بيان أول وقت الفجر وآخره

2 paragraphs · vol. 1, p. 230

  1. (وأول وقت الفجر إذا انشق الفجر) أي: ظهور الضوء المنتشر، وبينه [صلى الله عليه وسلم] أشفى بيان، فقال لهم: " أنه يطلع معترضاً في الأفق " ، و " أنه ليس الذي يلوح بياضه كذنب السِّرحان (١) " ، وهذا شيء تدركه الأبصار، وقال - تعالى -: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ، فجاء بلفظ التفعل، لإفادة أنه لا يكفي إلا التبين الواضح، أي: يتبين لكم شيئاً فشيئاً حتى يتضح؛ فإنه لا يتم تبينه وظهوره إلا بعد كمال ظهوره، فإنه يطلع - أولا -

    vol. 1, p. 231تباشير الضوء، ثم ذنب السِّرحان وهو الفجر الكذاب، ثم يتضح نور الصباح الذي أبداه بقدرته فالق الإصباح، ولذلك قال الشاعر:

    (وأزرق الصبح يبدو قبل أبيضه ... وأول الغيث قطر ثم ينسكب)

    قال ابن القيم: " إن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان يقرأ بالستين آية إلى المئة، ثم ينصرف منها والنساء لا يُعرفن من الغلس (١) ، وأن صلاته كانت في التغليس حتى توفاه الله - تعالى -، وأنه أسفر بها مرة واحدة، وكان بين سحوره وصلاته قدر خمسين آية، فرُد ذلك بمجمل حديث رافع بن خديج: " أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر " (٢) ، وهذا - بعد ثبوته - إنما المراد به الإسفار بها دواماً، لا ابتداء، فيدخل فيها مغلسا ويخرج منها مسفرا، كما كان يفعله رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، فقوله موافق لفعله لا مناقض له، وكيف يُظن به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه؟ ! " انتهى.

    1. (١)السِّرحان هو: الذئب؛ والمراد ارتفاع نوره عموديا في السماء.
    2. (١)الظلام. والحديث؛ رواه البخاري (١٩٢١) ، ومسلم (١٠٩٧) .
    3. (٢)حديث صحيح، انظر " إرواء الغليل " (٢٥٨) .
    vol. 1, p. 230
  2. (وآخره طلوع الشمس) : ومما ينبغي أن يُعلم: أن الله - عز وجل - لم يكلف عباده في تعريف أوقات الصلوات بما يشق عليهم ويتعسر، فالدين يسر، والشريعة سمحة سهلة، بل جعل - [صلى الله عليه وسلم] - للأوقات علامات حسية يعرفها كل أحد، فقال في الفجر: طلوع النور الذي هو من أوائل أجزاء النهار يعرفه كل أحد، وقال في الظهر: " إذا دحضت الشمس " (٣) ، إذا زالت الشمس،

    vol. 1, p. 232وقال في العصر: " والشمس بيضاء نقية " ، وقال في المغرب: " إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا " ، وقال في العشاء: من قدّر وقت صلاته بأنه كان يصليها وقت غروب الهلال ليلة ثالث الشهر، وورد التقدير بالشفق، وورد (١) التقدير بثلث الليل وبنصفه، فهذه العلامات لا تلتبس على أكمه.

    1. (٣)هي رواية عند مسلم (٦٠٦) عن جابر بن سمرة.
    2. (١)هذا التقدير قدّره النعمان بن بشير - رضي الله عنه -، وقد بينت في شرحي على " التحقيق " لابن الجوزي أنه تقدير لا يطابق كل شهر؛ فإن القمر يغيب ليلة ثالث الشهر في أوقات مختلفة باختلاف الأشهر، وقد يصل الفرق بين الليلة الثالثة من شهر وبين الليلة الثالثة من شهر آخر إلى نحو الساعتين، ولعل النعمان رأى النبي [صلى الله عليه وسلم] صلى العشاء - لسقوط القمر لثالثه - مرات من غير تتبع ولا استقصاء، فظن أن هذا الوقت متحد في الليالي، ولم يلاحظ الفرق بينها. (ش)