مدخل

59 paragraphs · vol. 2, p. 21

Page 1 of 2

  1. ...

    vol. 2, p. 21
  2. الباب الثاني: القول في تقاسيم النظر الشرعي.

  3. ٧٣٠- [اعلم أن] النظر العقلي لا يفي [بتراجم] أبوابه وذكر مباديه وأسبابه هذا المجموع فالغرض الآن إذا مردود إلى النظر الشرعي.

  4. ومجامعه إلحاق الشيء [المسكوت] عنه بالمنصوص عليه والمختلف فيه بالمتفق عليه لكونه في معناه أو تعليق حكم بمعنى مخيل به مناسب له في وضع الشرع مع رده إلى أصل ثبت الحكم فيه على وفق نظر وربط حكم كما ذكرناه من غير أن يجد الناظر أصلا متفق الحكم يستشهد عليه وهذا هو المسمى الاستدلال [وتشبيه الشيء بالشيء لأشباه خاصة يشتمل عليها] من غير التزام كونها مخيلة مناسبة وهو المسمى قياس الشبه فهذه وجوه النظر في الشرع.

  5. ٧٣١- [فأما] إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به لكونه في معناه فمن أمثلته أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لايبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل به" ١ فجمع البول في إناء وصبه في الماء في معنى البول فيه.

  6. ومنها قوله عليه السلام: "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه" ٢ فجرى ذكر العبد والأمة في معناه.

  7. ونص الرسول عليه السلام في حديث عبادة بن الصامت٣ على إجراء الربا في البر والشعير والتمر والملح وقال القاضي: الأرز في معنى البر والزبيب في معنى التمر وهذا [القسم] يترتب على ما سيلفى مشروحا.

  8. ٧٣٢- والقدر اللائق بغرضنا: أن نثبت ما يعلم ثبوته على اضطرار من غير حاجة [إلى نظر] واعتبار وهو كإلحاق صب البول في الماء الراكد بالبول فيه وما أنكر هذا الجنس إلا حشوية لا يبالى بقولهم وهم في الشرع كمنكرى البدائه في المعقولات وهؤلاء داود وطائفة من أصحابه وقد قال القاضي لا يعتد بخلاف هؤلاء ولا ينخرق الإجماع بخروجهم عنه وليسوا معدودين من علماء الشريعة.

    vol. 2, p. 22
  9. ٧٣٣- ومن هذا الفن ما يحتاج فيه إلى فكر قريب وهو ينقسم إلى الجلي البالغ وإلى ما ينحط عنه:

    فالجلي: كإلحاق الأمة بالعبد في الحديث الذي ذكرناه وسبب الوضوح أن ما منه اشتقاق العبد يتحقق في الأمة فإذا العبودية تجمعها وقد يقال: عبدة للأمة فإذا انضم هذا إلى علم العاقل باستواء أثر العتق في العبد والأمة واعتقاد تماثل السريان فيهما وتشاكل عسر التجزئة ترتب على ذلك القطع بتنزيل الأمة منزلة العبد.

  10. ٧٣٤- وما يتخلف الاشتراك عنه في معنى الاسم فهو دون ما ذكرناه وإن كان معلوما فهو كتنزيل [نبيذ] الزبيب منزلة [نبيذ] التمر لو صح حديث ابن مسعود في الحكاية المروية ليلة الجن ولا يأبى هذا [الإلحاق ذو] حظوة من التحصيل ولسنا نرى إلحاق الأرز بالبر في الربويات من قبيل القطعيات وإلحاق الزبيب بالتمر أقرب وليس مقطوعا به من قبل أن التمر قوت غالب عام فقد يرى الشارع فيه استصلاحا ولم يبلغنا أن أمة من الأمم كانت تجتزئ بالزبيب.

  11. مسألة:
  12. ٧٣٥- ما علم قطعا بهذه الجهات التحاقه بالمنصوص عليه فلا حاجة فيه إلى استنباط معنى من مورد النص وبيان وجود ذلك المعنى في المسكوت عنه بل العقل يسبق إلى القضاء بالإلحاق ويقدره بالمنصوص عليه وإن لم ينظر في كونه معللا بمعنى مناسب مخيل أو غير مخيل ولو قدر معللا فلا يتوقف ما ذكرناه من الإلحاق على تعيين علته المستنبطة وإذا كان كذلك فقد اختلف أرباب الأصول في تسمية ذلك قياسا فقال قائلون إنه ليس من أبواب القياس وهو متلقى من فحوى الخطاب.

