فصل: في أنه ينبغي ألا نقول: إن الشيء لا يعرف إلا بإثبات جميع لوازمه - بيان ذلك

3 paragraphs · vol. 17, p. 462

  1. أَمْرٌ يَعْرِفُونَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ سُلُوكِ هَذِهِ الطَّرِيقِ عَدَمُ الْمَعْرِفَةِ. وَقَدْ اعْتَرَفَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِذَلِكَ كَمَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوَاضِعَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الطَّرِيقَ النَّظَرِيَّةَ الَّتِي يَسْلُكُهَا زَادَتْهُ بَصِيرَةً وَعِلْمًا. كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ. وَهُوَ سَلَكَ طَرِيقَةَ الْأَعْرَاضِ. وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَ لَمْ تُفِدْهُمْ إلَّا شَكًّا وَرَيْبًا وَفِطْرَةُ هَؤُلَاءِ أَصَحُّ فَإِنَّهَا طُرُقٌ فَاسِدَةٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَمْ يَحْصُلْ لِي بِهَا شَيْءٌ لَا عِلْمَ وَلَا شَكَّ. وَذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تُحَصِّلْ لَهُ عِلْمًا وَلَا سَلَّمَهَا فَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ صِحَّتُهَا وَلَا فَسَادُهَا. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَفْهَمُ مُرَادَهُمْ بِهَا. وَأَكْثَرُ أَتْبَاعِهِمْ لَا يَفْهَمُونَهَا بَلْ يَتَّبِعُونَهُمْ تَقْلِيدًا وَإِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ.

    vol. 17, p. 462
  2. فَصْلٌ:
  3. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّا لَا نَقُولُ إنَّ الشَّيْءَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِإِثْبَاتِ جَمِيعِ لَوَازِمِهِ. هَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ بَلْ قَدْ تُعْرَفُ عَامَّةُ الْأَشْيَاءِ وَكَثِيرٌ

    vol. 17, p. 463مِنْ لَوَازِمِهَا لَا تُعْرَفُ وَقَدْ يَعْلَمُ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الرَّبَّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِنْ لَوَازِمِ الْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ. لَكِنَّ أَهْلَ الِاسْتِقَامَةِ كَمَا لَا يَعْرِفُونَ اللَّوَازِمَ فَلَا يَنْفُونَهَا فَإِنَّ نَفْيَهَا خَطَأٌ. وَأَمَّا عَدَمُ الْعِلْمِ بِهَا كُلِّهَا فَهَذَا لَازِمٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ فَسُبْحَانَ مَنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا. وَمَا سِوَاهُ {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ} وَهُوَ سُبْحَانَهُ {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ أَنَّ الْمُخَالِفِينَ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ فِي كَلِمَةٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِمْ مِنْ الْخَطَأِ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وَأَنَّ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ وَالسَّمْعِيَّةَ الْمَنْقُولَةَ عَنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ تُوَافِقُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُنَاقِضُ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْبِدَعِ الْمُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَإِذَا قَالُوا: إنَّ الْعَقْلَ يُخَالِفُ النَّقْلَ أَخْطَئُوا فِي خَمْسَةِ أُصُولٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ لَا يُنَاقِضُهُ. الثَّانِي: أَنَّهُ يُوَافِقُهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَا يَدْعُونَهُ مِنْ الْعَقْلِ الْمُعَارِضِ لَيْسَ بِصَحِيحِ. الرَّابِعُ: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْقُولِ الْمُعَارِضِ هُوَ الْمُعَارِضُ لِلْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ. الْخَامِسُ: أَنَّ مَا أَثْبَتُوا بِهِ الْأُصُولَ كَمَعْرِفَةِ الْبَارِي وَصِفَاتِهِ لَا يُثْبِتُهَا بَلْ يُنَاقِضُ إثْبَاتَهَا.