مدخل
65 paragraphs · vol. 2, p. 161
Page 2 of 2
- vol. 2, p. 165
ويتسع الآن القول في إثبات الحكم بالعلتين ونفى ذلك والغرض يتبين بفرض أسئلة وأجوبة عنها.
-
فإذا قلنا: معتدة فتكون محرمة كالمعتدة البائنة فيقول [المعترض: المعنى] في تحريمها أنها بائنة وهذا المعنى يستقل باقتضاء الحكم ولا خلاف أن البينونة علة في اقتضاء التحريم فليقع الاكتفاء بها.
-
وربما أكد السائل كلامه بأن قياس الرجعية على البائنة بمثابة قياس البالغة على الصغيرة بجامع الأنوثة فإذا قال القائل: أنثى فلتلحق بالصغيرة كان ذلك مردودا فإن الصغر بمجرده يستقل نافيا للاستقلال فلا أثر للأنوثة وقد قدمنا ذلك في العلل المركبة وهذا القول يلتحق بقول القائل: مس فصار كما لو مس وبال.
- vol. 2, p. 166
وقد أجاب عن ذلك الأولون فقالوا: لسنا ننكر كون البينونة علة ولكن العدة علة أخرى وليس بين العلتين تعارض إذ ليس بين حكميهما تناقض ولا يمتنع.
-
ارتباط الحكم الواحد بعلتين وأما القياس على الأنثى الصغيرة فهو في صوره كقياس الرجعية على البائنة ولكن الأنوثة ليست مخيلة والمستدل بتلك الصورة طارد فكان بطلان العلة لذلك وكذلك سبيل القياس على ما لو مس وبال.
-
١١٤٥- فإن قيل: قد قدمتم أن الحكم لا يعلل بعلتين فلم سوغتموه الآن؟
-
قلنا: حاصل كلامنا فيما مضى آيل إلى أن ذلك غير ممتنع من طريق النظر فإن العلل الشرعية أمارات ولا يمتنع انتصاب أمارات على حكم واحد كما لا يمتنع ازدحام أدلة عقلية على مدلول واحد وإنما كان يمتنع تقدير ذلك أن لو كانت الأمارات موجبات كالعلل العقلية عند مثبتيها فإنها موجبة معلولاتها فيمتنع على هذا التقدير ثبوت موجبين لموجب واحد مع الاستقلال بأحدهما وينجر القول إلى سقوط فائدة إحدى العلتين وهذا لا يتحقق في العلامات ولكنا مع هذا قلنا: هذا الذي لا يمتنع في مسلك النظر لم يتفق وقوعه ثم أوردنا صورا يتعلق بها في ظاهر الأمر حكم بعلل وأوردنا أنها أحكام تعلل بعلل وإنما يتخيلها الناظر حكما واحدا لضيق المحل عن الوفاء بأعدادها عند ازدحامها.
-
وقد سبق في هذا قول مقنع تام.
-
والغرض من تجديد العهد به أن القايس على البائنة [يستدل بأن] يقول: اجتمع في البائنة المعتدة علتان وتحريمان: أحد التحريمين تحريم البينونة وانقطاع النكاح وهذا لا يختص بالعدة فإنها لو [أبينت] قبل الدخول من غير عدة لحرمت والتحريم الثاني تحريم التربص فهذا هو المطلوب وهو المعلل بالعدة وليس في هذا التقدير إثبات حكم واحد بعلتين فإن أنكر [منكر] كون العدة علة فعلى السابر الجامع أن يثبت ذلك بما يثبت به علل الأصول.
-
فهذا وجه الكلام.
-
١١٤٦- ونحن نذكر الآن في هذا الفن سرا بديعا يتخذه الناظر معتبرا في أمثاله فإن قال قائل: إنما يستقيم ما ذكرتموه من تجريد النظر إلى العدة بأن تقدروا زوال البينونة وتمحض العدة من غير انقطاع النكاح ولو كان كذلك لكان ما تعتقدونه أصلا عين مسألة الخلاف فإن المعتدة التي ليست بائنة هي الرجعية وينقدح في هذا السؤال
vol. 2, p. 167الذي اعتمدناه في رد التركيب إذ قلنا المركب يقول إن كانت ابنه الخمس عشرة كبيرة فالحكم ممنوع كذلك إن فرض تجريد العدة عن البينونة فيكون الحكم ممنوعا عند الخصم وهذا الذي نحن فيه نوع من التركيب في العلل ومهما سلم الجامع ثبوت علة أبداها المعترض [في الأصل] سوى ما وقع الجمع به فيتوجه تقدير المنع على هذا الترتيب الذي ذكرناه.
-
وهذا من لطيف الكلام في هذا الباب فليتنبه الناظر له وهو يجري في القياس على ما لو مس وبال [لو] كان قوله مس مخيلا فإن رجع الكلام إلى أنه مس فصار كما لو مس فلا يستبد التعلق بالعدة في اقتضاء التحريم إلا استدلالا.
