ما يراد بلفظ " الأوتاد، والقطب، والبدل " في كلام البعض

3 paragraphs · vol. 12, p. 440

  1. وَأَمَّا الْأَوْتَادُ فَقَدْ يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْبَعْضِ أَنَّهُ يَقُولُ: فُلَانٌ مِنْ الْأَوْتَادِ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُثَبِّتُ بِهِ الْإِيمَانَ وَالدِّينَ فِي قُلُوبِ مَنْ يَهْدِيهِمْ اللَّهُ بِهِ كَمَا يُثَبِّتُ الْأَرْضَ بِأَوْتَادِهَا وَهَذَا الْمَعْنَى ثَابِتٌ لِكُلِّ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَكُلُّ مَنْ حَصَلَ بِهِ تَثْبِيتُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ فِي جُمْهُورِ النَّاسِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْأَوْتَادِ الْعَظِيمَةِ وَالْجِبَالِ الْكَبِيرَةِ وَمَنْ كَانَ بِدُونِهِ كَانَ بِحَسَبِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَحْصُورًا فِي أَرْبَعَةٍ وَلَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ بَلْ جَعَلَ هَؤُلَاءِ أَرْبَعَةً مُضَاهَاةً بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ فِي أَوْتَادِ الْأَرْضِ.

    vol. 12, p. 440
  2. وَأَمَّا الْقُطْبُ فَيُوجَدُ أَيْضًا فِي كَلَامِهِمْ فُلَانٌ مِنْ الْأَقْطَابِ أَوْ فُلَانٌ قُطْبٌ فَكُلُّ مَنْ دَارَ عَلَيْهِ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا بَاطِنًا أَوْ ظَاهِرًا فَهُوَ قُطْبُ ذَلِكَ الْأَمْر وَمَدَارُهُ سَوَاءٌ كَانَ الدَّائِرُ عَلَيْهِ أَمْرَ دَارِهِ أَوْ دَرْبِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ أَوْ مَدِينَتِهِ أَمْرَ دِينِهَا أَوْ دُنْيَاهَا بَاطِنًا أَوْ ظَاهِرًا وَلَا اخْتِصَاصَ لِهَذَا الْمَعْنَى بِسَبْعَةٍ وَلَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ؛ لَكِنَّ الْمَمْدُوحَ مِنْ ذَلِكَ مَنْ كَانَ مَدَارًا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ دُونَ مُجَرَّدِ صَلَاحِ الدُّنْيَا؛ فَهَذَا هُوَ الْقُطْبُ فِي عُرْفِهِمْ فَقَدْ يَتَّفِقُ فِي بَعْضِ الْأَعْصَارِ أَنْ يَكُونَ شَخْصٌ أَفْضَلَ أَهْلِ عَصْرِهِ وَقَدْ يَتَّفِقُ فِي عَصْرٍ آخَرَ أَنْ يَتَكَافَأَ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فِي الْفَضْلِ عِنْدَ اللَّهِ سَوَاءٌ وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ شَخْصٌ وَاحِدٌ هُوَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ مُطْلَقًا.

  3. وَكَذَلِكَ لَفْظُ " الْبَدَلِ " جَاءَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّ الْإِيمَانَ كَانَ بِالْحِجَازِ وَبِالْيَمَنِ قَبْلَ فُتُوحِ الشَّامِ وَكَانَتْ الشَّامُ وَالْعِرَاقُ دَارَ كُفْرٍ ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: " تَمْرُقُ مَارِقَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ فَكَانَ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِمَّنْ قَاتَلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مِثْلُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَسَهْلِ بْنِ حنيف وَنَحْوِهِمَا كَانُوا أَفْضَلَ مِنْ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ مُعَاوِيَةَ وَإِنْ كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَنَحْوُهُ مِنْ الْقَاعِدِينَ أَفْضَلَ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُمَا فَكَيْفَ يُعْتَقَدُ مَعَ هَذَا أَنَّ الْأَبْدَالَ جَمِيعَهُمْ الَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ كَانُوا فِي أَهْلِ الشَّامِ هَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ فِي الشَّامِ وَأَهْلِهِ فَضَائِلُ مَعْرُوفَةٌ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا. وَالْكَلَامُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالْعِلْمِ وَالْقِسْطِ فَمَنْ تَكَلَّمَ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ دَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} وَفِي قَوْله تَعَالَى {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} وَمَنْ تَكَلَّمَ بِقِسْطِ وَعَدْلٍ دَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} وَفِي قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} وَفِي قَوْله تَعَالَى {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} . وَاَلَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِاسْمِ الْبَدَلِ فَسَّرُوهُ بِمَعَانٍ: مِنْهَا أَنَّهُمْ أَبْدَالُ الْأَنْبِيَاءِ

