لماذا كان يدعي مشركو العرب أنهم أهل الله
2 paragraphs · vol. 12, p. 163
- vol. 12, p. 163
وَفَضَائِلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَضَائِلُ أُمَّتِهِ كَثِيرَةٌ وَمِنْ حِينِ بَعَثَهُ اللَّهُ جَعَلَهُ اللَّهُ الْفَارِقَ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِ فَلَا يَكُونُ وَلِيًّا لِلَّهِ إلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَمَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ وَوِلَايَتَهُ وَهُوَ لَمْ يَتْبَعْهُ فَلَيْسَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ؛ بَلْ مَنْ خَالَفَهُ كَانَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ادَّعَى قَوْمٌ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ مِحْنَةً لَهُمْ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا أَنَّ مَنْ اتَّبَعَ الرَّسُولَ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَمَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ وَلَمْ يَتَّبِعْ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَيْسَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَظُنُّونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَوْ فِي غَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَلَا يَكُونُونَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ فَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. قَالَ تَعَالَى: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} إلَى قَوْلِهِ {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} . وَكَانَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَهْلُ اللَّهِ لِسُكْنَاهُمْ مَكَّةَ وَمُجَاوَرَتِهِمْ الْبَيْتَ وَكَانُوا يَسْتَكْبِرُونَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ} {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ} إلَى قَوْلِهِ {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
vol. 12, p. 164وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إنْ أَوْلِيَاؤُهُ إلَّا الْمُتَّقُونَ} فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَيْسُوا أَوْلِيَاءَهُ وَلَا أَوْلِيَاءَ بَيْتِهِ إنَّمَا أَوْلِيَاؤُهُ الْمُتَّقُونَ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ جِهَارًا مِنْ غَيْرِ سِرٍّ: {إنَّ آلَ فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بأولياء - يَعْنِي طَائِفَةً مِنْ أَقَارِبِهِ - إنَّمَا وَلِيِّي اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} الْآيَةَ. وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ مَنْ كَانَ صَالِحًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ. وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَسَائِرُ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَكُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ {لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ الْآخَرِ: {إنَّ أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ أَيًّا كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا} . كَمَا أَنَّ مِنْ الْكُفَّارِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ وَلِيُّ اللَّهِ وَلَيْسَ وَلِيًّا لِلَّهِ؛ بَلْ عَدُوٌّ لَهُ فَكَذَلِكَ مَنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ يُقِرُّونَ فِي الظَّاهِرِ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّهُ مُرْسَلٌ إلَى جَمِيعِ الْإِنْسِ؛ بَلْ إلَى الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَيَعْتَقِدُونَ فِي الْبَاطِنِ
vol. 12, p. 165مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ مِثْلُ أَلَّا يُقِرُّوا فِي الْبَاطِنِ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَإِنَّمَا كَانَ مَلِكًا مُطَاعًا سَاسَ النَّاسَ بِرَأْيِهِ مِنْ جِنْسِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُلُوكِ أَوْ يَقُولُونَ إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلَى الْأُمِّيِّينَ دُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَوْ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إلَى عَامَّةِ الْخَلْقِ وَأَنَّ لِلَّهِ أَوْلِيَاءَ خَاصَّةً لَمْ يُرْسِلْ إلَيْهِمْ وَلَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ؛ بَلْ لَهُمْ طَرِيقٌ إلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ كَمَا كَانَ الْخَضِرُ مَعَ مُوسَى أَوْ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ عَنْ اللَّهِ كُلَّ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ وَيَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ أَوْ أَنَّهُ مُرْسَلٌ بِالشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ وَهُمْ مُوَافِقُونَ لَهُ فِيهَا وَأَمَّا الْحَقَائِقُ الْبَاطِنَةُ فَلَمْ يُرْسَلْ بِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا أَوْ هُمْ أَعْرَفُ بِهَا مِنْهُ أَوْ يَعْرِفُونَهَا مِثْلَ مَا يَعْرِفُهَا مِنْ غَيْرِ طَرِيقَتِهِ. وَقَدْ يَقُولُ بَعْضُ هَؤُلَاءِ: إنَّ " أَهْلَ الصُّفَّةِ " كَانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْهُ وَلَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فِي الْبَاطِنِ مَا أَوْحَى إلَيْهِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فَصَارَ أَهْلُ الصُّفَّةِ بِمَنْزِلَتِهِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ فَرْطِ جَهْلِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ بِمَكَّةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} وَأَنَّ الصِّفَةَ لَمْ تَكُنْ إلَّا بِالْمَدِينَةِ وَكَانَتْ صُفَّةٌ فِي شَمَالِيِّ مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْزِلُ بِهَا الْغُرَبَاءُ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ أَهْلٌ وَأَصْحَابٌ يَنْزِلُونَ عِنْدَهُمْ؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا يُهَاجِرُونَ إلَى النَّبِيِّ