    وقال آخرون: هو من القياس وهذه مسألة لفظية ليس وراءها فائدة معنوية ولكن الأمر إذا رد إلى حكم اللفظ فعد ذلك من القياس أمثل من جهة أن النص غير مشعر به من طريق وضع اللغة وموجب اللسان ولو قال رجل: من أعتق نصفا من.

  13. عبدي فالنصف الأخير منه حر فلو أعتق معتق النصف من أمة لم [ينفذ] إعتاقه إنشاء ولا سراية لأن لفظه هو المتبع ولم يثبت في حكم اللفظ استرسال أحكام الشرع فتبين أن حكم اللفظ لا يقتضى ذلك وإنما يثبت هذا في لفظ الشارع من حيث تقرر في وضع الشرع أن الأحكام لا تنحصر على الصور بل تسترسل ولو قال الشارع قاطعا لطريق القياس: "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه دون الأمة" , كان الكلام متناقضا فوضح أن تلقى ذلك مما تمهد لا من أجل اعتبار المسكوت عنه بالمنطوق به.

    vol. 2, p. 23
  14. ٧٣٦- ثم ينقسم ذلك أقساما ويتنوع أنواعا فمنه الجلي المقطوع به ومنه المظنون الذي لا يثبت فيه العلم فالوجه أن يسمى ذلك قياسا وإن عني من أبي تسمية ذلك قياسا أن لفظ الشارع كاف فيه من غير سبر وفكر فهو صحيح.

  15. فهذا القدر كاف في توطئة الكلام في هذا القسم.

  16. القسم الثاني: قياس العلة.

  17. ٧٣٧- والقسم الثاني من أقسام النظر الشرعي: استنباط المعاني المخيلة المناسبة من الأحكام الثابتة في مواقع النصوص والإجماع ثم إذا وضح ذلك على الشرائط التي سنشرحها [وثبتت تلك] المعاني في غير مواقع النص وسلمت عن المبطلات فهذا القسم يسمى قياس العلة وهو على [التحقيق] بحر الفقه ومجموعه وفيه تنافس النظار وأكثر القول في هذا الكتاب يتعلق ببيان صحيحه وفاسده وذكر الاعتراضات الصحيحة والفاسدة عليه.

  18. وأنا أرى أن أصدر القول فيها بالطرد ومعناه وذكر المذاهب في قبوله ورده واختيار المسلك الحق فيه إن شاء الله تعالى.

  19. مسألة: [في الطرد] .

  20. ٧٣٨- الطرد هو الذي لا يناسب الحكم ولا يشعر به ولو فرض ربط نقيض الحكم [به] لم يترجح في مسلك الظن قبل البحث عن القوادح النفى على الإثبات ولم يكن من فن الشبه على ما نصفه هذا هو الطرد.

  21. ٧٣٩- وقد ذهب المعتبرون من النظائر إلى أن التمسك به باطل وتناهى القاضي في التغليظ على من يعتقد ربط حكم الله تعالى به.

  22. ٧٤٠- وذهب طوائف من أصحاب أبي حنيفة إلى أنه حجة من حجج الله تعالى إذا سلم من الانتقاض وجرى على الاطراد.

    vol. 2, p. 24
  23. ٧٤١- وذهب الكرخي إلى أن التعلق به مقبول جدلا ولا يسوغ التعويل عليه عملا ولا فتوى.

  24. ٧٤٢- وقد أكثر المحققون في وجوه الرد على أصحاب الطرد وحاصل ما ذكروه يئول إلى وجوه منها:

    أن أقيسة المعاني لم تقتض الأحكام لأنفسها وإنما ظهر لنا من دأب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم التعلق بها إذا عدموا متعلقا من الكتاب والسنة فكان مستند الأقيسة الصحيحة إجماعهم على ما سبق تقريره.

  25. والذي تحقق لنا من مسلكهم النظر إلى المصالح والمراشد والاستحثاث على اعتبار محاسن الشريعة فأما الاحتكام بطرد لا يناسب الحكم لا يثير شبها فما كانوا يرونه أصلا فإذا لم يستند الطرد إلى دليل قاطع سمعي بل يتبين أنهم كانوا يأبونه ولا يرونه ولو كان الطرد مناطا لأحكام الله تعالى لما أهملوه وعطلوه فقد استمرت الطريقة قاطعة من وجهين:

    أحدهما: أنا أوضحنا أنه ليس للطرد مستند معلوم ولا مظنون وليس هو في نفسه مقتضيا حكما لعينه.