    vol. 12, p. 442وَمِنْهَا أَنَّهُ كُلَّمَا مَاتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَكَانَهُ رَجُلًا وَمِنْهَا أَنَّهُمْ أُبْدِلُوا السَّيِّئَاتِ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَعَقَائِدِهِمْ بِحَسَنَاتِ. وَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا لَا تَخْتَصُّ بِأَرْبَعِينَ وَلَا بِأَقَلَّ وَلَا بِأَكْثَرَ وَلَا تُحْصَرُ بِأَهْلِ بُقْعَةٍ مِنْ الْأَرْضِ؛ وَبِهَذَا التَّحْرِيرِ يَظْهَرُ الْمَعْنَى فِي اسْمِ " النُّجَبَاءِ " . فَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ تَارَةً تُفَسَّرُ بِمَعَانٍ بَاطِلَةٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ مِثْلِ تَفْسِيرِ بَعْضِهِمْ " الْغَوْثَ " هُوَ الَّذِي يُغِيثُ اللَّهُ بِهِ أَهْلَ الْأَرْضِ فِي رِزْقِهِمْ وَنَصْرِهِمْ فَإِنَّ هَذَا نَظِيرَ مَا تَقُولُهُ النَّصَارَى فِي الْبَابِ وَهُوَ مَعْدُومُ الْعَيْنِ وَالْأَثَرِ شَبِيهٌ بِحَالِ الْمُنْتَظَرِ الَّذِي دَخَلَ السِّرْدَابَ مِنْ نَحْوِ أَرْبَعِمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةٍ. وَكَذَلِكَ مَنْ فَسَّرَ " الْأَرْبَعِينَ الْأَبْدَالَ " بِأَنَّ النَّاسَ إنَّمَا يُنْصَرُونَ وَيُرْزَقُونَ بِهِمْ فَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ بَلْ النَّصْرُ وَالرِّزْقُ يَحْصُلُ بِأَسْبَابِ مِنْ آكَدِهَا دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَصِلَاتُهُمْ وَإِخْلَاصُهُمْ. وَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ لَا بِأَرْبَعِينَ وَلَا بِأَقَلَّ وَلَا بِأَكْثَرَ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ {أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَكُونُ حَامِيَةَ الْقَوْمِ أَيُسْهَمُ لَهُ مِثْلُ مَا يُسْهَمُ لِأَضْعَفِهِمْ؟ فَقَالَ: يَا سَعْدُ وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ بِدُعَائِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ} وَقَدْ يَكُونُ لِلرِّزْقِ وَالنَّصْرِ أَسْبَابٌ أُخَرُ؛ فَإِنَّ الْفُجَّارَ وَالْكُفَّارَ

    vol. 12, p. 443أَيْضًا يُرْزَقُونَ وَيُنْصَرُونَ؛ وَقَدْ يُجْدِبُ الْأَرْضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَيُخِيفُهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ لِيُنِيبُوا إلَيْهِ وَيَتُوبُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ فَيَجْمَعُ لَهُمْ بَيْنَ غُفْرَانِ الذُّنُوبِ وَتَفْرِيجِ الْكُرُوبِ. وَقَدْ يُمْلِي لِلْكُفَّارِ وَيُرْسِلُ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا؛ وَيُمْدِدْهُمْ بِأَمْوَالِ وَبَنِينَ وَيَسْتَدْرِجْهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ إمَّا لِيَأْخُذَهُمْ فِي الدُّنْيَا أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ وَإِمَّا لِيُضَعِّفَ عَلَيْهِمْ الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ فَلَيْسَ كُلُّ إنْعَامٍ كَرَامَةٌ وَلَا كُلُّ امْتِحَانٍ عُقُوبَةٌ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ} {وَأَمَّا إذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} {كُلًّا} وَلَيْسَ فِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ؛ وَلَا عُبَّادِ اللَّهِ الْمُخْلِصِينَ الصَّالِحِينَ وَلَا أَنْبِيَائِهِ الْمُرْسَلِينَ؛ مَنْ كَانَ غَائِبَ الْجَسَدِ دَائِمًا عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ بَلْ هَذَا مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ إنَّ عَلِيًّا فِي السَّحَابِ وَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ فِي جِبَالِ رضوى وَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ بِسِرْدَابِ سَامِرِيٍّ وَإِنَّ الْحَاكِمَ بِجَبَلِ مِصْرَ وَإِنَّ الْأَبْدَالَ الْأَرْبَعِينَ رِجَالُ الْغَيْبِ بِجَبَلِ لُبْنَانَ فَكُلُّ هَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ وَالْبُهْتَانِ؛ نَعَمْ قَدْ تُخْرَقُ الْعَادَةُ فِي حَقِّ الشَّخْصِ فَيَغِيبُ تَارَةً عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ إمَّا لِدَفْعِ عَدُوٍّ عَنْهُ وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ وَإِمَّا أَنَّهُ يَكُونُ هَكَذَا طُولَ عُمْرِهِ فَبَاطِلٌ نَعَمْ يَكُونُ نُورُ قَلْبِهِ وَهُدَى فُؤَادِهِ وَمَا فِيهِ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَانَتِهِ وَأَنْوَارِهِ وَمَعْرِفَتِهِ غَيْبًا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ وَيَكُونُ صَلَاحُهُ وَوِلَايَتُهُ غَيْبًا عَنْ

    vol. 12, p. 441