حكم الزكاة في أموال التجارة
14 paragraphs · vol. 1, p. 503
- vol. 1, p. 503
(وأموال التجارة) لما قدمنا من عدم قيام دليل يدل على ذلك، وقد كانت التجارة في عصره - [صلى الله عليه وسلم] - قائمة في أنواع مما يتجر
vol. 1, p. 504به، ولم ينقل عنه ما يفيد ذلك.
-
وأما ما أخرجه أبو داود، والدارقطني، والبزار من حديث جابر بن سمرة قال: كان رسول الله - [صلى الله عليه وسلم] - يأمرنا بأن نخرج الزكاة فيما نعد ": فقال ابن حجر في " التلخيص ": إن في إسناده جهالة.
-
وأما ما رواه الحاكم، والدارقطني عن عمران - مرفوعاً - بلفظ: " في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته " - بالزاي المعجمة (١) - فقد ضعف الحافظ في " الفتح " جميع طرقه، وقال في واحدة منها: هذا إسناد لا بأس به.
- (١)انظر - لمزيد من التحقيق - " تمام المنة " (ص ٣٦٣) ، و " السلسلة الضعيفة " (١١٧٨) .
-
ولا يخفاك أن مثل هذا لا تقوم به الحجة لا سيما في التكاليف التي تعم بها البلوى.
-
على أنه قد قال ابن دقيق العيد: إن الذي رآه في " المستدرك " في هذا الحديث: " البر " - بضم الباء الموحدة وبالراء المهملة -، قال: والدارقطني رواه بالزاي، لكن من طريق ضعيفة، وهذا مما يوجب الاحتمال، فلا يتم الاستدلال، فلو فرضنا أن الحاكم قد صحح إسناد هذا الحديث - كما قال المحلي في " شرح المنهاج " -؛ لكان مجرد الاحتمال مسقطا للاستدلال، فكيف إذا قد عورض ذلك التصحيح بتضعيف الحفاظ لما صححه الحاكم؛ مع تأخر عصرهم عنه واستدراكهم عليه؟ !
- vol. 1, p. 505
ويؤيد عدم الوجوب: ما ثبت عنه - [صلى الله عليه وسلم] - في " الصحيح " من حديث أبي هريرة: " ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه " ؛ وظاهر ذلك عدم وجوب الزكاة في جميع الأحوال.
-
وقد نقل ابن المنذر الإجماع على زكاة التجارة، وهذا النقل ليس بصحيح، فأول من يخالف في ذلك الظاهرية، وهم فرقة من فرق الإسلام.
-
أقول: وأما الاستدلال بقوله - [صلى الله عليه وسلم] -: " وأما خالد؛ فقد حبس أدراعه وأعتده (١) في سبيل الله " : فلا تقوم به الحجة؛ إلا إذا كانت المطالبة له بزكاة ذلك الذي حبسه مع كونه للتجارة، فعرّفهم النبي - [صلى الله عليه وسلم] - أنها قد صارت محبسة، وأنه لا زكاة فيها بعد التحبيس، وليس الأمر كذلك، بل الظاهر أنهم لما أخبروا النبي - [صلى الله عليه وسلم] - بأن خالدا امتنع من الزكاة رد عليهم بذلك.
- (١)العتاد - بفتح العين والتاء وبعدها ألف -: آلة الحرب من السلاح والدواب وغيرها؛ جمعه: أعتد - بضم التاء، ويجوز كسرها -. (ش)
-
والمراد: أن من بلغ في التقرب إلى الله إلى هذا الحد - وهو تحبيس أدراعه وأعتده -؛ يبعد كل البعد أن يمتنع من تأدية ما أوجبه الله عليه من الزكاة، مع كونه قد تقرب بما لا يجب عليه، فلا يكون في ذلك دليل على وجوب زكاة التجارة.
-
وأما الاستدلال بقول عمر (٢) ؛ فهو (٣) ممن لا يقول بحجية قول
vol. 1, p. 506الصحابي، ولكنه إذا وافق قول الصحابي ما يعتقده؛ ضم إليه دعوى الإجماع السكوتي مجازفة.
- (٢)انظره في " الإرواء " (٨٢٨) - مضعفا -.
- (٣)أي: ابن حزم، والظاهرية.
-
إذا تقرر هذا: علمت أنه لا دليل يدل على وجوب زكاة التجارة، والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يقوم دليل ينقل عنها.
-
وأما ما حكاه ابن المنذر من الإجماع على زكاة التجارة: فلا أدري كيف تجاسر على هذا؟ ولو سلمناه لما قامت به حجة؛ إلا على من يقول بحجية الإجماع.
-
وقد عرفت ما هو الصواب في هذا الباب في كتابنا " حصول المأمول من علم الأصول " (١) .
- (١)وهو تحت الطبع - بتحقيقي.
-
وقد حقق الماتن - رحمه الله - المقام في كتابه " إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول " ؛ فليراجع.