-
١١٤٧- فإن قيل: لو قال من يحرم الرجعية معتدة فشابهت المعتدة عن وطء شبهة طارئ على النكاح فهل يصلح هذا وهل يستقيم [تقدير عدة الشبهة] أصلا؟.
-
قلنا: هذا على اطراده من أحسن فنون الطرد فإن المعتدة في الأصل مشغولة الرحم بماء محترم لغير الزوج وفي إقدام الزوج على وطئها اختلاط الماءين ولا خلاف أن التحريم في الأصل معلل بهذا لا غير.
-
ومن يريد جمعا في متعلق له إلا اسم المعتمدة فكان طاردا فإن أخذ يبدي [في عدة المعتدة الرجعية] ما ذكرناه استدلالا من كونها متربصة عن الزوج لم يتحقق هذا في الأصل فالعلة [الأولى] فيها إخالة ربط حكم أو حكمين متماثلين بعلتين وهذه العلة إن ردت إلى طالب الإخالة فالأمة مجمعة على أن الفرع والأصل غير مجتمعين في المعنى المقتضى فلا يبقى الاجتماع إلا في نعت واسم.
-
والذي يحقق ذلك أن العدة عن الغير تمنع ابتداء النكاح لغير من عنه العدة ولو كانت العدة من الزوج ولم تقع الحرمة الكبرى لما امتنع على الزوج النكاح فاستبان أن محرم الرجعية إن عول على العدة لم يجد أصلا.
-
١١٤٨- فإن قيل: فما رأيكم في استعمال ذلك استدلالا؟
-
قلنا: هو الآن يتعلق بفن من الفقه ولكن إذا انتهى الكلام إليه نأتي فيه بما يليق بهذه المحال ونقول: إن تمسك المحرم بمناقضة التربص المستدعي البراءة للوطء الشاغل فلست أرى هذا المعنى واقعا من جهة أن الوطء عند الخصم لو جرى لانقطعت العدة وإنما الممتنع [اجتماع] العدة والتشاغل بالوطء على مذهب من يبيح.
- vol. 2, p. 168
الرجعية بل هو رجعة عنده ثم الرجعة والعدة عنده لا [يجتمعان] ولكن [طريان] الرجعة يتضمن انقطاع العدة فليكن الوطء كذلك.
-
١١٤٩- فإن قيل فما الرأي في قول من يتمسك بالاحتساب بالعدة؟ ويقول: ولو كانت مستحلة كما كانت لما احتسبت الأقراء [عدة] كما لو وجدت صورة الأقراء قبل الطلاق؟
-
قلنا: هذا أمثل قليلا وهو في التحقيق تمسك بالعكس وجواب الخصم عنه [أوضح منه] فإنه يقول الطلاق في غير الممسوسة ينجز البينونة وهو في الممسوسة يثبت المصير إلى البينونة وذلك يحصل بالخلو عن العدة والعدة زمان الجريان إلى البينونة وهذا لا يتحقق قبل الطلاق إذ ليس قبله مرد إلى البينونة يتوقع المصير إليها فالذي أوجب الفصل بين ما قبل الطلاق وبعده في الاعتداد ما ذكرناه والتي انقضت عدتها بعد الطلاق [و] صارت بريئة الرحم تلتحق بالتي لم تمس أصلا فهذا وجه الكلام.
-
١١٥٠- فإن تعلق المحرم بان الطلاق أوجب المصير إلى البينونة فليكن هذا محرما لم يستبد هذا أيضا من جهة أن الزوج إذا علق الطلاق الثلاث بمجيء رأس الشهر لم تحرم المرأة في الأمد المضروب فإن كانت البينونة هي المحرمة فهي منتظرة غير واقعة وإن كان الطلاق هو المحرم فلم ينتصب دليلا عليه بعد.
-
فإن قيل: لو كانت مستحلة لما احتيج إلى الرجعة فللخصم أن يقول الرجعة تقطع وقوع البينونة فإنها لو تركت لصارت إليها.
-
١١٥١- ولم نذكر هذه المعارضات إلا ليستبين الناظر وجه التمسك بالمعاني التي لا أصول لها واعتماد المستدل على الإخالة والمناسبة فالوجه في مسألة الرجعية إذا اعترضت أن تقع البداية بأن الوطء لا يكون رجعة [وثبت] ذلك سهل كما سبق منا التدرج إليه في "الأساليب" .
-
وإذا ثبت ذلك بنينا عليه تحريم الوطء قائلين: إذ لم يكن الوطء رجعة لم تنقطع به العدة فيؤدي إباحة الإقدام عليه إلى الجمع بين دوام التربص لتفريغ الرحم وبين إباحة شاغلة وهذا وإن لم يستند إلى أصل فهو معنى قويم ومسلك مستقيم.