الرد على القائلين بقدم العالم

1 paragraph · vol. 13, p. 154

  1. فَقَطْ إمَّا الْحُرُوفُ الْمُؤَلَّفَةُ وَإِمَّا الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ؛ لَكِنَّهُ يَقُولُ إنَّ مَعْنَاهُ قَدِيمٌ. وَأَمَّا " الْفَرِيقُ الثَّانِي " الَّذِينَ قَالُوا بِجَوَازِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا مُطْلَقًا وَأَنَّ الْقَدِيمَ الْوَاجِبَ بِنَفْسِهِ يَجُوزُ أَنْ تَتَعَقَّبَ عَلَيْهِ الْحَوَادِثُ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا لَا وَاجِبًا بِنَفْسِهِ فَهَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ كَمَا يَقُولُونَ بِقِدَمِ الْأَفْلَاكِ وَأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ مَعْلُولَةً لِعِلَّةِ قَدِيمَةٍ أَزَلِيَّةٍ لَكِنْ الْمُنْتَسِبُونَ إلَى الْمِلَلِ كَابْنِ سِينَا وَنَحْوِهِ مِنْهُمْ قَالُوا إنَّهَا صَادِرَةٌ عَنْ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ الْمُوجِبِ لَهَا بِذَاتِهِ وَأَمَّا أَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ لَهَا عِلَّةً غائية تَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ بِهَا فِي تَحَرُّكِهَا كَمَا يُحَرِّكُ الْمَعْشُوقُ عَاشِقَهُ وَلَمْ يُثْبِتُوا لَهَا مُبْدِعًا مُوجِبًا وَلَا مُوجِبًا قَائِمًا بِذَاتِهِ وَلَا قَالُوا إنَّ الْفَلَكَ مُمْكِنٌ بِنَفْسِهِ وَاجِبٌ بِغَيْرِهِ بَلْ الْفَلَكُ عِنْدَهُمْ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ لَكِنْ قَالُوا مَعَ ذَلِكَ: إنَّ لَهُ عِلَّةً غائية يَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ بِهَا لَا قِوَامَ لَهُ إلَّا بِهَا فَجَعَلُوا الْوَاجِبَ بِنَفَسِهِ الَّذِي لَا فَاعِلَ لَهُ مُفْتَقِرًا إلَى عِلَّةٍ غائية مُنْفَصِلَةٍ عَنْهُ هَذِهِ حَقِيقَةُ قَوْلِ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُثْبِتُوا الْأَوَّلَ عَالِمًا بِغَيْرِهِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ الْأَوَّلُ عِنْدَهُمْ مُبْدِعًا لِلْفَلَكِ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مُبْدِعًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَفْعُولِهِ كَمَا قَالَ: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} وَلِهَذَا كَانَتْ أَقْوَالُهُمْ فِي الْإِلَهِيَّاتِ مَنْ أَعْظَمِ الْأَقْوَالِ فَسَادًا بِخِلَافِ أَقْوَالِهِمْ فِي الطَّبِيعِيَّاتِ؛ وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُهُمْ أَشَدَّ فَسَادًا فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ

