ

    وَلَا شَاتِمٍ عِرْضًا مَصُونًا وَإِنْ عَلَا … وَلَا نَاكِحٍ فَرْجًا عَلَى وَجْهِ غِيَّةِ

    وَلَا قَاطِعٍ لِلنَّاسِ نَهْجَ سَبِيلِهِمْ … وَلَا مُفْسِدٍ فِي الْأَرْضِ فِي كُلِّ وجهة

    وَلَا شَاهِدٍ بِالزُّورِ إفْكًا وَفِرْيَةً … وَلَا قَاذِفٍ لِلْمُحْصَنَاتِ بِزَنْيَةِ

    وَلَا مُهْلِكٍ لِلْحَرْثِ وَالنَّسْلِ عَامِدًا … وَلَا حَاكِمٍ لِلْعَالَمِينَ بِرِشْوَةِ

    وَكُفَّ لِسَانَ اللَّوْمِ عَنْ كُلِّ مُفْسِدٍ … وَلَا تَأْخُذَنْ ذَا جرمة بِعُقُوبَةِ

    وَسَهِّلْ سَبِيلَ الْكَاذِبِينَ تَعَمُّدًا … عَلَى رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ جَاءٍ بِفِرْيَةِ

    وَإِنْ قَصَدُوا إضْلَالَ مَنْ يَسْتَجِيبُهُمْ … بِرَوْمِ فَسَادِ النَّوْعِ ثُمَّ الرِّيَاسَةِ

    وَجَادِلْ عَنْ الْمَلْعُونِ فِرْعَوْنَ إذْ طَغَى … فَأُغْرِقَ فِي الْيَمِّ انْتِقَامًا بِغَضْبَةِ

    وَكُلَّ كَفُورٍ مُشْرِكٍ بِإِلَهِهِ … وَآخَرَ طَاغٍ كَافِرٍ بِنُبُوَّةِ

    كَعَادٍ ونمروذ وَقَوْمٍ لِصَالِحِ … وَقَوْمٍ لِنُوحِ ثُمَّ أَصْحَابِ أَيْكَةِ

    وَخَاصِمْ لِمُوسَى ثُمَّ سَائِرِ مَنْ أَتَى … مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مُحْيِيًا لِلشَّرِيعَةِ

    عَلَى كَوْنِهِمْ قَدْ جَاهَدُوا النَّاسَ إذْ بَغَوْا … وَنَالُوا مِنْ الْمَعَاصِي بَلِيغَ الْعُقُوبَةِ

    vol. 9, p. 250وَإِلَّا فَكُلُّ الْخَلْقِ فِي كُلِّ لَفْظَةٍ … وَلَحْظَةِ عَيْنٍ أَوْ تَحَرُّكِ شَعْرَةِ

    وَبَطْشَةِ كَفٍّ أَوْ تَخَطِّي قَدِيمَةٍ … وَكُلِّ حَرَاكٍ بَلْ وَكُلِّ سَكِينَةِ

    همو تَحْتَ أَقْدَارِ الْإِلَهِ وَحُكْمِهِ … كَمَا أَنْتَ فِيمَا قَدْ أَتَيْتَ بِحُجَّةِ

    وَهَبْكَ رَفَعْتَ اللَّوْمَ عَنْ كُلِّ فَاعِلٍ … فِعَالَ رَدًى طَرْدًا لهذي الْمَقِيسَةِ

    فَهَلْ يُمْكِنُ رَفْعُ الْمَلَامِ جَمِيعِهِ … عَنْ النَّاسِ طَرًّا عِنْدَ كُلِّ قَبِيحَةِ؟

    وَتَرْكُ عُقُوبَاتِ الَّذِينَ قَدْ اعْتَدَوْا … وَتَرْكُ الْوَرَى الْإِنْصَافَ بَيْنَ الرَّعِيَّةِ

