مدخل

79 paragraphs · vol. 1, p. 96

Page 2 of 2

  1. وحاصل القول في هذه المسالك رد الأمر إلى القصد والغرض من النهي عن الزنا ألا يكون الزنا لا أن يكون ضد من أضداده فالمباحات مقصودة منتحاه بقصد الإباحة وليست مقصودة بالإيجاب وما عندنا أن الكعبي ينكر ذلك ونحن لا ننكر أن المباحات تقع ذرائع إلى الانكفاف عن المحظورات.

    vol. 1, p. 101
  2. والذي يوضح ما نحاول: أن الزنا محظور لنفسه وهو ترك للقتل فليكن محظورا من حيث إنه زنا واجبا من حيث إنه ترك للقتل ومن لم يتفطن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة ثم إنكار الإباحة هجوم عظيم على الإجماع فإن الكعبي ورهطه مسبوقون بإجماع الأمة على الإباحة ووجهه ما ذكرناه آنفا.

  3. مسألة:
  4. ٢٠٦- المكروه لا يدخل تحت الأمر المطلق عند المحققين وإن لم يكن محرما وسيأتي الكلام على معنى نهى الكراهية.

  5. وذهب ذاهبون من الفقهاء [إلى] أنه داخل تحت الأمر والدليل على ما ارتضاه المحققون أن الأمر طلب واقتضاء والمكروه ليس مطلوبا ولا مقتضى فكيف يقع امتثالا للاقتضاء؟ مع تحقيق المنع عنه فضلا عن الاقتضاء والمباح لا يقع مأمورا به لأن من حقيقته التخير فيه فإذا لم يدخل المباح تحت الأمر فكيف يندرج تحت [قضيته] المزجور عنه؟

  6. وهذه المسألة مثلها الأئمة بالترتيب في الوضوء وقالوا الأمر بالوضوء عند القيام جازم محمول على الإيجاب والاقتضاء البات والوضوء المنكس عند من لا يرى الترتيب مستحقا مكروه فلا يدخل تحت مقتضى الأمر فيبقى الأمر متوجها إلى وقوع امتثال مقتضى مطلوب.

  7. هذا منتهى كلام الأصحاب في ذلك.

  8. ٢٠٧- والذي أراه أن ما ذكروه إن لم يصدر عن رأى مخمر فلا حاصل له وإن صدر هذا القول عن ذي بصيرة فهو تلبيس ووجه الكشف فيه أنا لا ننكر وقوع الشيء مجزيا مسقطا فرض الامتثال المحتوم وإن كان وقوعه على حكم الكراهية ومن [تتبع] قواعد الشريعة ألفى من ذلك أمثلة تفوق الحصر فلا يمتنع إذا.

  9. اجتماع الإجزاء مع الحكم بالكراهية.

    vol. 1, p. 102
  10. وإن ادعى من يرى الترتيب واجبا أن المكروه ليس بامتثال وملابسه ليس ممتثلا فنتيجة كلامه أن الأمر الجازم باق بعد الوضوء المنكس وإذا كان كذلك فالترتيب بحكم الخطاب والإيجاب مستحق.

  11. فإذا استثمر اللبيب هذا الكلام كان مغزاه إثبات وجوب الشيء من حيث ثبت على مذهب الخصم كراهيته وهذا من فن العبث وكيف يطمع المحصل في إفضاء هذا الكلام إلى التحقيق مع اعترافه بأن المكروه لا يمتنع أن يقع امتثالا.

  12. فإذا بلغت المباحثة منتهاها فالوجه عندي في هذه المسألة ردها إلى مأخذ الكلام في الصلاة في الدار المغصوبة فليفرض الأمر مطلقا عاما شاملا للمنكس والمرتب وإن لم يظهر في الآية ما يشعر بالترتيب لم يحمل نهي الكراهية عند القائل به على كراهة لا [تتعرض] لمقصود الأمر وإنما [تتلقى] من مأخذ آخر وقد تقرر هذا الفن مرددا في مسائل.

  13. ثم الذي حمل من لا يشترط الترتيب على تسليم الكراهية وقوع الوضوء على خلاف ما عرف وألف من عادة السلف الصالح رضي الله عنهم أو وقوعه على وجه يخالف في صحته طوائف من حملة الشريعة من غير عذر ولا عسر في ارتياد الموافقة.

  14. مسألة:
  15. ٢٠٨- من توسط أرضا مغصوبة على علم فهو متعد مأمور بالخروج عن الأرض المغصوبة ثم الذي ذهب إليه أئمتنا أجمعون أنه إذا استفتح الخروج واشتد في أقرب المسالك وأخذ فيه على مبلغ الجهد فليس هو مع التشمير واجتناب التقصير ملابسا عدوانا بل هو منسلك في سبيل الامتثال.

  16. ٢٠٩- وقال أبو هاشم هو إلى الانفصال عاص وقد عظم النكر عليه من جهة أن من فيه الكلام ليس يألو جهدا في الامتثال فإذا كانت حركاته امتثالا استحال أن تكون محتسبة عليه عدوانا.