- vol. 12, p. 166
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ؛ فَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَنْزِلَ فِي مَكَانٍ نَزَلَ بِهِ وَمَنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ نَزَلَ فِي الْمَسْجِدِ إلَى أَنْ يَتَيَسَّرَ لَهُ مَكَانٌ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ. وَلَمْ يَكُنْ " أَهْلُ الصُّفَّةِ " نَاسًا بِأَعْيَانِهِمْ يُلَازِمُونَ الصُّفَّةَ بَلْ كَانُوا يَقِلُّونَ تَارَةً وَيَكْثُرُونَ أُخْرَى وَيُقِيمُ الرَّجُلُ بِهَا زَمَانًا ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْهَا: وَاَلَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِهَا مِنْ جِنْسِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؛ لَيْسَ لَهُمْ مَزِيَّةٌ فِي عِلْمٍ وَلَا دِينٍ؛ بَلْ فِيهِمْ مَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَقَتَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كالعرنيين الَّذِينَ اجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ - أَيْ اسْتَوْخَمُوهَا - فَأَمَرَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَقَاحِ - أَيْ إبِلٍ لَهَا لَبَنٌ - وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَبِهِمْ فَأُتِيَ بِهِمْ فَأَمَرَ بِقَطْعِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ وَسُمِّرَتْ أَعْيُنُهُمْ وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ وَحَدِيثُهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَفِيهِ أَنَّهُمْ نَزَلُوا الصُّفَّةَ فَكَانَ يَنْزِلُهَا مِثْلُ هَؤُلَاءِ وَنَزَلَهَا مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ أَفْضَلُ مَنْ نَزَلَ بِالصُّفَّةِ ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْهَا وَنَزَلَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ جَمَعَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي تَارِيخَ مَنْ نَزَلَ الصُّفَّةَ. وَأَمَّا " الْأَنْصَارُ " فَلَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَكَذَلِكَ أَكَابِرُ الْمُهَاجِرِينَ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ
vol. 12, p. 167بْنِ عَوْفٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَغَيْرِهِمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ. وَقَدْ {رُوِيَ أَنَّهُ بِهَا غُلَامٌ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: هَذَا وَاحِدٌ مِنْ السَّبْعَةِ} وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ وَكَذَا كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِدَّةِ " الْأَوْلِيَاءِ " وَ " الْأَبْدَالِ " وَ " النُّقَبَاءِ " وَ " النُّجَبَاءِ وَ " الْأَوْتَادِ " وَ " الْأَقْطَابِ " مِثْلُ أَرْبَعَةٍ أَوْ سَبْعَةٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَوْ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ أَوْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ أَوْ الْقُطْبَ الْوَاحِدَ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ صَحِيحٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَنْطِقْ السَّلَفُ بِشَيْءِ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إلَّا بِلَفْظِ " الْأَبْدَالِ ". وَرُوِيَ فِيهِمْ حَدِيثُ أَنَّهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا وَأَنَّهُمْ بِالشَّامِ وَهُوَ فِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ بِثَابِتِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَلِيًّا وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا أَفْضَلَ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَمَنْ مَعَهُ بِالشَّامِ فَلَا يَكُونُ أَفْضَلَ النَّاسِ فِي عَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ دُونَ عَسْكَرِ عَلِيٍّ وَقَدْ أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {تَمْرُقُ مَارِقَةٌ مِنْ الدِّينِ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ} وَهَؤُلَاءِ الْمَارِقُونَ هُمْ الْخَوَارِجُ الحرورية الَّذِينَ مَرَقُوا لَمَّا حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ فَقَتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابُهُ فَدُلَّ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَى أَنَّ عَلِيَّ
vol. 12, p. 168بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابِهِ؛ وَكَيْفَ يَكُونُ الْأَبْدَالُ فِي أَدْنَى الْعَسْكَرَيْنِ دُونَ أَعْلَاهُمَا؟ وَكَذَلِكَ مَا يَرْوِيه بَعْضُهُمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ أَنْشَدَ مُنْشِدَ:
قَدْ لَسَعَتْ حَيَّةُ الْهَوَى كَبِدِي … فَلَا طَبِيبَ لَهَا وَلَا رَاقِي
إلَّا الْحَبِيبُ الَّذِي شُغِفْت بِهِ … فَعِنْدَهُ رُقْيَتِي وَتِرْيَاقِي
وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَاجَدَ حَتَّى سَقَطَتْ الْبُرْدَةُ عَنْ مَنْكِبِهِ} فَإِنَّهُ كَذَّبَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَأَكْذَبُ مِنْهُ مَا يَرْوِيه بَعْضُهُمْ: {أَنَّهُ مَزَّقَ ثَوْبَهُ وَأَنَّ جِبْرِيلَ أَخَذَ قِطْعَةً مِنْهُ فَعَلَّقَهَا عَلَى الْعَرْشِ} فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يَعْرِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مِنْ أَظْهَرْ الْأَحَادِيثِ كَذِبًا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَذَلِكَ مَا يَرْوُونَهُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ يَتَحَدَّثَانِ وَكُنْت بَيْنَهُمَا كَالزِّنْجِيِّ} وَهُوَ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ فِيمَنْ يُقِرُّ بِرِسَالَتِهِ الْعَامَّةِ فِي الظَّاهِرِ مَنْ يَعْتَقِدُ فِي الْبَاطِنِ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مُنَافِقًا وَهُوَ يَدَّعِي فِي نَفْسِهِ وَأَمْثَالِهِ