مراتب قياس المعنى
174 paragraphs · vol. 2, p. 205
Page 2 of 5
- vol. 2, p. 210
١٢٦٦- فإذا تمهدت هذه القاعدة [فغرض هذه] المرتبة إلحاق فرع بهذا الأصل مع تقدير الوفاق فيه.
-
فنقول في الطرف: إنه صين بالقصاص على المنفرد فليصن بالقصاص على المشتركين كالنفس وهذا أجلى ولكنه في أعلى مراتب الظنون.
-
١٢٦٧- فإن قيل: ما سبب خروج هذا القياس عن مسالك العلوم مع استبانة [استقائه] من القاعدة كما ذكرتموه؟ قلنا: في القاعدة على الجملة نظر.
-
أما إسقاط أصل القصاص عن المشتركين فمعلوم بطلانه قطعا فإنه مبطل لحكمة العصمة وأما قتل واحد من المشركين لا بعينه مع تفويض الأمر إلى رأى من له القصاص فليس يرد ذلك ولكنه يقع في مجال الظنون.
-
ثم في إلحاق الطرف بالنفس ثلاثة أشياء يطرق كل واحد إليه الظن:
أحدها: أن قائلا لو قال: لو أفضى قطع الطرف إلى النفس لوجب القصاص على المشتركين وتقرير ذلك مردعة لهم فلا يؤدي ذلك إلى الهرج هذا وجه واقع ودافعه أنه لو صح لسقط القصاص في الطرف أصلا فإذا جرى القصاص مع الاندمال أشعر ذلك باعتناء الشرع بتخصيصه بالصور حتى كأن الطرف مع النفس كزيد مع عمرو في أن كل واحد منهما مقصود بالصون.
-
١٢٦٨- والوجه الثاني: مما يقتضي الظن ظن الخصم أن ما ذكرناه من الجمع في حكمه القصاص ينقضه تمييز فعل أحد الشريكين في القطع عن فعل الشريك الثاني فإذا كان كذلك فهو ممكن غير عسير ثم لا قصاص على واحد منهما وهذا إن سلم فهو لعمري قادح في الجمع وقد صح فيه منع كما يعرف الفقهاء.
-
١٢٦٩- والوجه الثالث: أن الطرف مما يقبل التبعيض فيصور الخصم أن القطع الواقع على صورة الشركة يحمل على وقوعه على التبعيض إذا كان المجني عليه قابلا للتبعيض.
- vol. 2, p. 211
وهذا زلل فإن إمكان تصوير ما يسقط القصاص لا يدرؤه إذا لم يكن وكان بدله ما يشابه الاشتراك في الروح فلو توجهت هذه الجهات وبعد القول في الأصل بعض البعد كان ذلك دون المرتبة الأولى المستندة إلى العلم [والقطع] فهذا واضح جدا.
-
ومن حكم وضوحه أنه لا يثبت له معارض إذ لو قدر له معارض لكان ناشئا من تقدير شبهة توجب المحافظة على حكمة العصمة في حق الجاني ومآخذ الشبهات ما يشير إليه المعاذير ولا عذر للجاني.
-
وإن حاول الخصم تسبيب المعارضة في جهة أن واحدا لم يقطع اليد بطل ذلك عليه بالنفس.
-
ولو رجع وزعم أن القصاص على الشركاء على خلاف القياس كان ذلك روم اعتراض وقد أوضحنا بطلانه والمخيلة العظمى في ظهور قياس المعنى امتناع المعارضة المحوجة إلى الترجيح.
-
فإن عارضوا القصاص في الطرف بقطع السرقة وشبهوا الاشتراك في قطع اليد بالاشتراك في سرقة نصاب لم يكن ما جاءوا به مأخوذا من قاعدة القصاص.
-
ونحن لم نعن بامتناع المعارضة انسداد المسالك البعيدة وإنما المعارضة الحاقة ما ينشأ من وضع الكلام ولا شك [في] أن قطع السرقة بعيد في أصله وتفصيله عن القصاص فإن الأصل المعتبر في قطع السرقة أخذ مال غير تافه على الاختفاء من حرز مثله والغرض بشرع القطع ردع السارق عن تناول المال والنفيس وفي النفس مزجرة عن ركوب الأخطار بسبب التافه.
-
وهذا المعنى يوجب نفي القطع عن الشركاء فإن كل واحد منهم على حصته من المسروق وذلك المقدار لا حاجة إلى إثبات رادع عنه.
-
وهذا لا يتحقق في القصاص أصلا [فيما نحن فيه] فإن معتمده الصون وتمهيد العصمة وليس في قاعدته انقسام إلى التافه والنفيس وخروج كل جان عن الاستقلال بكل الجناية لا يسقط القصاص عنه إذ لو قيل به لخرم قاعدة الصون على أنه محقق في النفس كما سبق.
-
١٢٧٠- وإذا لم تكن المعارضة على حقها في منشأ الاجتهاد لم ينتظم فرق
vol. 2, p. 212ورجع كلام المحقق إلى تباين القاعدتين وتباعدهما وإيضاح ابتناء كل واحد منهما على أصل غير معتبر في القاعدة الأخرى.
-
وهذا لا ينتظم فرقا ويدخل في أقسام فساد الوضع ووجب نسبه الخصم إلى البعد عن مأخذ الكلام والاكتفاء بتلفيق لفظي عرى عن التحقيق.
-
١٢٧١- والذي يحقق ذلك أن من سرق نصابا واحدا في دفعات [وهو في كل دفعة] يهتك حرزا لم يستوجب قطعا ولو قطع جان يدا واحدة بدفعات استوجب القصاص عند الإبانة.