  17. وهذا المسلك ناء عن طريق القول في الصلاة في الدار المغصوبة فإن العدوان في تلك المسألة غير مختص بالصلاة وحكمها فانفصل غرض الصلاة عن مقتضى النهي عن الغصب كما سبق مقررا والأمر بالخروج فيما نحن فيه مدفوعون إليه مماس.

  18. للعدوان على حكم المضادة فكان الحكم للخارج بملابسة الامتثال في جهة ترك العدوان مناقضا لاستصحاب حكم العدوان عليه وهذا يلزم أبا هاشم جدا من حيث إنه جعل أكوان الغاصب خارجة عن وقوعها طاعة في جهة الصلاة ورأى تقرير ذلك مناقضا فكيف يحكم على الخارج بالامتثال مع استمرار حكم العدوان عليه.

    vol. 1, p. 103
  19. ٢١٠- والذي هو الحق عندي أن القول في ذلك معروض على مسألة من أحكام المظالم وهو أن من غصب مالا وغاب به ثم ندم على ما تقدم وثاب واسترجع وآب وأتى بتوبته على شرطها فالذي ذهب إليه المحصلون أن سقوط ما يتعلق بحق الله تعالى يتنجز إما مقطوعا به على رأى وإما مظنونا على رأى وأما ما يتعلق بمظلمة الآدميين فالتوبة لا تبرئ منه ولست أعني به الغرم وإنما أعني به الطلبة الحاقة في [القيامة] .

  20. فأما المغارم فقد ثبتت من غير انتساب إلى المآثم كالذي يجب على الطفل بسبب ماجنى وأتلف.

  21. والسبب في بقاء المظلمة مع حقيقة الندم وتصميم العزم على استفراغ كنه الوسع في محاولة الخروج عن حق الآدمي أن الذي تورط فيما تندم عليه [الآن هو مضطر إلى الخروج كالمضطر إلى الميتة فيحل له ذلك كالميتة] ولا ينجيه الندم ما لم يخرج عما خاض فيه.

  22. ٢١١- فإذا وضح ذلك انعطفنا على غرض المسألة قائلين من تخطى أرضا مغصوبة نظر فإن اعتمد ذلك متعديا فهو مأمور بالخروج وليس خارجا عن العدوان والمظلمة لأنه كائن في البقعة المغصوبة والمعصية مستمرة وإن كان في حركاته في صوب الخروج متمثلا للأمر وهذا يلتفت إلى مسألة الصلاة في الدار المغصوبة فإنها تقع امتثالا من وجه وعصيانا واعتداء من وجه فكذلك الذاهب إلى صوب الخروج ممتثل من وجه عاص لبقائه من وجه.

  23. فإن قيل: إدامة حكم العصيان عليه يتلقى من ارتكابه نهيا والإمكان معتبر في المنهيات اعتباره في المأمورات فكيف الوجه في إدامة معصيته فيما لا يدخل في وسعه الخلاص منه قلنا تسببه إلى ما تورط فيه آخرا سبب معصيته فليس هو عندنا منهيا عن الكون في هذه الأرض مع بذله المجهود في الخروج منها ولكنه مرتبك في المعصية مع انقطاع تكليف النهي عنه وهذا تمام البيان في ذلك.

  24. ٢١٢- ويظهر الغرض منه بمسألة ألقاها أبو هاشم حارت فيها عقول الفقهاء وأنا أذكرها وأوضح ما فيها.

    vol. 1, p. 104
  25. وهي: أن من توسط جمعا من الجرحى وجثم على صدر واحد منهم وعلم أنه لو بقي على ما هو عليه لهلك من تحته ولو انتقل عنه لم يجد موقع قدم إلا بدن آخر وفي انتقاله إهلاك المتنقل إليه فكيف حكم الله تعالى وما الوجه؟

  26. وهذه مسألة لم أتحصل من قول الفقهاء فيها على ثبت والوجه المقطوع به سقوط التكليف عن صاحب الواقعة مع استمرار حكم سخط الله تعالى وغضبه عليه أما وجه سقوط التكليف فلأنه يستحيل تكليفه ما لا يطيقه ووجه استمرار حكم العصيان عليه تسببه إلى ما لا مخلص له منه.

  27. ولو فرض إلقاء رجل رجلا على صدر واحد كما سبق الفرض والتصوير بحيث لا ينسب الواقع إلى اختيار ذلك فلا تكليف عليه ولا عصيان.

