كلام الجهمية موجود عن متقدميهم ومتأخريهم

2 paragraphs · vol. 17, p. 213

  1. وَكُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الصِّفَاتِ وَلِمَا ابْتَدَعَهُ بَعْضُ الْيَهُودِ مِنْ التَّشْبِيهِ الْمَنْفِيِّ عَنْ اللَّهِ؛ وَتَارَةً بِأَنَّهُمْ يُشْبِهُونَ النَّصَارَى لِمَا أَثْبَتَتْهُ النَّصَارَى مِنْ صِفَةِ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَلِمَا ابْتَدَعَتْهُ مِنْ أَنَّ الْأَقَانِيمَ جَوَاهِرُ وَأَنَّ أُقْنُومَ الْكَلِمَةِ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ. وَهَذَا الرَّمْيُ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِهِمْ قَبْلَ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَفِي زَمَنِهِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِهِ وَكَلَامِ أَصْحَابِهِ حِكَايَةُ ذَلِكَ. ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ " الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّة وَالزَّنَادِقَةِ " وَأَنَّهُمْ قَالُوا " إذَا أَثْبَتُّمْ الصِّفَاتِ فَقَدْ قُلْتُمْ بِقَوْلِ النَّصَارَى " وَرَدَّ ذَلِكَ. وَفِي " مَسَائِلِهِ " : أَنَّ طَائِفَةً قَالُوا لَهُ: مَنْ قَالَ " الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أَوْ هُوَ فِي الصُّدُورِ " فَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ النَّصَارَى. وَهَكَذَا الْجَهْمِيَّة تَرْمِي الصفاتية بِأَنَّهُمْ يَهُودُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ مُتَقَدِّمِي الْجَهْمِيَّة وَمُتَأَخَّرِيهِمْ مِثْلُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرَّازِي الجهمي الْجَبْرِيُّ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَخْرُجُ إلَى حَقِيقَةِ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَوْثَانِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ. وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ كِتَابَهُ الْمَعْرُوفَ فِي السِّحْرِ وَعِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَوْثَانِ. مَعَ أَنَّهُ كَثِيرًا مَا يُحَرِّمُ ذَلِكَ وَيَنْهَى عَنْهُ مُتَّبِعًا لِلْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكُتُبِ وَالرِّسَالَةِ. وَيَنْصُرُ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَمَا يُشَكِّكُ أَهْلَهُ وَيُشَكِّكُ غَيْرَ

    vol. 17, p. 214أَهْلِهِ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ. وَقَدْ يَنْصُرُ غَيْرَ أَهْلِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ. فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ التَّشْكِيكُ وَالْحَيْرَةُ أَكْثَرُ مِنْ الْجَزْمِ وَالْبَيَانِ. وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ أَجْوِبَةٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ مُشَابَهَةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَيْسَتْ مَحْذُورًا إلَّا فِيمَا خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَنُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ. وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ دِينَ الْمُرْسَلِينَ وَاحِدٌ وَأَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْقُرْآنَ خَرَجَا مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَدْ اسْتَشْهَدَ اللَّهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ حَتَّى قَالَ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ} . فَإِذَا أَشْهَدَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى مِثْلِ قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ هَذَا حُجَّةً وَدَلِيلًا وَهُوَ مِنْ حِكْمَةِ إقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ. فَيَفْرَحُ بِمُوَافَقَةِ الْمَقَالَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِمَا يَأْثُرُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ عَنْ الْمُرْسَلِينَ قَبْلَهُمْ. وَيَكُونُ هَذَا مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَمِنْ حُجَجِ الرِّسَالَةِ وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى اتِّفَاقِ الرُّسُلِ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُشَابَهَةَ الَّتِي يَدْعُونَهَا لَيْسَتْ صَحِيحَةً. فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ

    vol. 17, p. 215لَا يُوَافِقُونَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِيمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ الدِّينِ وَالِاعْتِقَاد. وَلِهَذَا قُلْت فِي بَيَانِ فَسَادِ قَوْلِ ابْنِ الْخَطِيبِ: إنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مَقَالَةَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَلَمْ يَفْهَمْ مَقَالَةَ النَّصَارَى. وَأَوْضَحْت ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ كَمَا بَيَّنَ الْإِمَامُ أَحْمَد الْفَرْقَ بَيْنَ مَقَالَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَبَيْنَ مَقَالَةِ النَّصَارَى الْمُبْتَدَعَةِ وَكَمَا يُبَيِّنُ الْفَرْقَ بَيْنَ مَقَالَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمَقَالَةِ الْيَهُودِ الْمُبْتَدَعَةِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ إذَا فُرِضَ مُشَابَهَةُ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ لِلْيَهُودِ أَوْ النَّصَارَى فَأَهْلُ النَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ مُشَابِهُونَ لِلْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ. وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ مُشَابَهَةَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ خَيْرٌ مِنْ مُشَابَهَةِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْكُفَّارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالنُّبُوَّاتِ وَنَحْوِهِمْ. وَلِهَذَا قِيلَ: الْمُشَبِّهُ أَعْشَى وَالْمُعَطِّلُ أَعْمَى. وَلِهَذَا فَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِانْتِصَارِ النَّصَارَى عَلَى الْمَجُوسِ كَمَا فَرِحَ الْمُشْرِكُونَ بِانْتِصَارِ الْمَجُوسِ عَلَى النَّصَارَى. فَتَدَبَّرْ هَذَا فَإِنَّهُ نَافِعٌ فِي مَوَاضِعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذَا كَانَ الْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُهُمْ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ مَجُوسَ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَهُمْ يَجْعَلُونَ الصفاتية نَصَارَى الْأُمَّةِ وَيَمِيلُونَ إلَى الْيَهُودِ لِمُوَافَقَتِهِمْ

    vol. 17, p. 213
  2. لَهُمْ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ أَكْثَرَ مِنْ النَّصَارَى كَمَا يَمِيلُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْمُتَفَقِّرَةِ إلَى النَّصَارَى أَكْثَرَ مِنْ الْيَهُودِ. فَإِذَا كَانَ الصفاتية إلَى النَّصَارَى أَقْرَبَ وَضِدُّهُمْ إلَى الْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ أَقْرَبَ تَبَيَّنَ أَنَّ الصفاتية أَتْبَاعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ فَرِحُوا بِانْتِصَارِ الرُّومِ النَّصَارَى عَلَى فَارِسَ الْمَجُوسِ وَأَنَّ الْمُعَطِّلَةَ هُمْ إلَى الْمُشْرِكِينَ أَقْرَبُ الَّذِينَ فَرِحُوا بِانْتِصَارِ الْمَجُوسِ عَلَى النَّصَارَى.

    vol. 17, p. 216