    vol. 13, p. 155مِنْ قَوْلِ ابْنِ سِينَا وَأَتْبَاعِهِ وَلَمْ يُثْبِتْ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ " الْعِلَّةَ الْأُولَى " بِطَرِيقَةِ الْوُجُودِ وَلَا قَسَّمُوا الْوُجُودَ الْقَدِيمَ إلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ بَلْ الْمُمْكِنُ عِنْدَهُمْ لَا يَكُونُ إلَّا حَادِثًا وَلَا أَثْبَتُوا لِلْمَوْجُودِ الْوَاجِبِ الْخَصَائِصَ الْمُمَيِّزَةَ لِلرَّبِّ عَنْ الْأَفْلَاكِ بَلْ هَذَا مِنْ تَصَرُّفِ مُتَأَخِّرِيهِمْ الَّذِينَ خَلَطُوا فَلْسَفَتَهُمْ بِكَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ وَإِنَّمَا أَثْبَتَ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِطَرِيقَةِ الْوُجُودِ ابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ. وَحَقِيقَةُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ وُجُودُ الْحَوَادِثِ بِلَا مُحْدِثٍ أَصْلًا أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْأَوَّلَ عِلَّةً غائية لِلْحَرَكَةِ فَظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُوَ فَاعِلًا لَهَا. فَقَوْلُهُمْ فِي حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ فِي حَرَكَةِ الْحَيَوَانِ وَكُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ تَنَاقَضَ قَوْلُهُمْ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِأَنَّ فِعْلَ الْحَيَوَانِ صَادِرٌ عَنْ غَيْرِهِ. لِكَوْنِ الْقُدْرَةِ وَالدَّاعِي مُسْتَلْزِمَيْنِ وُجُودَ الْفِعْلِ وَالْقُدْرَةُ وَالدَّاعِي كِلَاهُمَا مِنْ غَيْرِ الْعَبْدِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: فَقُولُوا هَكَذَا فِي حَرَكَةِ الْفَلَكِ بِقُدْرَتِهِ وَدَاعِيهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَا صَادِرَيْنِ عَنْ غَيْرِهِ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ هُوَ الْمُحْدَثَ لِتِلْكَ الْحَوَادِثِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الْعَقْلِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي يَقُولُهُ ابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ بِذَاتِهِ الْقَدِيمَ الَّذِي يُقَارِنُهُ مُوجَبُهُ وَمُقْتَضَاهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ

    vol. 13, p. 156حَادِثٌ بِوَاسِطَةِ أَوْ بِلَا وَاسِطَةٍ فَإِنَّ صُدُورَ الْحَوَادِثِ عَنْ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ الْأَزَلِيَّةِ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ. وَإِذَا قَالُوا الْحَرَكَةُ بِتَوَسُّطِهِ أَيْ بِتَوَسُّطِ حَرَكَةِ الْفَلَكِ قِيلَ لَهُمْ: فَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي حُدُوثِ الْحَرَكَةِ الْفَلَكِيَّةِ فَإِنَّ الْحَرَكَةَ الْحَادِثَةَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضِي لَهَا عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً مُسْتَلْزِمَةً لِمَعْلُولِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ؛ إذْ الْقَوْلُ بِمُقَارَنَةِ الْمَعْلُولِ لِعِلَّتِهِ فِي الْأَزَلِ وَوُجُودِهِ مَعَهَا يُنَاقِضُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْمَعْلُولُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ الْمَعْلُولِ عَنْ الْأَزَلِ بَلْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضِي لَهَا ذَاتًا بَسِيطَةً لَا يَقُومُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الصِّفَاتِ وَالْأَحْوَالِ الْمُقْتَضِيَةِ لِحُدُوثِ الْحَوَادِثِ الْمُتَعَاقِبَةِ الْمُخْتَلِفَةِ؛ بَلْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضِي لَهَا ذَاتًا مَوْصُوفَةً لَا يَقُومُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْأَحْوَالِ الْمُوجِبَةِ لِحُدُوثِ الْحَوَادِثِ الْمَذْكُورَةِ؛ فَإِنَّ التَّجَدُّدَ وَالتَّعَدُّدَ الْمَوْجُودَ فِي الْمَعْلُولَاتِ يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْ عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ بَسِيطَةٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَصَارَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ إنَّ الْحَوَادِثَ الْعُلْوِيَّةَ وَالسُّفْلِيَّةَ لَا مُحْدِثَ لَهَا. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ كَلَامُ اللَّهِ مَا يَفِيضُ عَلَى النُّفُوسِ الصَّافِيَةِ كَمَا أَنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عِنْدَهُمْ مَا يَتَشَكَّلُ فِيهَا مِنْ الصُّوَرِ النُّورَانِيَّةِ فَلَا يُثْبِتُونَ لَهُ كَلَامًا خَارِجًا عَمَّا فِي نُفُوسِ الْبَشَرِ وَلَا مَلَائِكَةَ خَارِجَةً عَمَّا فِي نُفُوسِهِمْ غَيْرَ " الْعُقُولِ الْعَشَرَةِ " وَ " النُّفُوسِ الْفَلَكِيَّةِ التِّسْعَةِ " مَعَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَقُولُونَ إنَّهَا أَعْرَاضٌ وَقَدْ بُيِّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ مَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ الْمُجَرَّدَاتِ

    vol. 13, p. 154