  28. ومما أخرجه على ذلك: أن من خالط أهله في نحر السحر قاصدا إيقاع ذلك الوقاع بحيث إذا طلع الفجر اقترن بمطلعه الانكفاف والنزع وهذا القصد عسر التصور مع غموض مدرك أوائل الفجر فإن تصور ثم نزع المواقع مع أول الفجر فالذي أراه أنه يفسد صومه من جهة أنه تسبب إلى وضع المخالطة في مقارنة الفجر وإن كان منكفا وإن خالط أهله ظانا أنه في مهل من بقية الليل ثم طلع الفجر فابتدر النزع فلا يفسد والحالة هذه صومه فهذا منتهى الغرض من المسألة والفقهاء لا يفصلون هذا التفصيل ويحكمون بأن النازع لا يفطر وإن قصد وتعمد كما فرضناه من جهة أنه نازع مع أول الفجر تاركا للعمل وهذا ليس بالمرضى.

  29. مسألة:
  30. ٢١٣- السجود بين يدي الصنم مع قصد التقرب به إليه محرم منهي عنه على مذهب علماء الشريعة. ونقل عن أبي هاشم أنه لا يرى تحريم السجود ويقول إنما المحرم القصد وهذا لم أطلع عليه من مصنفات الرجل مع طول بحثي عنها فالذي ذكره من نقل مذهبه أن السجود لا يختلف صفته وإنما المحظور المحرم القصد وهذا يوجب أن لا يقع السجود طاعة من جهة تصور وقوعه مقصودا على وجه التقرب إلى الصنم ومساق ذلك يخرج الأفعال الظاهرة قاطبة عن كونها قربا وهذا خروج عن دين الأمة ثم لا يمتنع أن يكون الفعل مأمورا به مع قصد منهيا عنه مع نقيضه.

  31. مسألة:
  32. ٢١٤- إذا اتصلت صيغة "لا" في النفى بجنس من الأجناس فقد اضطرب فيها رأى أصحاب الأصول مثل قوله عليه السلام:١ "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" , ومذاهبهم يحصرها فنان من الكلام.

  33. أحدهما: أن اللفظة مجملة والثاني أنها ليست بمجملة فأما الصائرون إلى دعوى الإجمال فقد اختلفوا في جهة الإجمال فصار صائرون إلى أنها مجملة من جهة أن اللفظة بظاهرها متضمنة انتفاء الجنس وقوعا ووجودا وليس الأمر كذلك فاقتضى هذا وقفا وإلحاقا للفظة بالمجملات وهذا باطل من وجهين أحدهما أنا على قطع نعلم أن رسول الله عليه السلام إذا تعرض لأحكام الشرائع لم يرم إلا بيان الحكم وتأسيس الشرع وتبيين جهات التعبد وهذا مقطوع به ومن ظن غير ذلك فإنما يغالط نفسه فهذا وجه والوجه الثاني أن الصوم لفظ شرعي [عام] في عرف الشرع والذي نفاه الشارع صلى الله عليه وسلم الصوم الشرعي لا الإمساك الحسي وينقدح أيضا في الرد على هؤلاء أنا إذا تحققنا وقوع الجنس الذي ذكروه فقد اضطررنا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرده فإن خبره [لا] يقع على خلاف مخبره فيتبين إذا والحالة هذه استبانة خروج [ذلك] اللفظ عن مسالك الاحتمال ورد معنى اللفظ إلى الحكم.

  34. فإن قال قائل: هذا مشكل في صدق الرواة قلنا المسألة في اللفظ جارية كقوله سبحانه وتعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} ٢ وغيره.

  35. وذهب نازلون عن هذه المرتبة إلى صرف دعوى الإجمال إلى تردد اللفظ بين نفي الجواز ونفي الكمال وهذا اختيار القاضي أبي بكر٣ رضي الله عنه وهو مردود عندي فإن اللفظ ظاهر في نفي الجواز خفي جدا في نفي الكمال فإن الذي ليس بكامل صوم والرسول عليه السلام تعرض لنفي الصوم.

  36. ٢١٥- فمذهبنا المختار: أن اللفظ ظاهر في نفي الجواز مجاز في نفي الكمال على ما سنوضح مراتب التأويلات ومناصبها في كتاب التأويلات إن شاء الله.

  37. ٢١٦ - وذهب جمهور الفقهاء إلى أن اللفظة عامة تتناول نفي [الوجود] ونفي الحكم ثم تبين أن الوجود غير مراد فكان ذلك تخصيصا بمسلك الحس وقضية العقل وهذا وإن هذي به الفقهاء ركيك فإن اللفظ إنما يعم مسميين يتصور اجتماعهما وإذا فرض نفي الوجود فكيف يفهم معه نفى في بقاء الحكم؟.

    vol. 1, p. 106
  38. وذهب ذاهبون من الفقهاء إلى أن الوجود غير معنى بالنفي ولكن اللفظ عام في نفي الجواز والكمال وهذا يسقط بالمنهاج المقدم فإن الجواز إذا انتفى لم يعقل معه نفى كمال ومن ضرورة نفي الكمال ثبوت الجواز فقد بطلت دعوى الإجمال في اللفظة ودعوى العموم.

  39. واستبان ظهور اللفظ في نفي الجواز وكونه مؤولا في نفي الكمال.