-
١٢٧٢- ويتعلق بالكلام في هذا القسم أمر يتعين الاعتناء به وهو مزلة مالك ونحن نقول فيه: إذا ثبت ارتباط حكم في أصل بحكمة مرعية فيجوز الاستمساك بعينها في إلحاق الفرع بالمنصوص عليه في عين الحكم المنصوص.
-
ولا يجوز تقدير حكم آخر متعلق بحكمة تناظر الحكمة [الثابتة] [في الأصل المنصوص عليه فإن هذا يجر إلى الخروج عن الضبط ويفضي في مساقه إلى الانحلال فإن الحكمة الثانية] لو قدرت لدعت إلى ثالثه ثم لا وقوف إلى منتهى مضبوط.
-
١٢٧٣- وبيان ذلك بالمثال: أن المال صين بشرع القطع إبقاء له على ملاكه وزجرا للمتشوفين إليه ولو فرض تعرض للحرم بمراودات دون الوقاع فأدناها يبر على أقدار الأموال ولا يسوغ نقل القطع إليه وكذلك القول في أمثاله.
-
١٢٧٤- وعند ذلك انتشر مذهب مالك وكاد يفارق ضوابط الشريعة واعتصم بألفاظ وعيدية معرضة للتأويل منقولة عن جلة الصحابة وقد يدنو المأخذ جدا فيزل الفطن إذا لم يكن متهذبا دربا بقواعد الاجتهاد.
-
١٢٧٥- وبيان ذلك [بالمثال] أنا إذا قلنا: قطع السرقة مشروع لصون الأموال وزجر السارقين فألزمنا عليه ما إذا نقب الواحد الحرز وسرق الآخر فلا قطع على وواحد منهما وهذا يخرم الحكمة المرعية في [صون] الأموال فإن [التسبب] إلى ما ذكرناه يسير ممكن.
-
وهذا على الحقيقة غامض من جهة أن الشخص الواحد إذا نقب وسرق فقد أخرج النقب الحرز عن حقيقته ولم يقدم على المال إلا وهو في مضيعة ثم لم نقل لا قطع عليه من حيث انفصل هتك الحرز عن أخذ المال وكان من الممكن أن
vol. 2, p. 213يختص القطع بمن يتسلق على الحرز ويأخذ المال من غير هتك.
-
وهذا مجال ضيق ويتجه فيه خلاف العلماء وحق الأصولي ألا يعرج على مذهب ولا يلتزم الذب عن مسلك واحد ولكن يجري مسلك القطع غير ملتفت إلى مذاهب الفقهاء في الفروع.
-
١٢٧٦- ثم القول الممكن في السارق والناقب أن صون الأموال وإن اثبت فهو مخصوص بالسرقة من الحرز وليس [إلينا] وضع الحكم والمصالح ولكن إذا وضعها الشارع اتبعناها.
-
١٢٧٧- ومن لطيف الكلام في ذلك أن المعلل إذا قيد تعليله [الفقهي] المعنوي يقيد غير مخيل لا على معنى الاستقلال ولا على الانضمام إلى أركان العلة المركبة فذلك التقييد مطرح في مسلك المعاني وطرق الإخالة إلا فيما نصفه وهو تقييد الكلام بحكم معين تعلق بحكمة معلومة.
-
وهذا كذكرنا صون المال عن السراق فإذا ألزمنا صون الحرم لم نلتفت إليه ولم نلتزم فرقا بين الصورتين فإن ذلك إنما ينشأ من رعاية المصلحة مع الانحصار على الحكم المنصوص عليه.
-
ثم ما ذكرناه ليس مختصا بحكم واحد بل هو مطرد في جمله المصالح الشرعية فكل مصلحة مختصة [بحكمها] وغاية القايس ضم جزئي في المنصوص عليه إلى القاعدة الكلية.
-
١٢٧٨- فإن قيل: إذا قسم الطرف في حق الاشتراك على النفس فهل تنسبون إلى المحذور الذي ذكرتموه من مجاوزة موارد المصالح؟.
-
قلنا: إن كان ذلك مجاوزة فلا قياس إذا وينبغي أن يجتنب المنتهي إلى هذا المقام طرفي القياس والانحلال.
-
فنقول: ساوى الطرف النفس في الأصل وهو القصاص ثم ثبت الصون في النفس بإجراء [القصاص] على المشتركين فرمنا إلحاق الطرف المساوي للنفس [في أصل القصاص بالنفس] في فرع اقتضاه أصل القصاص وهذا غاية المطلوب في ارتباط الفرع بالأصل واقتضاء الأصل الفرع.
-
١٢٧٩ - وإذا بلغ الكلام هذا المبلغ فليعلم الناظر أن أسد المذاهب في القول.
- vol. 2, p. 214
بالقياس الحق واجتناب الخروج عن الضبط مذهب الشافعي.
-
ولست أرى في مسالكه حيدا إلا في أصل واحد لم يحط بسر مذهبه [فيه فهمي] وهو: إثباته قتل تارك الصلاة فإنه لم يرد فيه نص وتقريب القول فيه يتضمن حكمه لم يثبت أصلها وهذا مشكل جدا فإن طمع [من] قصر فكره بتشبيه المأمور به بالمنهي عنه كان ذلك بعيدا غير لائق بمذهب هذا الإمام.
-
وهذا القدر كاف في التنبيه وقد نجز غرضنا في القول في المرتبة الثانية من قياس المعنى.
- المرتبة الثالثة:
-
١٢٨٠- نمثلها في القول بالمكره على القتل وفيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن القصاص على المكره دون المكره.
-
والثاني: وهو قياس مبين أن القصاص على المكره دون المكره وهو مذهب زفر.
-
والثالث: أن القصاص يجب عليهما وهو مذهب الشافعي.