    فَلَا تُضْمَنَنْ نَفْسٌ وَمَالٌ بِمِثْلِهِ … وَلَا يُعْقَبَنْ عَادٌ بِمِثْلِ الْجَرِيمَةِ

    وَهَلْ فِي عُقُولِ النَّاسِ أَوْ فِي طِبَاعِهِمْ … قَبُولٌ لِقَوْلِ النَّذْلِ مَا وَجْهُ حِيلَتِي؟

    وَيَكْفِيكَ نَقْضًا مَا بِجِسْمِ ابْنِ آدَمَ … صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَكُلِّ بَهِيمَةِ

    مِنْ الْأَلَمِ الْمَقْضِيِّ فِي غَيْرِ حِيلَةٍ … وَفِيمَا يَشَاءُ اللَّهُ أَكْمَلُ حِكْمَةِ

    إذَا كَانَ فِي هَذَا لَهُ حِكْمَةٌ فَمَا … يُظَنُّ بِخَلْقِ الْفِعْلِ ثُمَّ الْعُقُوبَةِ؟

    وَكَيْفَ وَمِنْ هَذَا عَذَابٌ مُوَلَّدٌ … عَنْ الْفِعْلِ فِعْلِ الْعَبْدِ عِنْدَ الطَّبِيعَةِ؟

    كَآكِلِ سُمٍّ أَوْجَبَ الْمَوْتَ أَكْلُهُ … وَكُلٌّ بِتَقْدِيرِ لِرَبِّ الْبَرِيَّةِ

    vol. 9, p. 251فَكُفْرُكَ يَا هَذَا كَسُمِّ أَكَلْتَهُ … وَتَعْذِيبُ نَارٍ مِثْلُ جَرْعَةِ غُصَّةِ

    أَلَسْتَ تَرَى فِي هَذِهِ الدَّارِ مَنْ جَنَى … يُعَاقَبُ إمَّا بالقضا أَوْ بِشِرْعَةِ؟

    وَلَا عُذْرَ لِلْجَانِي بِتَقْدِيرِ خَالِقٍ … كَذَلِكَ فِي الْأُخْرَى بِلَا مَثْنَوِيَّةِ

    وَتَقْدِيرُ رَبِّ الْخَلْقِ لِلذَّنْبِ مُوجِبٌ … لِتَقْدِيرِ عُقْبَى الذَّنْبِ إلَّا بِتَوْبَةِ

    وَمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَتَابِ لِرَفْعِهِ … عَوَاقِبَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ الْخَبِيثَةِ

    كَخَيْرِ بِهِ تُمْحَى الذُّنُوبُ وَدَعْوَةٍ … تُجَابُ مِنْ الْجَانِي وَرَبِّ شَفَاعَةِ

    وَقَوْلُ حَلِيفِ الشَّرِّ إنِّي مُقَدَّرٌ … عَلَيَّ كَقَوْلِ الذِّئْبِ هذي طَبِيعَتِي

    وَتَقْدِيرُهُ لِلْفِعْلِ يَجْلِبُ نِقْمَةً … كَتَقْدِيرِهِ الْأَشْيَاءَ طَرًّا بِعِلَّةِ

  4. فَهَلْ يَنْفَعَنْ عُذْرُ الْمَلُومِ بِأَنَّهُ … كَذَا طَبْعُهُ أَمْ هَلْ يُقَالُ لِعَثْرَةِ؟

    أَمْ الذَّمُّ وَالتَّعْذِيبُ أَوْكَدُ لِلَّذِي … طَبِيعَتُهُ فِعْلُ الشُّرُورِ الشَّنِيعَةِ؟

    فَإِنْ كُنْتَ تَرْجُو أَنْ تُجَابَ بِمَا عَسَى … يُنْجِيكَ مِنْ نَارِ الْإِلَهِ الْعَظِيمَةِ

    vol. 9, p. 252فَدُونَكَ رَبُّ الْخَلْقِ فَاقْصِدْهُ ضَارِعًا … مُرِيدًا لِأَنْ يَهْدِيَكَ نَحْو الْحَقِيقَةِ

