قول الغزالي وغيره في علوم المناطقة

2 paragraphs · vol. 10, p. 128

  1. وَلَا فِي الْخَارِجِ فَتَصَوُّرُ قَوْلِهِ تَصَوُّرًا تَامًّا يَكْفِي فِي الْعِلْمِ بِفَسَادِ قَوْلِهِ وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ - هُوَ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ بَرَاهِينُ صَادِقَةٌ لَكِنْ - لَا تَكْمُلُ بِذَلِكَ نَفْسٌ وَلَا تَنْجُو بِهِ مِنْ عَذَابٍ وَلَا تُنَالُ بِهِ سَعَادَةٌ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ فِي عُلُومِ هَؤُلَاءِ: هِيَ بَيْنَ عُلُومٍ صَادِقَةٍ لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَبَيْنَ ظُنُونٍ كَاذِبَةٍ لَا ثِقَةَ بِهَا وَإِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ. يُشِيرُونَ بِالْأَوَّلِ إلَى الْعُلُومِ الرِّيَاضِيَّةِ وَبِالثَّانِي إلَى مَا يَقُولُونَهُ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَفِي أَحْكَامِ النُّجُومِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَكِنْ قَدْ تَلْتَذُّ النَّفْسُ بِذَلِكَ كَمَا تَلْتَذُّ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَلْتَذُّ بِعِلْمِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ وَسَمَاعِ مَا لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَشْغُولًا عَنْ ذَلِكَ بِمَا هُوَ أَهَمُّ عِنْدَهُ مِنْهُ كَمَا قَدْ يَلْتَذُّ بِأَنْوَاعِ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ.

    vol. 10, p. 128
  2. وَأَيْضًا فَفِي الْإِدْمَانِ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ تَعْتَادُ النَّفْسُ الْعِلْمَ الصَّحِيحَ وَالْقَضَايَا الصَّحِيحَةَ الصَّادِقَةَ وَالْقِيَاسَ الْمُسْتَقِيمَ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ تَصْحِيحُ الذِّهْنِ وَالْإِدْرَاكِ وَتُعَوَّدُ النَّفْسُ أَنَّهَا تَعْلَمُ الْحَقَّ وَتَقُولُهُ لِتَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلَى الْمَعْرِفَةِ الَّتِي هِيَ فَوْقَ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ: إنَّهُ كَانَ أَوَائِلُ الْفَلَاسِفَةِ أَوَّلَ مَا يُعَلِّمُونَ أَوْلَادَهُمْ الْعِلْمَ الرِّيَاضِيَّ وَكَثِيرٌ مِنْ شُيُوخِهِمْ فِي آخِرِ أَمْرِهِ إنَّمَا يَشْتَغِلُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا نَظَرَ فِي طُرُقِهِمْ وَطُرُقِ مَنْ عَارَضَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْبَاطِلِ وَلَمْ

    vol. 10, p. 129يَجِدْ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ حَقٌّ أَخَذَ يَشْغَلُ نَفْسَهُ بِالْعِلْمِ الرِّيَاضِيِّ كَمَا كَانَ يَتَحَرَّى مِثْلَ ذَلِكَ مَنْ هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَلَاسِفَةِ كَابْنِ وَاصِلٍ وَغَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا يَشْتَغِلُونَ وَقْتَ بَطَالَتِهِمْ بِعِلْمِ الْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ وَالْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ وَالْهَنْدَسَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْرِيحًا لِلنَّفْسِ وَهُوَ عِلْمٌ صَحِيحٌ لَا يَدْخُلُ فِيهِ غَلَطٌ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا لَهَوْتُمْ فَالْهُوا بِالرَّمْيِ وَإِذَا تَحَدَّثْتُمْ فَتَحَدَّثُوا بِالْفَرَائِضِ. فَإِنَّ حِسَابَ الْفَرَائِضِ عِلْمٌ مَعْقُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ مَشْرُوعٍ فَتَبْقَى فِيهِ رِيَاضَةُ الْعَقْلِ وَحِفْظُ الشَّرْعِ. لَكِنْ لَيْسَ هُوَ عِلْمًا يُطْلَبُ لِذَاتِهِ وَلَا تَكْمُلُ بِهِ النَّفْسُ. وَأُولَئِكَ الْمُشْرِكُونَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَبْنُونَ لَهَا الْهَيَاكِلَ وَيَدْعُونَهَا بِأَنْوَاعِ الدَّعَوَاتِ. كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَمَا صُنِّفَ عَلَى طَرِيقِهِمْ مِنْ الْكُتُبِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الشِّرْكِ وَالسِّحْرِ وَدَعْوَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْعَزَائِمِ وَالْأَقْسَامِ الَّتِي بِهَا يُعَظَّمُ إبْلِيسُ وَجُنُودُهُ. وَكَانَ الشَّيْطَانُ بِسَبَبِ الشِّرْكِ وَالسِّحْرِ يُغْوِيهِمْ بِأَشْيَاءَ هِيَ الَّتِي دَعَتْهُمْ إلَى ذَلِكَ الشِّرْكِ وَالسِّحْرِ وَكَانُوا يَرْصُدُونَ الْكَوَاكِبَ لِيَتَعَلَّمُوا مَقَادِيرَهَا وَمَقَادِيرَ حَرَكَاتِهَا وَمَا بَيْنَ بَعْضِهَا مِنْ الِاتِّصَالَاتِ مُسْتَعِينِينَ بِذَلِكَ عَلَى مَا يَرَوْنَهُ مُنَاسِبًا لَهَا.