  26. والآخر: أنا نعلم إضرابهم عن مثله في النظر في أحكام الوقائع كما نعلم إكبابهم على تطبيق الأحكام على المصالح الشرعية وهذه طريقة واقعة.

  27. ٧٤٣- ومن أوضح ما يعتصم [به] أن مناط الأعمال في الشريعة ينقسم إلى معلوم ومظنون وما لا يتطرق إليه علم ولا ظن فذاكره ومعلق الحكم به متحكم وقد أجمع حملة الشريعة على بطلان الاحتكام.

  28. فإن ادعى الطارد ظنا [تبين] خلفه وكذبه فإن للظن في مطرد العرف أسبابا كما أن للعلوم النظرية طرقا مفضية إليها ومن ادعى أنه يظن أن وراء الجبل المظل غزالة من غير أن يبين لظنه مرتبطا أو سببا كان صاحب هذه المقالة كاذبا أو مخيلا فإذا بطل التحكم ولم ينقدح ظن ولا علم والذي ربط به ثبوت الحكم لو نسب إلى نفيه لكان كما لو نسب إلى إثباته فلا يبقى للتعلق به وجه.

  29. ٧٤٤- و [قد] انتهى كلام القاضي والأستاذ في هذا إلى ما نرمز إلى مبادئه فإنهما قالا من طرد عن غرة فهو جاهل [غبي] ومن مارس قواعد الشرع واستجاز الطرد فهو هازئ بالشريعة مستهين بضبطها مشير إلى أن الأمر إلى القائل كيف أراد.

    vol. 2, p. 25
  30. ٧٤٥- فإن قيل: سلامته عن النقض تغلب على الظن انتصابه علما قلنا: هذا الطارد مطالب بتصحيح مطرده فهو الذي طرده والصورة التي فيها النزاع عند المعترض على الطرد [نقض للطرد] .

  31. ٧٤٦- فإن قال الطارد: فقد اطرد في غير محل النزاع.

  32. قيل له: جريانه في غير محل النزاع لا يوجب القضاء بالطرد في غيره وعلى الطارد أن يثبت كونه علما فيما ادعى جريانه فيه.

  33. فإن تمسك بنفس الجريان قيل: هذا جريان في مسائل معدودة فلا ينتهض علما ولا يجب منها الحكم على جميع الشريعة فإنما يكون ما ذكره مخيلا لو جرى الطرد في جميع المسائل وساوقه الحكم على حسب طرد الطارد.

  34. فآل النزاع إلى [أن] ما جرى على وفاق هل هو علة فإذ ذاك ربما تخيل من لا تحصيل له أن الجاري علة وسنبين أن الأمر ليس كذلك.

  35. ٧٤٧- بعد هذا قلنا: إذا كان الطارد منازعا في طرده فكيف [يصح أن] يستدل بالطرد وحاصل استدلاله أنه يقول الدليل على صحة طردي دعواي اطراده في صور النزاع فلا يبقى بعد هذا الذي عقل تعلق بالطرد المحض في مسائل معدودة.

  36. ٧٤٨- ثم قال القاضي: لو كان التمسك بالطرد سائغا لما عجز عنه أحد من طبقات الخلق ولما كان في اشتراط [استجماع] أوصاف المجتهدين معنى.

  37. فإن زعم زاعم أن شرط الطرد أن يسلم من العوارض والمبطلات ولا يتهدى إليها إلا العالم.

  38. قيل له: ليطرد العامى ثم يراجع العالم فإذا انتهى التصرف في الشرع إلى هذا المنتهى كان ذلك هزءا بقواعد الدين.

  39. ٧٤٩- ثم نقول: علماء الشريعة صرفوا مباحثتهم في الوقائع العرية عن النصوص والإجماع إلى [ما يرونه] مشعرا بالحكم مشيرا إليه مخيلا به وقد ضرب.

  40. الحليمي لذلك مثلا فقال: من رأى دخانا وثار له الظن أن وراءه حريقا كان محوما على الإصابة قريبا من نيلها.

    vol. 2, p. 26