    وَذَلِّلْ قِيَادَ النَّفْسِ لِلْحَقِّ وَاسْمَعَنْ … وَلَا تُعْرِضَنْ عَنْ فِكْرَةٍ مُسْتَقِيمَةِ

    وَمَا بَانَ مِنْ حَقٍّ فَلَا تَتْرُكَنَّهُ … وَلَا تَعْصِ مَنْ يَدْعُو لِأَقْوَمِ شِرْعَةِ

    وَدَعْ دِينَ ذَا الْعَادَاتِ لَا تَتْبَعَنَّهُ … وَعُجْ عَنْ سَبِيلِ الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ

    وَمَنْ ضَلَّ عَنْ حَقٍّ فَلَا تَقْفُوَنَّهُ … وَزِنْ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ بالمعدلية

    هُنَالِكَ تَبْدُو طَالِعَاتٌ مِنْ الْهُدَى … تُبَشِّرُ مَنْ قَدْ جَاءَ بِالْحَنِيفِيَّةِ

    بِمِلَّةِ إبْرَاهِيمَ ذَاكَ إمَامُنَا … وَدِينِ رَسُولِ اللَّهِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ

    فَلَا يَقْبَلُ الرَّحْمَنُ دِينًا سِوَى الَّذِي … بِهِ جَاءَتْ الرسل الْكِرَامُ السَّجِيَّةِ

    وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحَاشِرُ الْخَاتَمُ الَّذِي … حَوَى كُلَّ خَيْرٍ فِي عُمُومِ الرِّسَالَةِ

    وَأَخْبَرَ عَنْ رَبِّ الْعِبَادِ بِأَنَّ مَنْ … غَدَا عَنْهُ فِي الْأُخْرَى بِأَقْبَحِ خَيْبَةِ

    فهذي دِلَالَاتُ الْعِبَادِ لِحَائِرِ … وَأَمَّا هُدَاهُ فَهُوَ فِعْلُ الرُّبُوبِيَّةِ

    وَفَقْدُ الْهُدَى عِنْدَ الْوَرَى لَا يُفِيدُ مَنْ … غَدَا عَنْهُ بَلْ يَجْرِي بِلَا وَجْهِ حُجَّةِ

    vol. 9, p. 253وَحُجَّةُ مُحْتَجٍّ بِتَقْدِيرِ رَبِّهِ … تَزِيدُ عَذَابًا كَاحْتِجَاجِ مَرِيضَةِ

    وَأَمَّا رِضَانَا بِالْقَضَاءِ فَإِنَّمَا … أُمِرْنَا بِأَنْ نَرْضَى بِمِثْلِ الْمُصِيبَةِ

    كَسَقَمِ وَفَقْرٍ ثُمَّ ذُلٍّ وَغُرْبَةِ … وَمَا كَانَ مِنْ مُؤْذٍ بِدُونِ جَرِيمَةِ

    فَأَمَّا الْأَفَاعِيلُ الَّتِي كُرِهَتْ لَنَا … فَلَا تُرْتَضَى مَسْخُوطَةً لِمَشِيئَةِ

    وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ لَا رِضًا … بِفِعْلِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ الْكَبِيرَةِ

    وَقَالَ فَرِيقٌ نَرْتَضِي بِقَضَائِهِ … وَلَا نَرْتَضِي الْمَقْضِيَّ أَقْبَحَ خَصْلَةِ

    وَقَالَ فَرِيقٌ نَرْتَضِي بِإِضَافَةِ … إلَيْهِ وَمَا فِينَا فَنُلْقِي بِسَخْطَةِ

    كَمَا أَنَّهَا لِلرَّبِّ خَلْقٌ وَإِنَّهَا … لِمَخْلُوقِهِ لَيْسَتْ كَفِعْلِ الْغَرِيزَةِ

