فصل: المتقدمون الذين وضعوا طرق الرأي والكلام والتصوف كانوا يخلطون ذلك بأصول من الكتاب والسنة، وأما المتأخرون فجردوه من هذه الأصول
4 paragraphs · vol. 11, p. 366
- vol. 11, p. 366
وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ: وَهُوَ: أَنْ تَعْرِفَ الْحَسَنَةَ فِي نَفْسِهَا عِلْمًا وَعَمَلًا سَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً أَوْ مُسْتَحَبَّةً. وَتَعْرِفَ السَّيِّئَةَ فِي نَفْسِهَا عِلْمًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا مَحْظُورَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَحْظُورَةٍ - إنْ سُمِّيَتْ غَيْرُ الْمَحْظُورَةِ سَيِّئَةً - وَإِنَّ الدِّينَ تَحْصِيلُ الْحَسَنَاتِ وَالْمَصَالِحِ وَتَعْطِيلُ السَّيِّئَاتِ وَالْمَفَاسِدِ. وَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَجْتَمِعُ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ أَوْ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ الْأَمْرَانِ فَالذَّمُّ وَالنَّهْيُ وَالْعِقَابُ قَدْ يَتَوَجَّهُ إلَى مَا تَضَمَّنَهُ أَحَدُهُمَا فَلَا يَغْفُلُ عَمَّا فِيهِ مِنْ النَّوْعِ الْآخَرِ كَمَا يَتَوَجَّهُ الْمَدْحُ وَالْأَمْرُ وَالثَّوَابُ إلَى مَا تَضَمَّنَهُ أَحَدُهُمَا فَلَا يَغْفُلُ عَمَّا فِيهِ مِنْ النَّوْعِ الْآخَرِ وَقَدْ يُمْدَحُ الرَّجُلُ بِتَرْكِ بَعْضِ السَّيِّئَاتِ الْبِدْعِيَّةِ والفجورية لَكِنْ قَدْ يُسْلَبُ مَعَ ذَلِكَ مَا حُمِدَ بِهِ غَيْرُهُ عَلَى فِعْلِ بَعْضِ الْحَسَنَاتِ السُّنِّيَّةِ الْبَرِّيَّةِ. فَهَذَا طَرِيقُ الْمُوَازَنَةِ وَالْمُعَادَلَةِ وَمَنْ سَلَكَهُ كَانَ قَائِمًا بِالْقِسْطِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ لَهُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ.
- فَصْل:
-
ثُمَّ الْمُتَقَدِّمُونَ الَّذِينَ وَضَعُوا طُرُقَ " الرَّأْيِ " وَ " الْكَلَامِ " و " التَّصَوُّفِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ: كَانُوا يَخْلِطُونَ ذَلِكَ بِأُصُولِ مِنْ الْكِتَابِ
vol. 11, p. 367وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ إذْ الْعَهْدُ قَرِيبٌ. وَأَنْوَارُ الْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ بَعْدُ فِيهَا ظُهُورٌ وَلَهَا بُرْهَانٌ عَظِيمٌ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ قَدْ اخْتَلَطَ نُورُهَا بِظُلْمَةِ غَيْرِهَا. فَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ جَرَّدَ مَا وَضَعَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ. مِثْلُ مَنْ صَنَّفَ فِي " الْكَلَامِ " مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا الْأُصُولَ الْمُبْتَدَعَةَ وَأَعْرَضَ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجَعَلَهُمَا إمَّا فَرْعَيْنِ أَوْ آمَنَ بِهِمَا مُجْمَلًا أَوْ خَرَجَ بِهِ الْأَمْرُ إلَى نَوْعٍ مِنْ الزَّنْدَقَةِ وَمُتَقَدِّمُو الْمُتَكَلِّمِينَ خَيْرٌ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ. وَكَذَلِكَ مَنْ صَنَّفَ فِي " الرَّأْيِ " فَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا رَأْيَ مَتْبُوعِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْرَضَ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَوَزَنَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى رَأْيِ مَتْبُوعِهِ كَكَثِيرِ مِنْ أَتْبَاعِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. وَكَذَلِكَ مَنْ صَنَّفَ فِي " التَّصَوُّفِ " و " الزُّهْدِ " جَعَلَ الْأَصْلَ مَا رُوِيَ عَنْ مُتَأَخِّرِي الزُّهَّادِ - وَأَعْرَضَ عَنْ طَرِيقِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَمَا فَعَلَ صَاحِبُ " الرِّسَالَةِ " أَبُو الْقَاسِمِ القشيري وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ الكلاباذي وَابْنُ خَمِيسٍ الموصلي فِي " مَنَاقِبِ الْأَبْرَارِ " ؛ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي فِي تَارِيخِ الصُّوفِيَّةِ لَكِنْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَنَّفَ أَيْضًا " سِيَرَ السَّلَفِ " مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. وَسِيَرَ الصَّالِحِينَ مِنْ السَّلَفِ كَمَا صَنَّفَ فِي سِيَرِ الصَّالِحِينَ مِنْ الْخَلَفِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ ذِكْرِهِمْ لِأَخْبَارِ أَهْلِ
