فصل: في أن الأمر بالمعروف هو الحق الذي بعثت به الرسل، وكذلك النهي عن المنكر
3 paragraphs · vol. 12, p. 510
- vol. 12, p. 510
وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ. وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَهُوَ مَا خَالَفَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبِدَعِ وَالْفُجُورِ بَلْ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ وَأَفْضَلِ الطَّاعَاتِ؛ بَلْ هُوَ طَرِيقُ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَمَشَايِخِ الدِّينِ نَقْتَدِي بِهِمْ فِيهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وَهَذِهِ الْآيَةُ بِهَا اسْتَدَلَّ الْمُسْتَدِلُّونَ عَلَى أَنَّ شُيُوخَ الدِّينِ يُقْتَدَى بِهِمْ فِي الدِّينِ فَمَنْ لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ لَمْ يَكُنْ مِنْ شُيُوخِ الدِّينِ وَلَا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ.
- فَصْلٌ:
-
وَأَمَّا لِبَاسُ الْخِرْقَةِ الَّتِي يُلْبِسُهَا بَعْضُ الْمَشَايِخِ الْمُرِيدِينَ: فَهَذِهِ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهَا الدَّلَالَةَ الْمُعْتَبَرَةَ مِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا كَانَ الْمَشَايِخُ الْمُتَقَدِّمُونَ وَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ يُلْبِسُونَهَا الْمُرِيدِينَ. وَلَكِنْ طَائِفَةٌ مِنْ
vol. 12, p. 511الْمُتَأَخِّرِينَ رَأَوْا ذَلِكَ وَاسْتَحَبُّوهُ وَقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْبَسَ أُمَّ خَالِدِ بِنْتَ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاص ثَوْبًا وَقَالَ لَهَا: سِنًّا} وَالسِّنَّا بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الْحَسَنُ. وَكَانَتْ قَدْ وَلَدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فَلِهَذَا خَاطَبَهَا بِذَلِكَ اللِّسَانِ وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ {الْبُرْدَةِ الَّتِي نَسَجَتْهَا امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ إيَّاهَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ فَأَعْطَاهُ إيَّاهَا وَقَالَ: أَرَدْت أَنْ تَكُونَ كَفَنًا لِي} . وَلَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ. فَإِنَّ إعْطَاءَ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ مَا يَلْبَسُهُ كَإِعْطَائِهِ إيَّاهُ مَا يَنْفَعُهُ وَأَخْذُ ثَوْبٍ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْهِ الْبَرَكَةِ كَأَخْذِ شَعَرِهِ عَلَى وَجْهِ الْبَرَكَةِ وَلَيْسَ هَذَا كَلِبَاسِ ثَوْبٍ أَوْ قَلَنْسُوَةٍ عَلَى وَجْهِ الْمُتَابَعَةِ وَالِاقْتِدَاءِ؛ وَلَكِنْ يُشْبِهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ خُلَعُ الْمُلُوكِ الَّتِي يَخْلَعُونَهَا عَلَى مَنْ يُوَلُّونَهُ كَأَنَّهَا شِعَارٌ وَعَلَامَةٌ عَلَى الْوِلَايَةِ وَالْكَرَامَةِ؛ وَلِهَذَا يُسَمُّونَهَا تَشْرِيفًا. وَهَذَا وَنَحْوُهُ غَايَتُهُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ جِنْسِ الْمُبَاحَاتِ؛ فَإِنْ اقْتَرَنَ بِهِ نِيَّةٌ صَالِحَةٌ كَانَ حَسَنًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَأَمَّا جَعْلُ ذَلِكَ سُنَّةً وَطَرِيقًا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. وَأَمَّا انْتِسَابُ الطَّائِفَةِ إلَى شَيْخٍ مُعَيَّنٍ: فَلَا رَيْبَ أَنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ مَنْ يَتَلَقَّوْنَ عَنْهُ الْإِيمَانَ وَالْقُرْآنَ. كَمَا تَلَقَّى الصَّحَابَةُ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَلَقَّاهُ عَنْهُمْ التَّابِعُونَ؛ وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ اتِّبَاعُ السَّابِقِينَ
vol. 12, p. 512الْأَوَّلِينَ بِإِحْسَانِ فَكَمَا أَنَّ الْمَرْءَ لَهُ مَنْ يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ وَنَحْوَهُ فَكَذَلِكَ لَهُ مَنْ يُعْلَمُهُ الدِّينَ الْبَاطِنَ وَالظَّاهِرَ. وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ؛ وَلَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْتَسِبَ إلَى شَيْخٍ مُعَيَّنٍ كُلُّ مَنْ أَفَادَ غَيْرَهُ إفَادَةً دِينِيَّةً هُوَ شَيْخُهُ فِيهَا؛ وَكُلُّ مَيِّتٍ وَصَلَ إلَى الْإِنْسَانِ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ وَآثَارِهِ مَا انْتَفَعَ بِهِ فِي دِينِهِ فَهُوَ شَيْخُهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ؛ فَسَلَفُ الْأُمَّةِ شُيُوخُ الْخُلَفَاءِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ؛ وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَنْتَسِبَ إلَى شَيْخٍ يُوَالِي عَلَى مُتَابَعَتِهِ وَيُعَادِي عَلَى ذَلِكَ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُوَالِيَ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَمَنْ عُرِفَ مِنْهُ التَّقْوَى مِنْ جَمِيعِ الشُّيُوخِ وَغَيْرِهِمْ وَلَا يَخُصُّ أَحَدًا بِمَزِيدِ مُوَالَاةٍ إلَّا إذَا ظَهَرَ لَهُ مَزِيدُ إيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ فَيُقَدِّمُ مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ عَلَيْهِ وَيُفَضِّلُ مَنْ فَضَّلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ؛ وَلَا لِعَجَمِيِّ عَلَى عَرَبِيٍّ؛ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ؛ وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ إلَّا بِالتَّقْوَى} .