    فَنَرْضَى مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ خَلْقُهُ … وَنَسْخَطُ مِنْ وَجْهِ اكْتِسَابِ الْخَطِيئَةِ

    وَمَعْصِيَةُ الْعَبْدِ الْمُكَلَّفِ تَرْكُهُ … لِمَا أَمَرَ الْمَوْلَى وَإِنْ بِمَشِيئَةِ

    فَإِنَّ إلَهَ الْخَلْقِ حَقٌّ مَقَالُهُ … بِأَنَّ الْعِبَادَ فِي جَحِيمٍ وَجَنَّةِ

    كَمَا أَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ هَكَذَا … بَلْ الْبُهْمُ فِي الْآلَامِ أَيْضًا وَنِعْمَةِ

    وَحِكْمَتُهُ الْعُلْيَا اقْتَضَتْ مَا اقْتَضَتْ مِنْ … الْفُرُوقِ بِعِلْمِ ثُمَّ أَيْدٍ وَرَحْمَةِ

    يَسُوقُ أُولِي التَّعْذِيبِ بِالسَّبَبِ الَّذِي … يُقَدِّرُهُ نَحْوَ الْعَذَابِ بِعِزَّةِ

    vol. 9, p. 254وَيَهْدِي أُولِي التَّنْعِيمِ نَحْوَ نَعِيمِهِمْ … بِأَعْمَالِ صِدْقٍ فِي رَجَاءٍ وَخَشْيَةِ

    وَأَمْرُ إلَهِ الْخَلْقِ بَيِّنُ مَا بِهِ … يَسُوقُ أُولِي التَّنْعِيمِ نَحْوَ السَّعَادَةِ

    فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ أَثَّرَتْ … أَوَامِرُهُ فِيهِ بِتَيْسِيرِ صَنْعَةِ

    وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ لَمْ يَنَلْ … بِأَمْرِ وَلَا نَهْيٍ بِتَقْدِيرِ شِقْوَةِ

    وَلَا مَخْرَجٌ لِلْعَبْدِ عَمَّا بِهِ قُضِيَ … وَلَكِنَّهُ مُخْتَارُ حُسْنٍ وَسَوْأَةِ

    فَلَيْسَ بِمَجْبُورِ عَدِيمِ الْإِرَادَةِ … وَلَكِنَّهُ شَاءَ بِخَلْقِ الْإِرَادَةِ

    وَمِنْ أَعْجَبِ الْأَشْيَاءِ خَلْقُ مَشِيئَةٍ … بِهَا صَارَ مُخْتَارَ الْهُدَى بِالضَّلَالَةِ

    فَقَوْلُكَ: هَلْ اخْتَارَ تَرْكًا لِحِكْمَةِ؟ … كَقَوْلِكَ: هَلْ اخْتَارَ تَرْكَ الْمَشِيئَةِ؟

    وَأَخْتَارُ أَنْ لَا اخْتَارَ فِعْلَ ضَلَالَةٍ … وَلَوْ نِلْتُ هَذَا التَّرْكَ فُزْتُ بِتَوْبَةِ

    وَذَا مُمْكِنٌ لَكِنَّهُ مُتَوَقِّفٌ … عَلَى مَا يَشَاءُ اللَّهُ مِنْ ذِي الْمَشِيئَةِ

    vol. 9, p. 255فَدُونَك فَافْهَمْ مَا بِهِ قَدْ أَجَبْت مِنْ … مَعَانٍ إذَا انْحَلَّتْ بِفَهْمِ غَرِيزَةٍ

    أَشَارَتْ إلَى أَصْلٍ يُشِيرُ إلَى الْهُدَى … وَلِلَّهِ رَبُّ الْخَلْقِ أَكْمَلُ مِدْحَةٍ

    وَصَلَّى إلَهُ الْخَلْقِ جَلَّ جَلَالُهُ … عَلَى الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