vol. 11, p. 368" الزُّهْدِ وَالْأَحْوَالِ " مِنْ بَعْدِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ مِنْ عِنْدِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ والْفُضَيْل بْنِ عِيَاضٍ وَأَبِي سُلَيْمَانَ الداراني وَمَعْرُوفٍ الْكَرْخِي وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَإِعْرَاضُهُمْ عَنْ حَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ نَطَقَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بِمَدْحِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَالرِّضْوَانِ عَنْهُمْ. وَكَانَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنْ يَفْعَلُوا كَمَا فَعَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الأصبهاني فِي " الْحِلْيَةِ " مِنْ ذِكْرِهِ لِلْمُتَقَدِّمِينَ والمتأخرين. وَكَذَلِكَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " صَفْوَةِ الصَّفْوَةِ " وَكَذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ التيمي فِي " سِيَرِ السَّلَفِ " . . . (١) ، وَكَذَلِكَ ابْنُ أَسَدِ بْنِ مُوسَى إنْ لَمْ يَصْعَدُوا إلَى طَرِيقَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ. وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ. وَهَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ وَغَيْرِهِمْ فِي كُتُبِهِمْ فِي الزُّهْدِ فَهَذَا هَذَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. فَإِنَّ مَعْرِفَةَ أُصُولِ الْأَشْيَاءِ وَمَبَادِئِهَا وَمَعْرِفَةَ الدِّينِ وَأَصْلِهِ وَأَصْلِ مَا تَوَلَّدَ فِيهِ مِنْ أَعْظَمِ الْعُلُومِ نَفْعًا. إذْ الْمَرْءُ مَا لَمْ يُحِطْ عِلْمًا بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا يَبْقَى فِي قَلْبِهِ حَسَكَةٌ. وَكَانَ " لِلزُّهَّادِ " عِدَّةُ أَسْمَاءٍ: يُسَمَّوْنَ بِالشَّامِ " الجوعية " وَيُسَمَّوْنَ بِالْبَصْرَةِ " الفقرية " و " الْفِكْرِيَّةَ " وَيُسَمَّوْنَ بِخُرَاسَانَ " الْمَغَارِبَةَ " وَيُسَمَّوْنَ أَيْضًا " الصُّوفِيَّةَ وَالْفُقَرَاءَ " .
- vol. 11, p. 369
وَالنِّسْبَةُ فِي " الصُّوفِيَّةِ " إلَى الصُّوفِ؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ لِبَاسِ الزُّهَّادِ. وَقَدْ قِيلَ هُوَ نِسْبَةٌ إلَى " صُوفَةَ " بْنِ مُرَ بْنِ أد بْنِ طَابِخَةَ قَبِيلَةٌ مِنْ الْعَرَبِ كَانُوا يُجَاوِرُونَ حَوْلَ الْبَيْتِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: هُمْ نِسْبَةٌ إلَى " الصُّفَّةِ " فَقَدْ قِيلَ: كَانَ حَقُّهُ أَنْ يُقَالَ: صفية وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: نِسْبَةً إلَى الصَّفَا؛ قِيلَ لَهُ: كَانَ حَقُّهُ أَنْ يُقَالَ: صَفَائِيَّةٌ. وَلَوْ كَانَ مَقْصُورًا لَقِيلَ صفوية؛ وَإِنْ نُسِبَ إلَى الصَّفْوَةِ قِيلَ: صَفْوِيَّةٌ. وَمَنْ قَالَ: نِسْبَةً إلَى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ. قِيلَ لَهُ: كَانَ حَقُّهُ أَنْ يُقَالَ: صفية وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا يُوجِبُ النِّسْبَةَ وَالْإِضَافَةَ؛ إذَا أُعْطِيَ الِاسْمُ حَقَّهُ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ. لَكِنَّ " التَّحْقِيقَ " أَنَّ هَذِهِ النِّسَبَ إنَّمَا أُطْلِقَتْ عَلَى طَرِيقِ الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ وَالْأَوْسَطِ دُونَ الِاشْتِقَاقِ الْأَصْغَرِ؛ كَمَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ " الْعَامَّةُ " اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَمَى؛ فَرَاعَوْا الِاشْتِرَاكَ فِي الْحُرُوفِ دُونَ التَّرْتِيبِ وَهُوَ الِاشْتِقَاقُ الْأَوْسَطُ أَوْ الِاشْتِرَاكَ فِي جِنْسِ الْحُرُوفِ دُونَ أَعْيَانِهَا وَهُوَ الْأَكْبَرُ. وَعَلَى الْأَوْسَطِ قَوْلُ نُحَاةِ الْكُوفِيِّينَ " الِاسْمُ " مُشْتَقٌّ مِنْ السِّمَةِ. وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ الصُّوفِيُّ مِنْ " الصَّفَا " وَأَمَّا إذَا قِيلَ هُوَ مِنْ " الصُّفَّةِ " أَوْ " الصَّفِّ " فَهُوَ عَلَى الْأَكْبَرِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الِاسْمِ قَوْمٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ: كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ.