عبادة الله لا بد لها من الحب والخوف والرجاء
4 paragraphs · vol. 11, p. 81
- vol. 11, p. 81
وَلِهَذَا السَّمَاعُ مِنْ الْمَوَاجِيدِ الْعَظِيمَةِ وَالْأَذْوَاقِ الْكَرِيمَةِ وَمَزِيدِ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ الْجَسِيمَةِ مَا لَا يَتَّسِعُ لَهُ خِطَابٌ وَلَا يَحْوِيهِ كِتَابٌ كَمَا أَنَّ فِي تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ وَتَفَهُّمِهِ مِنْ مَزِيدِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ مَا لَا يُحِيطُ بِهِ بَيَانٌ.
-
وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ: {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ ادَّعَى قَوْمٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} الْآيَةَ. فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَحَبَّتَهُ تُوجِبُ اتِّبَاعَ الرَّسُولِ وَأَنَّ اتِّبَاعَ الرَّسُولِ يُوجِبُ مَحَبَّةَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ وَهَذِهِ مَحَبَّةٌ امْتَحَنَ اللَّهُ بِهَا أَهْلَ دَعْوَى مَحَبَّةِ اللَّهِ فَإِنَّ هَذَا الْبَابَ تَكْثُرُ فِيهِ الدَّعَاوَى وَالِاشْتِبَاهُ؛ وَلِهَذَا يُرْوَى عَنْ ذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي مَسْأَلَةِ الْمَحَبَّةِ عِنْدَهُ فَقَالَ: اُسْكُتُوا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِئَلَّا تَسْمَعَهَا النُّفُوسُ فَتَدَّعِيَهَا.
-
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالْحُبِّ وَحْدَهُ. فَهُوَ زِنْدِيقٌ وَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالْخَوْفِ وَحْدَهُ فَهُوَ حروري وَمَنْ عَبْدَهُ بِالرَّجَاءِ وَحْدَهُ فَهُوَ مُرْجِئٌ وَمَنْ عَبَدَهُ بِالْحُبِّ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُبَّ الْمُجَرَّدَ تَنْبَسِطُ النُّفُوسُ فِيهِ حَتَّى تَتَوَسَّعَ فِي أَهْوَائِهَا إذَا لَمْ يَزَعْهَا وَازِعُ الْخَشْيَةِ لِلَّهِ حَتَّى قَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} وَيُوجَدُ فِي مُدَّعِي الْمَحَبَّةِ مِنْ مُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ مَا لَا يُوجَدُ فِي أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَلِهَذَا قَرَنَ الْخَشْيَةَ بِهَا فِي قَوْلِهِ:
vol. 11, p. 82{هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ} {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} . وَكَانَ الْمَشَايِخُ الْمُصَنِّفُونَ فِي السُّنَّةِ يَذْكُرُونَ فِي عَقَائِدِهِمْ مُجَانَبَةَ مَنْ يُكْثِرُ دَعْوَى الْمَحَبَّةِ وَالْخَوْضِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ خَشْيَةٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ طَوَائِفُ مِنْ الْمُتَصَوِّفَةِ وَمَا وَقَعَ فِي هَؤُلَاءِ مِنْ فَسَادِ الِاعْتِقَادِ وَالْأَعْمَالِ أَوْجَبَ إنْكَارَ طَوَائِفَ لِأَصْلِ طَرِيقَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى صَارَ الْمُنْحَرِفُونَ صِنْفَيْنِ. صِنْفٌ يُقِرُّ بِحَقِّهَا وَبَاطِلِهَا وَصِنْفٌ يُنْكِرُ حَقَّهَا وَبَاطِلَهَا كَمَا عَلَيْهِ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ. وَالصَّوَابُ إنَّمَا هُوَ الْإِقْرَارُ بِمَا فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْ مُوَافَقَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِنْكَارِ لِمَا فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْ مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} فَاتِّبَاعُ سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرِيعَتِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا هِيَ مُوجِبُ مَحَبَّةِ اللَّهِ كَمَا أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِهِ وَمُوَالَاةَ أَوْلِيَائِهِ وَمُعَادَاةَ أَعْدَائِهِ هُوَ حَقِيقَتُهَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ: {أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ}
- vol. 11, p. 83
وَفِي الْحَدِيثِ. {مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ} . وَكَثِيرٌ مِمَّنْ يَدَّعِي الْمَحَبَّةَ هُوَ أَبْعَدُ مِنْ غَيْرِهِ عَنْ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَعَنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيَدَّعِي مَعَ هَذَا أَنَّ ذَلِكَ أَكْمَلُ لِطَرِيقِ الْمَحَبَّةِ مِنْ غَيْرِهِ لِزَعْمِهِ أَنَّ طَرِيقَ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرَةٌ وَلَا غَضَبٌ لِلَّهِ وَهَذَا خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَلِهَذَا فِي الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ. {يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي} فَقَوْلُهُ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِ اللَّهِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ إجْلَالِ اللَّهِ وَتَعْظِيمِهِ مَعَ التَّحَابِّ فِيهِ وَبِذَلِكَ يَكُونُونَ حَافِظِينَ لِحُدُودِهِ دُونَ الَّذِينَ لَا يَحْفَظُونَ حُدُودَهُ لِضَعْفِ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَاءَ فِيهِمْ الْحَدِيثُ {حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ} وَالْأَحَادِيثُ فِي الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ كَثِيرَةٌ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ إمَامٌ عَادِلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةِ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