الجهمية والمخالفون للسلف وموقفهم من إثبات صفة العلو
1 paragraph · vol. 17, p. 100
- vol. 17, p. 100
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ عُلُوَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْمَدْحِ اللَّازِمَةِ لَهُ. فَلَا يَجُوزُ اتِّصَافُهُ بِضِدِّ الْعُلُوِّ أَلْبَتَّةَ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَك شَيْءٌ} وَلَمْ يَقُلْ " تَحْتَك " . وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ لَا يَجْعَلُونَهُ مُتَّصِفًا بِالْعُلُوِّ دُونَ السُّفُولِ. بَلْ إمَّا أَنْ يَصِفُوهُ بِالْعُلُوِّ وَالسُّفُولِ أَوْ بِمَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ يَنْفُوا عَنْهُ الْعُلُوَّ وَالسُّفُولَ. وَهُمْ نَوْعَانِ. فالْجَهْمِيَّة الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَوْ بِأَنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ لَا يَصِفُونَهُ بِالْعُلُوِّ دُونَ السُّفُولِ. فَإِنَّهُ إذَا كَانَ فِي مَكَانٍ فَالْأَمْكِنَةُ مِنْهَا عَالٍ وَسَافِلٌ. فَهُوَ فِي الْعَالِي عَالٍ وَفِي السَّافِلِ سَافِلٌ. بَلْ إذَا قَالُوا إنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَجَعَلُوا الْأَمْكِنَةَ كُلَّهَا مَحَالّ لَهُ - ظُرُوفًا وَأَوْعِيَةً جَعَلُوهَا فِي الْحَقِيقَةِ أَعْلَى مِنْهُ. فَإِنَّ الْمَحَلَّ يَحْوِي الْحَالَّ وَالظَّرْفَ وَالْوِعَاءَ يَحْوِي الْمَظْرُوفَ الَّذِي فِيهِ وَالْحَاوِيَ فَوْقَ المحوى. وَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ وَسَائِرُ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ إذَا قَالُوا " إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ
vol. 17, p. 101وَإِنَّهُ فِي السَّمَاءِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ " لَا يَقُولُونَ إنَّ هُنَاكَ شَيْئًا يَحْوِيهِ أَوْ يَحْصُرُهُ أَوْ يَكُونُ مَحَلًّا لَهُ أَوْ ظَرْفًا وَوِعَاءً سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ بَلْ هُوَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَكُلُّ شَيْءٍ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ. وَهُوَ عَالٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْحَامِلُ لِلْعَرْشِ وَلِحَمَلَةِ الْعَرْشِ بِقُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَرْشِ وَعَنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ. وَمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قَوْلِهِ {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} وَنَحْوِ ذَلِكَ قَدْ يَفْهَمُ مِنْهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ " السَّمَاءِ " هِيَ نَفْسُ الْمَخْلُوقِ الْعَالِي الْعَرْشُ فَمَا دُونَهُ. فَيَقُولُونَ: قَوْلُهُ {فِي السَّمَاءِ} بِمَعْنَى " عَلَى السَّمَاءِ " كَمَا قَالَ: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُم فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} أَيْ " عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ " وَكَمَا قَالَ: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} أَيْ " عَلَى الْأَرْضِ ". وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا بَلْ " السَّمَاءِ " اسْمُ جِنْسٍ لِلْعَالِي لَا يَخُصُّ شَيْئًا. فَقَوْلُهُ {فِي السَّمَاءِ} أَيْ " فِي الْعُلُوِّ دُونَ السُّفْلِ ". وَهُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى فَلَهُ أَعْلَى الْعُلُوِّ وَهُوَ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ وَلَيْسَ هُنَاكَ غَيْرُهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ هُوَ عِنْدَهُمْ فِي الْمَخْلُوقَاتِ السُّفْلِيَّةِ الْقَذِرَةِ الْخَبِيثَةِ كَمَا هُوَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ الْعَالِيَةِ. وَغُلَاةُ هَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ " الْوُجُودُ وَاحِدٌ " كَابْنِ عَرَبِيٍّ الطَّائِيِّ صَاحِبِ " فُصُوصِ