بيان معنى الحديث: " إن العلم كهئية المكنون لا يعلمه إلا أهل العلم بالله. . . "
1 paragraph · vol. 14, p. 259
- vol. 14, p. 259
عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَى كَلَامِ مَنْ لَا يَدْرِي هَلْ يُوَافِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَوْ يُخَالِفُ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَنْ عَارَضَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَانَ يَسِيرُ عَلَى الطَّرِيقِ الْمَعْرُوفَةِ إلَى مَكَّةَ فَذَهَبَ إلَى طَرِيقِ قُبْرُصَ يَطْلُبُ الْوُصُولَ مِنْهَا إلَى مَكَّةَ فَإِنَّ هَذَا حَالُ مَنْ تَرَكَ الْمَعْلُومَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو كَائِنًا مَنْ كَانَ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَأَيْت فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ عَجَائِبِ الْأُمُورِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا الْعَلِيمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَأْثُورُ: {إنَّ مِنْ الْعِلْمِ كَهَيْئَةِ الْمَكْنُونِ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا أَهْلُ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ فَإِذَا ذَكَرُوهُ لَمْ يُنْكِرْهُ إلَّا أَهْلُ الْغِرَّةِ بِاَللَّهِ} فَهَذَا قَدْ رَوَاهُ أَبُو إسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ " الْفَارُوقُ بَيْنَ الْمُثْبِتَةِ وَالْمُعَطِّلَةِ " وَذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ الصِّفَاتِ صَحِيحَهَا وَغَرِيبَهَا وَمُسْنَدَهَا وَمُرْسَلَهَا وَمَوْقُوفَهَا. وَذَكَرَهُ أَيْضًا أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كُتُبِهِ. ثُمَّ هَذَا يُفَسِّرُهُ بِمَا يُنَاسِبُ أَقْوَالَهُ الَّتِي يَمِيلُ فِيهَا إلَى مَا يُشْبِهُ أَقْوَالَ نفاة الصِّفَاتِ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ. وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنْ شَيْخِهِ يَحْيَى بْنِ عَمَّارٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
vol. 14, p. 260الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَحَادِيثُ الصِّفَاتِ؛ فَكَانَ يُفَسِّرُ ذَلِكَ بِمَا يُنَاقِضُ قَوْلَ أَبِي حَامِدٍ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ. وَالْحَدِيثُ لَيْسَ إسْنَادُهُ ثَابِتًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَلَمْ يُرْوَ فِي أُمَّهَاتِ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْكَلَامِ فِي تَفْسِيرِهِ وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ فَهُوَ كَلَامٌ مُجْمَلٌ لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينٌ لِقَوْلِ مُعَيَّنٍ فَحِينَئِذٍ فَمَا مِنْ مُدَّعٍ يَدَّعِي أَنَّ الْمُرَادَ قَوْلُهُ إلَّا كَانَ لِخَصْمِهِ أَنْ يَقُولَ نَظِيرَ ذَلِكَ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَ يَحْيَى بْنِ عَمَّارٍ وَأَبِي إسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ أَقْرَبُ مِنْ قَوْلِ الْنُّفَاةِ إنَّ هَذَا الْعِلْمَ هُوَ مِنْ عِلْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاتِّفَاقِ وَعِلْمِ الصَّحَابَةِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ قَوْلَ الْنُّفَاةِ لَا يَنْقُلُهُ أَحَدٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابِهِ لَا بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ بِخِلَافِ مَذْهَبِ الْمُثْبِتَةِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَالْآثَارَ عَنْ الصَّحَابَةِ مَمْلُوءَةٌ بِهِ فَكَيْفَ يُحْمَلُ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عِلْمٍ لَمْ يَنْقُلْهُ عَنْهُ أَحَدٌ وَيُتْرَكُ حَمْلُهُ عَلَى الْعِلْمِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ. وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} قَدْ حَمَلَهُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ الْفَيْلَسُوفُ وَأَمْثَالُهُ عَلَى عُلُومِ الْبَاطِنِيَّةِ