الأسباب المبيحة للتيمم
9 paragraphs · vol. 1, p. 199
- vol. 1, p. 199
فتكون الأعذار ثلاثة: السفر، والمرض، وعدم الوجود في الحضر، وهذا ظاهر على قول من قال: إن القيد إذا وقع بعد جُمل متصلة كان قيداً (١) لآخرها.
- (١)وهو: {فلم تجدوا ماء} .
-
وأما من قال: أنه يكون قيداً للجميع إلا أن يمنع مانع: فكذلك أيضا (٢) ؛ لأنه قد وجد المانع ههنا من تقييد السفر والمرض بعدم الوجود للماء، وهو: أن كل واحد منهما عذر مستقل في غير هذا الباب - كالصوم -.
- (٢)انظر - لزاماً - " السيل الجرار " (١ / ١٢٧) للشوكاني.
-
ويؤيد هذا أحاديث التيمم الواردة مطلقة ومقيدة بالحضر.
- vol. 1, p. 200
فإن قلت: ما المعتبر في تسويغ التيمم للمقيم؟ هل هو عدم الوجود عند إرادة الصلاة كما هو الظاهر من الآية؟ أم عدم الوجود مع طلب مخصوص - كما قيل: إنه يطلب في كل جهة من الجهات الأربع في ميل -، أو ينتظر إلى آخر الوقت حتى لا يبقى إلا ما يسع الصلاة بعد التيمم؟
قلت: الحق أن المعتبر هو ما يصدق عليه مفهوم عدم الوجود المقيد بالقيام إلى الصلاة، فإذا دخل الوقت المضروب للصلاة، وأراد المصلي القيام إليها، فلم يجد حينئذ ما يتوضأ به، أو يغتسل في منزله ومسجده وما يقرب منهما: كان ذلك عذراً مسوغاً للتيمم.
-
وليس المراد بعدم الوجود في ذلك أن لا يجده بعد الكشف والبحث وإحفاء (١) السؤال، بل المراد أن لا يكون معه علم أو ظن بوجود شيء منه هنالك، ولم يتمكن في تلك الحالة من تحصيله بشراء أو نحوه، فهذا يصدق عليه أنه لم يجد الماء عند أهل اللغة.
- (١)شدته.
-
والواجب حمل كلام الله على ذلك مع عدم وجود عرف شرعي (٢) ، وقد وقع منه [صلى الله عليه وسلم] ما يشعر بما ذكرناه؛ فإنه تيمم في المدينة من جدار؛ كما ثبت ذلك في " الصحيحين " من دون أن يسأل ويطلب، ولم يصح عنه في الطلب شيء تقوم به الحجة، فهذا - كما يدل على عدم وجوب الطلب - يدل على عدم وجوب انتظار آخر الوقت.
- (٢)وهذه قاعدة مهمة من قواعد الشرع.
-
ويدل على ذلك حديث الرجلين اللذين تيمما في سفر، ثم وجدوا الماء،
vol. 1, p. 201فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر، فقال [صلى الله عليه وسلم] للذي لم يعد: " أصبت السنة " ؛ أخرجه أبو داود، والحاكم وغيرهما من حديث أبي سعيد (١) ، فإنه يرد قول من قال بوجوب الانتظار إلى آخر الوقت على المتيمم، سواء كان مسافراً أو مقيماً.
- (١)انظر " المشكاة " (٥٣٣) ، و " التلخيص الحبير " (١ / ١٥٦) .
-
إذا تقرر لك هذا: استرحت عن الاشتغال بكثير من التفاريع المحررة في كتب الفقه؛ فإن هذه هي ثمرة الاجتهاد.
-
فأي فرق بين من لا يفرق بين الغث والسمين من المجتهدين، وبين من هو في عداد المقلدين؟ !